خروج "فصائل النجف": بدء مرحلة تفكيك الحشد الشعبي؟

26 ابريل 2020
الصورة
أدى مقتل سليماني والمهندس إلى تضعضع "الحشد"(مرتضى سوداني/الأناضول)
+ الخط -
بعد أيام من توقيع رئيس حكومة تصريف الأعمال في العراق، عادل عبد المهدي، قراراً يتضمن خروج الفصائل المسلحة المرتبطة بالنجف من عباءة هيئة "الحشد الشعبي" وربطها بمكتب القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء)، رأى مسؤولون عراقيون وقيادات مقرّبة من "الحشد الشعبي"، أن خروج الفصائل المُقلدة للمرجع الديني في النجف علي السيستاني المعروفة بـ"حشد العتبات"، له دلالة سياسية داخلية وخارجية وآثار مستقبلية على هوية "الحشد الشعبي" نفسه. وجاء ذلك بعد استخدام فصائل عدة اسم "الحشد الشعبي" لمصلحة أجندات إيرانية مؤذية لاستقرار العراق، أخطرها في التصعيد الحالي ضد القوات الأميركية، فضلاً عن تدخلها المستمر بالعملية السياسية الذي أثّر سلباً بملف تشكيل الحكومة. وكان عبد المهدي قد قرر فكّ ارتباط أبرز أربعة فصائل مسلحة مرتبطة بالنجف ومعروفة بـ"حشد العتبات"، نسبة إلى العتبات الدينية العباسية والحسينية والعلوية في النجف وكربلاء، التي تشكل أكثر من 40 في المائة من تعداد عناصر "الحشد الشعبي" الكلي، معلناً ربطها بمكتب القائد العام للقوات المسلحة. وجاء في الوثيقة الصادرة عن عبد المهدي، الموجّهة إلى رئيس "الحشد الشعبي" فالح الفياض، أنه "قررنا ربط اللواء الثاني واللواء الـ 11 واللواء الـ 26 واللواء الـ 44 إدارياً وعملياتياً بالقائد العام للقوات المسلحة، وستنضم بقية الفصائل بأمر لاحق". وبحسب الوثيقة، إن خروج تلك الفصائل وإلحاقها بمكتب القائد العام يعني أنها باتت تتبع قيادة العمليات المشتركة العراقية، وضمن وزارة الدفاع العراقية تحديداً.

وبالنسبة إلى أسماء الفصائل التي وردت في الوثيقة، فهي تشكيلات فرقة الإمام علي القتالية والعتبة الحسينية والعتبة العباسية وأنصار المرجعية، وهي الفصائل التي رفضت تعيين عبد العزيز المحمداوي، الملقب بـ"الخال"، أو "أبو فدك"، خلفاً لأبو مهدي المهندس الذي اغتيل برفقة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بغارة أميركية قرب مطار بغداد، في 3 يناير/ كانون الثاني الماضي. وسبق لأحد قادة هذه الفصائل، وهو ميثم الزيدي، قائد فرقة "العباس" القتالية، أن اتهم قيادة "الحشد الشعبي" بالتمييز بين الفصائل المسلحة في ما يتعلق بالمخصصات المالية والأمور اللوجستية الأخرى.

ووفقاً لمسؤول بارز في بغداد، فإن قرار فكّ فصائل من "الحشد الشعبي" ودمجها أو ربطها بجهات أخرى، غير قانوني، لكونه يخالف قانون "الحشد" الذي أقره البرلمان والذي حدد الفصائل وهويتها ومسارها القانوني، لافتاً إلى أن القرار جاء لتفكيك أزمة متصاعدة بين جناحين: الأول يمثل الفصائل العراقية، والآخر يطلق على نفسه اسم "المقاومة الإسلامية"، ويعتبر أن ولاءه الديني للمرشد الإيراني علي خامنئي، أهم من ولائه الوطني، مثل كتائب حزب الله والنجباء وسيد الشهداء والعصائب وفصائل أخرى مسلحة. وكشف أن "رغبة فك الارتباط للفصائل ليس قراراً أو رغبة من قادة تلك الفصائل، بل تشاركهم فيه المؤسسة الدينية في النجف أيضاً"، في إشارة إلى السيستاني.

