حناجر ثائرة: عبد الباسط الساروت ورفاقه... "حانن للحرية حانن"

10 يونيو 2019
الصورة
الساروت ورفاقه في إدلب (عمر حاج قدور/فرانس برس)
حتى لحظة إصابته الخميس الماضي في ريف حماة السورية، ثمّ رحيله يوم السبت، بقي عبد الباسط الساروت، مقاتلاً ومؤمناً بانتصار الثورة السورية ومبادئها على قمع وإجرام نظام بشار الأسد، وحلفائه من الإيرانيين والروس واللبنانيين. بسلاحه وبحنجرته، اشتهر الساروت، فكان منشد الثورة، وصاحب أبرز الأناشيد التي رافقت سنوات الانتفاضة السورية منذ العام 2011. ولعل أشهر ما غنّاه كانت "جنة جنة جنة"، التي غيّر كلماتها لتناسب الوضع السوري.



الساروت الملقب بـ"بلبل الثورة وحارسها" وفق التسمية التي أطلقها عليه رفاقه، كان من الرموز التي جمعت أحرار سورية، وصدحت حناجرها بالهتافات ضد النظام، والأهازيج المطالبة بالحرية. لكن الساروت لم يكن وحده في ساحات الهتاف، وإن كان الأكثر شهرة بسبب شجاعته الكبيرة. بل إن الثورة منذ لحظاتها الأولى، عرفت عدداً من المنشدين، الذين أطلق عليهم لقب "القاشوش"، تيمناً بإبراهيم القاشوش، ابن مدينة حماة، الذي اشتهر بقيادته للتظاهرات السلمية هناك، فلم يحمل السلاح، لكن كلماته كانت كافية لتزعج نظام الأسد. مصير القاشوش لا يزال حتى اليوم غامضاً، فبينما انتشرت روايات في سنوات الثورة الأولى عن قتله واقتلاع حنجرته، قالت أخبار أخرى إنه لاجئ في إحدى الدول الأوروبية وقد توارى عن الأنظار حفاظاً على حياته.


حاول النظام طيلة هذه السنوات قمع المنشدين وأصحاب الهتافات في الشوارع، لكن وحشيّته فشلت أمام كثيرين، بينهم سيفو العكر أحد أبرز الأصوات التي صدحت ضد النظام في الغوطة الشرقية.
وقضى العكر ابن مدينة سقبا (1991) في ريف دمشق، بحادث سير في على طريق مدينة أعزاز بريف حلب الشمالي في مايو/أيار 2018، وكان يلقب بـ"قاشوش الغوطة". وعرف عنه نشاطه الإعلامي وعمله الدؤوب على مساعدة أهالي مدينته، ليغادر معهم خلال تهجيرهم للشمال السوري، حيث قضى.



أيضاً اشتهر في الغوطة الشرقية المنشد موفق النعال ابن مدينة دوما (1962) الذي لقب بـ"أبو عماد المنشد". وهو واحد من الأصوات المميزة التي قادت التظاهرات. لكن تعرض المنشد للاعتقال على يد عناصر هيئة تحرير الشام في 9 يناير/كانون الثاني 2018 ، لتفرج عنه الهيئة بعد ضغوط شعبية ومدنية. ولا يزال المنشد مقيماً في الشمال السوري.


ومن بين الأصوات التي حاول نظام الأسد تغييبها أيضاً طارق الأسود ابن مدينة حمص (1989) المعروف بـ"بلبل حي الملعب". وقد اشتهر بشخصيته اللطيفة والمحببة بين الناس. وطارق وجد مكاناً لنفسه على الأكتاف ليقود التظاهرات بصوت ثابت، ويثير حماسة من حوله، متنقلاً بين أحياء الملعب وبابا عمرو، والإنشاءات، والحميدية، لينتهي به الأمر أسيراً لدى النظام.
اعتقال الأسود لأربعة أيام في زنازين نظام الأسد، كانت كفيلة بتشويه جسده، وزرع الندوب فيه. وبقيت هذه الجراح أشهراً على جسده، لكنها لم تثنه عن العودة والالتحاق بتظاهرات الحرية في مدينته، وأثناء مشاركته في أحد التحركات الشعبية يوم الجمعة 24 فبراير/شباط 2012، أصيب بجروح بالغة مع صديقه أنس طرشة، ليفارقا الحياة سريعاً.


يُذكر في هذا السياق الناشط غياث مطر ابن مدينة داريا في ريف دمشق، الذي ثابر على قيادة المظاهرات فيها، مؤكداً على سلمية الثورة السورية عند انطلاقها. مطر الذي ولد في 8 أكتوبر/تشرين الأول 1986 في مدينة داريا، تميز بأخلاقه العالية، وصوته العذب. في الثورة لُقب بـ"غاندي الصغير"، لكن سلمية غياث لم تشفع له، فلاحقته قوات النظام لتعتقله في 6 سبتمبر/أيلول 2011. انتفضت مدينة داريا مطالبة بالإفراج عنه، لكن غياث قضى تحت التعذيب في معتقلات الأسد. وقد سلم جثمانه إلى أهله، وكانت تكسوه الحروق والجروح، كما شق عنصار النظام بطنه قبيل تسليم جثته.


ومن غياث إلى سميح شقير "الحنجرة الثائرة"، التي حملت هموم الناس منذ ما يزيد عن 30 عاماً. آمن بتحرير الإنسان قبل الوقوف بوجه الطاغية. الفنان أعلن موقفه المناهض للنظام صراحة منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة، ليهدي أغنيته "يا حيف" لأطفال درعا مع انطلاقة الثورة عام 2011. وسميح شقير فنان سوري، ومغنٍّ، ومؤلف موسيقي، وشاعر من مواليد الجولان السوري المحتل، وعاش حياته قبل المنفى الفرنسي في قرية القرّيا (محافظة السويداء)، وبدأ بتقديم أغانيه على المسارح عام 1982، ويقيم حاليا في العاصمة الفرنسية باريس.


كل هؤلاء المنشدين والفنانين شقوا بحناجرهم الشجاعة طريقاً لحرية السوريين، ليصبحوا كما الساروت رموزاً لا يغيّب الموت ذكراها.
تعليق: