خادم الموسيقى العربية.. 126 سنة من الحضور

23 مارس 2018
الصورة
(سيد درويش)
+ الخط -
كان يوقع في كثير من الأحيان باسم "خادم الموسيقى العربية"، وحين كان يمشي مع صديقه الكاتب توفيق الحكيم في شارع يعجّ بالمسارح، كانت فرقة نجيب الريحاني تقدم عملاً من تلحينه على إحداها، وعلى بعد ناصيتنين تقدّم فرقة علي الكسار مسرحية أخرى من تلحينه أيضاً، وبعد بضعة أمتار وعلى مسرح ثالث كانت فرقة أبناء عكاشة تقدم عملاً آخر من موسيقاه أيضاً، عندها كان ينظر إلى الحكيم ضاحكاً ويخرج جيبيه الفارغين، ساخراً من كثرة الأعمال والجيب الذي لا يملك فيه مليماً.

هذا هو سيد درويش (1892-1923)، الذي نظم مقهى "تاء مربوطة" في بيروت أمسية تستعيد حياته وتجربته وموسيقاه بمناسبة ذكرى ولادته، وكانت المحاضرة التي ألقاها المؤرخ الموسيقي إلياس سحاب، مساء أمس، بعنوان "زوروني كل 126 سنة مرة"، تخللها الاستماع إلى تسع مقطوعات نادرة من تلحين درويش وغنائه أو غناء آخرين مثل محمد عبد الوهاب، أو مصطفى سعيد أو نرجس المهدية.

تناول سحاب قصة درويش ابن كوم الدكة في الإسكندرية، منذ البدايات، حيث حياة الموسيقي بدأت مع اليتم فلم تستطع والدته إرساله إلى المدرسة، فأدخلته الكتاب ليحفظ القرآن ويتشرب اللغة وموسيقاها الطبيعية، قبل أن يلتحق بمدرسة سلامة حجازي ويصبح أستاذه ويقدمه على المسرح مرتين؛ فيفشل في الاثنتين في أن يكسب الجمهور، ما يدفع حجازي إلى "تأنيب الحضور" كما يقول سحاب، ويقدّم فيه شهادة المعلم في تلميذه، ثم يموت بعدها بخمسة أيام.

يلفت الباحث الموسيقي إلى رحلتين قام بهما درويش إلى الشام، وقد فشل في الأولى لأنه كان يزور الشام بعد زيارة الشيخ حجازي، فكانت الأذن الشامية قد توقعت أن يكون تلميذ الشيخ نسخة منه، وحين لم تجد ذلك انصرفت عنه. أما الزيارة الثانية فمكث فيها سنتين يتعلم في حلب أصول القدود الحلبية والغناء الشرقي. ليس هذا فقط بل تأثر بالتراتيل السريانية البيزنطية التي سمعها في الكنائس، وكان يطلق عليها "الأوبرا الإلهية".

من جهة أخرى، ترك درويش أذنه تتشبع حين عاد إلى القاهرة بكل ما يستطيع الوصول إليه من الغناء الكلاسيكي والأوبرالي الغربي، ظهر ذلك لاحقاً في عدة أغانٍ حيث الجمل الموسيقية العريضة، من ذلك طقطوقة "إيه العبارة" التي غنتها آنذاك مطربة بصوت متواضع، وفقاً لتعبير سحاب، بفرقة فقيرة، لكن الموسيقي أبو بكر خيرت (1910-1963) المتخصص في الموسيقى الغربية فقط، أخذها وقام بتوزيعها على أوركسترا كاملة فظهرت روعة اللحن ومساحة جمله الحقيقية.

كان درويش وفقاً لسحاب، أول من صنع فرقاً واضحاً بين الملحن والمغني في الثقافة الموسيقية العربية، فقد كان الأمر مختلطاً في القرن التاسع عشر، حيث الملحن قد يؤلف موسيقى المذهب فقط، أي مطلع الأغنية، ويترك الباقي للمغني يتصرف فيه كما يشاء.

كما أن لدرويش الفضل في صناعة مسرح غنائي تأثر به الرحابنة تأثراً كبيراً، وكان أول من مهّد لغناء المونولوغ الذي أخذه الملحنون لاحقاً إلى مناطق أخرى، وكان تلاميذه هم الشيخ زكريا أحمد وبشكل أساسي محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي.

في نهاية المحاضرة يتساءل سحاب سؤالاً افتراضياً: لو لم يمت سيد درويش باكراً فماذا كان سيقدم للموسيقى العربية؟ يقول المحاضر إن إجابة السؤال الافتراضية الصعبة مؤكدة؛ وهي أن حال الموسيقى سيكون أفضل وأغنى مما هو اليوم، لقد كان شاباً يحلم بالسفر لإتمام دراسة الموسيقى في إيطاليا وكان طامحاً إلى التجديد منفتحاً ومغامراً، وكان في الغناء أقرب إلى الناس منه إلى مجالس الطرب والقصور، فها هو يلاحق الساقين والشيالين ليستمع إلى أساليبهم في النداء، ويعيد توظيفها في أعمال تناولت عدة فئات اجتماعية في كدّها اليومي وشقائها العادي.

دلالات

المساهمون