واعتبر المسؤول أن "هيمنة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران على الحشد الشعبي وتورّطهم بأنشطة ذات أجندات إقليمية مخلة باستقرار العراق، وتدخلهم بالأزمة السياسية، وهو ما ترفضه النجف بشدة، وتعتبر أن مهمة تلك الفصائل كانت درء خطر داعش"، كاشفاً أن اختيار المحمداوي خلفاً للمهندس، فاقم الأزمة كثيراً.

وفي أول بيان مشترك لها، أفادت الفصائل الأربعة الخارجة من عباءة "الحشد الشعبي"، أنها تدرس طلب انضمام فصائل وألوية أخرى بـ"الحشد" راغبة في الانضمام إليها. وأضاف البيان الذي نقلته وسائل إعلام محلية أول من أمس الجمعة، أن المعايير الواجب توافرها في أي تشكيل يرغب في الانضمام إليها هي المعايير الوطنية، والضوابط القانونية، والالتزامات الدستورية. واعتبر البيان أن الفصائل تعمل وفقاً للرؤى الوطنية وما تقتضيه طبيعة الأوضاع في العراق، و"لا تحمل أي توجّهات أو مشاعر سلبية تجاه أي طرف أو جهة مهما بلغت تصرفاته، لكنها تسعى إلى تصحيح بعض المسارات". وكشف البيان أن انتقالهم من الحشد كان "برعاية من رئيسي الجمهورية برهم صالح، والحكومة عادل عبد المهدي، وبعض القيادات الأمنية والرسمية، فضلاً عن وكلاء المرجعية الدينية العليا الشيخ عبد المهدي الكربلائي والسيد أحمد الصافي".

لكن مكتب عبد المهدي ردّ على الفصائل الأربعة في ساعة متأخرة من أول أمس الجمعة، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، بأن "عملية ارتباط هذه الفصائل بمكتب القائد العام هو ارتباط إداري وعملياتي فقط، ولا يتناول الكثير من الأمور التي ذكرها البيان المذكور"، مذكراً بما وصفه أهمية "الحفاظ على وحدة الحشد الشعبي".

في المقابل، يرفض عادل الكرعاوي، المتحدث باسم جماعة "أنصار الله الأوفياء"، أحد الفصائل القريبة من إيران، "تسمية الفصائل التابعة للعتبات الحسنية والعباسية والعلوية بحشد المرجعية، لكونها ألوية تابعة داخل الحشد الشعبي، ولا توجد تسمية كهذه في تنظيمات الهيئة الجامعة لكل الألوية"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أنه "ليس هناك ما يدعو للتأويل عن تحوّل بعض الألوية إلى القائد العام للقوات المسلحة، وربما السبب يعود إلى حاجة القائد العام إلى قوات احتياطية موازية لجهاز مكافحة الإرهاب، وأن التحوّل لا يعني أن هناك مشكلة بين الألوية أو داخل هيئة الحشد الشعبي".

وبشأن الخلافات التي طفت إلى السطح وتطورت أخيراً داخل "الحشد الشعبي"، ولا سيما بعد خروج لقاء جمع بعضها بوزير الدفاع نجاح الشمري إلى العلن، لكنها في الواقع تفاقمت منذ مقتل القائد سليماني والمهندس، يشير الكرعاوي إلى أن "لجوء بعض الألوية في الحشد إلى وزارة الدفاع كان بترتيب مع عادل عبد المهدي، بعد أن أعلن الأخير أن من له الرغبة في الانضمام إلى الجيش العراقي، فليمضِ نحو ذلك، ولكن الدفاع اعترضت لعدم وجود الإمكان لاستقطاب ألوية أخرى تكون ضمن مسؤولياتها".

وإن كان الموضوع له علاقة برفض تسمية المحمداوي خلفاً للمهندس، فقد اعترف بأن "بعض الألوية في الحشد استشكلت على أمر التعيين، لكن المعترضين استغربوا عدم إبلاغهم بشأن تعيينه، وليس هناك خلاف كما يتصوره البعض، وأبو فدك رجل ميداني، ولكن لا يعرفه أحد من الألوية، وكان يأتي إلى المعارك واضعاً اللثام لأنه مطلوب للأميركيين".

من جهته، يكشف عضو تيار "الحكمة" محمد اللكاش أن "بعض الألوية داخل الحشد الشعبي غير منسجمة مع ألوية أخرى من الناحيتين الإدارية والفنية، وهو ما دعا القائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي إلى فك ارتباط أربعة ألوية وإلحاقها به شخصياً"، مؤكداً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "الخلافات تحدث داخل الحشد بسبب تأخير تسمية بديل لنائب رئيس الهيئة، الذي يخلف المهندس الذي كان قادراً على احتواء كل الخلافات داخل هذه المؤسسة".

أما الخبير الأمني هشام الهاشمي، فيشدّد في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، على أن "قرار فك الألوية التابعة لمرجعية النجف جاء لتسوية الخلاف وحسم الأمر لمصلحة أبو فدك، وهذه الألوية قد تتحول إلى مشكلة تواجه المكلف تشكيل الحكومة مصطفى الكاظمي، في حال منحه الثقة برلمانياً، لأنه سيكون مجبراً على توفير الرواتب لهم، بعد أن كانت هيئة الحشد الشعبي متكفلة بذلك"، موضحاً أن "الحشد بعد قرار الانفكاك الأخير سيفقد غطاء فتوى المرجع علي السيستاني بعد انسحاب ألوية العتبات".

وحول الموضوع الذي اصطلح عليه أخيراً عراقياً بـ"الأزمة الفصائلية"، يقول الخبير أحمد الحمداني إن خروج المجاميع المسلحة ذات الطابع الوطني من "الحشد" قد يؤسس لرفع غطاء مهم عن باقي الفصائل، وهي الفتوى الدينية التي أطلقها المرجع علي السيستاني، بمعنى أن الفصائل المرتبطة بالنجف خرجت منه، ومعروف أن "الحشد" مشكّل من معسكرين: الأول هو فصائل النجف، أو ما باتت تعرف اليوم بالعراقية، وهي الأكثر التزاماً بمقررات الحكومة، بل أكثر قرباً من المواطنين بعد الجيش والشرطة، والثاني هو الفصائل المرتبطة بإيران، التي لا تتردد في الإعلان والتصريح عن ارتباطها بطهران وتتبنى مواقفها.

يذكر الحمداني أن أي خطوة لانسحاب فصائل أخرى من "الحشد"، قد يكون عبر اندماجها مع الفصائل الأولى المنسحبة، وقد ينتهي هذا الخروج أو الانشقاق إلى دمج تلك الفصائل بالجيش العراقي، لتبقى الفصائل الأكثر ولاءً لإيران بمفردها تحت مظلة "الحشد الشعبي"، وهو ما يعني خلق مشهد جديد على مستوى الفصائل المسلحة. ويعتبر أن هذا الانسحاب أحرج الفصائل المرتبطة بإيران كثيراً، لكنها كانت تمارس ذات لعبة الكتل السياسية المدعومة من إيران في فرض إرادتها بتشكيل الحكومة عبر فرض مرشحها "أبو فدك" لخلافة المهندس وتصنيفها الفصائل بنظرة سياسية وفكرية دينية لا وطنية.

وكان البرلمان العراقي قد أقرّ في عام 2016، ما يعرف باسم "قانون الحشد الشعبي"، الذي اعتبر "الحشد" مؤسسة عسكرية مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة وتتلقى أوامرها منه، لكن أغلب فصائل "الحشد" لم تلتزم التوجيهات الحكومية، وارتكبت انتهاكات كثيرة في المحافظات التي شهدت معارك ضد "داعش"، كذلك فإنها أظهرت ولاءها لإيران بشكل معلن، ولا سيما في ما يتعلق بتداعيات قصفها للمواقع العسكرية الأميركية في العراق.


المساهمون