حملة تونسية لمقاطعة الاستيراد خوفاً من تداعيات "تعويم" الدينار

25 ابريل 2017
الصورة
قبول شعبي لتشجيع المنتجات المحلية (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -
لجأ نشطاء تونسيون إلى وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لحملة شعبية واسعة، لمقاطعة السلع المستوردة ودعم المنتجات المحلية، في محاولة لتقليص عجز الميزان التجاري، وإنقاذ العملة المحلية من التهاوي، بعد أن بدأت سلسلة من الهبوط على مدار الأيام الماضية، إثر إعلان الحكومة اعتزامها خفض سعرها تدريجياً في إطار تعويم جزئي.
وتراجع الدينار التونسي إلى مستوياته منذ سنوات أمام العملتين الأوروبية والأميركية، مسجلا 2.51 دينار مقابل الدولار، مقارنة مع 1.34 دينار مطلع 2011، كما هبط أمام اليورو من 1.93 دينار، إلى 2.69 دينار في تعاملات أمس، بينما تتنامى المخاوف من هبوط أكبر خلال الأيام المقبلة.

وإزاء هاجس الخوف الذي يعصف بالتونسيين من التداعيات المرتقبة للتعويم الجزئي للدينار (تحرير سعر الصرف)، تجد حملة مقاطعة المنتجات الأجنبية قبولاً كبيراً لدى عموم التونسيين، لا سيما أن نشطاء من مختلف الشرائح الاجتماعية والعمرية تجندوا للدفاع عن هذه الفكرة، معتبرين أن التونسي مطالب بحماية نفسه من السياسات الحكومية التي أغرقته في الصعوبات المعيشية.
وبالتوازي مع حملة "استهلك تونسي استهلك منتوج بلادك"، يطالب عدد من المراقبين الحكومة بالحد من الواردات العشوائية، التي أغرقت السوق بمنتجات تصنع محلياً، وهو ما أدى إلى إهدار كبير في العملة، مطالبين بمراجعة الاتفاقيات التجارية.

ولضمان جدوى أكبر لحملة المقاطعة، قام المشرفون على الحملة بتأييد المنشورات بصور منتجات أجنبية لها نظائر محلية، وتشمل سلعاً غذائية ومواد تنظيف ومنسوجات، وهي الأكثر تأثيراً في نسبة التضخم بحسب آخر بيانات للمعهد الوطني للإحصاء الحكومي.
وارتفعت نسبة تضخم أسعار المستهلكين في تونس خلال مارس/ آذار الماضي إلى 4.8%، بعد استقرار خلال يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط عند مستوى 4.6%.
وأرجع المعهد الوطني للإحصاء في بيان أصدره خلال الأسبوع الأول من أبريل/نيسان الجاري، ارتفاع التضخم إلى صعود أسعار العديد من المجموعات الرئيسية، على غرار الأغذية والمشروبات بنسبة 5% والملابس والأحذية بنسبة 7.4%.

ويقول حافظ ميلادي، وهو أحد نشطاء حملة "استهلك تونسي"، إن "الوعي المجتمعي مهم جداً في الأزمات الاقتصادية، فترشيد الاستهلاك ودعم المنتجات المحلية ممكن أن يؤثر إيجابياً على ميزان المدفوعات ويقلص من توريد المنتجات الاستهلاكية، التي لها نظائر محلية".
وأضاف ميلادي في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنه تم استنزاف القدرة الشرائية للتونسيين في السنوات الخمس الماضية، وتتجه نحو الأسوأ بفعل التراجع المتواصل للعملة المحلية لذا ينبغي توعية التونسيين".

وينتاب التونسيون القلق، من خفض سعر الدينار الذي يرجح أن يزيد أسعار مختلف السلع بشكل كبير، لاعتماد البلاد على الاستيراد لتغطية جزء مهم من احتياجاتها.
وكانت وزيرة المالية، لمياء الزريبي، قد أعلنت يوم الثلاثاء الماضي، أن "البنك المركزي سيخفض الدينار تدريجياً، ولكنه لن يسمح بانزلاق كبير للعملة المحلية، مثلما حدث في مصر عندما جرى تعويم الجنيه".

وحررت مصر عملتها المحلية بشكل كامل، في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، ليحدد العرض والطلب عليها أسعارها بشكل يومي، دون تدخل من البنك المركزي المصري، لكن الجنيه تهاوى بنحو كبير، وشهدت أسعار السلع قفزات غير مسبوقة هي الأعلى منذ عقود، ما زاد من الضغوط المعيشية على أغلب المصريين.

وحذرت الوزيرة التونسية من أن "الانزلاق الكبير والمفاجئ للدينار، ستكون له تداعيات أبرزها التضخم، مثلما حدث في مصر، الذي تجاوز حاجز 30% خلال الشهور القليلة الماضية".
وفي هذه الأثناء، تجد حملة "استهلك تونسي" مساندة كبيرة من منظمة الدفاع عن المستهلك، التي سبق أن حذرت من تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، مطالبة بحمايتهم من تداعيات تراجع الدينار.
ويقول سليم سعد الله، رئيس المنظمة، لـ"العربي الجديد"، إن المستهلك في الدول الأجنبية يستهلك قرابة 80% من المنتجات المحلية، وبالتالي لا بد من حماية الاقتصاد التونسي عبر شراء المنتجات المحلية.

ويبرر مراقبون القلق الشعبي من التعويم الجزئي للدينار، بما خلفته تجارب دول مثل مصر في تحرير سعر الصرف، من تداعيات على حياة المواطنين.
وفي مقابل التحرك الشعبي لحماية الدينار التونسي من الانزلاق عبر تشجيع شراء المنتجات المحلية، ينتقد نقابيون سياسات الحكومة في التجارة الخارجية.
وتطالب العديد من المنظمات المدنية، بما في ذلك الاتحاد العام التونسي للشغل، بمراجعة الاتفاقيات الجارية مع البلدان التي يعرف ميزان المبادلات التجارية معها عجزاً كبيراً، على غرار تركيا والصين، مطالبين الحكومة بالدفاع عن المنتجات المحلية.

ويقول قيس بن أحمد، القيادي في اتحاد الشغل، إن "المؤسسات المحلية فقدت قدرتها التنافسية، بسبب الإغراق الكلي للأسواق بمنتجات تفتقر إلى أدنى شروط السلامة والصحة"، مشيرا إلى أن آلية مراجعة الاتفاقيات التجارية، معمول بها في كل الدول، بينما من المستغرب مواصلة غض النظر عن الاتفاقيات المرهقة للاقتصاد التونسي.
وحسب إحصائيات المعهد التونسي للإحصاء، فإن العجز التجاري ارتفع إلى 3.87 مليار دينار (1.64 مليار دولار) في نهاية مارس/ آذار 2017، مقارنة بـ 1.46 مليار دينار (621 مليون دولار) في مارس 2016.

وفي مقابل تأييد فكرة المقاطعة للمنتجات الأجنبية وتعديل الاتفاقيات التجارية الخارجية، يرى خبراء ومسؤولون أن هناك خيارات عدة يمكن اتباعها لحماية العملة التونسية من الانهيار.
ويقول محسن حسن، الخبير الاقتصادي ووزير التجارة الأسبق لـ"العربي الجديد"، إنه من الضروري انتهاج مجموعة حلول للحفاظ على استقرار سوق الصرف وسعر الدينار.
ويوضح حسن أنه لا بد من قيام البنك المركزي بدوره في ترشيد الاستيراد والتحكم في واردات المواد الاستهلاكية، واعتماد خطة لزيادة التصدير، وجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والإسراع في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الكبرى المعلنة.

ويضيف حسن أن " تقليص الواردات ليس إلا حلقة من مجموعة حلول يجب اعتمادها، خاصة أن تشجيع استهلاك المنتجات المحلية ومقاطعة الأجنبية مسألة قابلة للنقاش في غياب التنافسية على مستوى الجودة".
ويشير إلى ضرورة الذهاب إلى الحلول الأكثر عملية، وهي زيادة الصادرات الجالبة للنقد الأجنبي، وتحسين صورة تونس كوجهة استثمارية، إلى جانب دعم الاستقرار السياسي، وتوفير أسباب نجاح حكومة الوحدة الوطنية، خاصة في ظل توقعات بالنمو في حدود 2.5% خلال العام الحالي.

ويقول إن وضع الدينار يعكس صورة الاقتصاد التونسي وهشاشته، حيث لم يتجاوز معدل النمو المسجل خلال الخمس سنوات الماضية 1.6%، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الاقتصاد الموازي إلى أكثر من 50%.
وبحسب سعيدة حشيشة، المديرة العامة للتعاون الاقتصادي والتجاري في وزارة التجارة والصناعة، فإن المؤسسات التونسية لم تتمكن من تأهيل منتجاتها للنفاذ إلى السوق التركية والصينية، لتحقيق توازن بالميزان التجاري مع هذين البلدين، لافتة إلى أن الوزارة تبحث عن حلول تمكن من دفع الصادرات.


المساهمون