جوزيف كامبل: حكايات تمنع انهيار الكون

03 مارس 2020
الصورة
جوزيف كامبل في شبابه

الأكيد أنّنا لسنا طارئين على هذه الأرض، وأنّ ذاكرتنا الروحية والبصرية هي ذاكرتها، وأساطيرنا من صنع مخيّلتها، مخيّلة الأرض، وعليه فإننا، سكّان هذه الأرض، بحاجة ماسّة إلى "الأوهام الداعمة للحياة" بحسب عبارة نيتشه. إذاً أوهامنا تحديداً هي التي سترشدنا بلا ريب إلى ذواتنا الداخلية الأكثر عمقاً وحكمة، حيث سيكون بمقدورنا الذوبان في بحورنا الكونية كنوع من الاستشفاء النفسي أو الخلاص في تجاوز أنواتنا. هنا، تبرُز بشدّة حاجة الإنسان الوجدانية إلى قصص أسطورية بعينها ليتقمّص حياة كائناتها وتمكّنه ممّا لا يستطيعه بمفرده.

ولعلّ ذلك ما يفعله الباحث الأميركي جوزيف كامبل (Joseph Campbell) في كتابه "أساطير نحيا بها" الذي صدرت نسخته العربية أخيراً عن "دار فواصل" (2019) بترجمة أحمد م. أحمد؛ إذ يتقصّى العملُ الأساطير وشعائر البشر التي دعمَت وألهمت الإنسانية منذ بداياتها، والأفكار التي جسّرت الماضي بالمستقبل وعالَمَ الشرق بالغرب.

يضمّ الكتاب مختاراتٍ من سلسلة محاضرات لـ كامبل (1904 - 1987) الذي تُعتبر مدوّنته مرجعاً بالغ الأهمية والدقة حول الأساطير، ألقاها في القاعة الكبرى التابعة لمنتدى "جمعية كوبر"، في نيويورك، ما بين 1958 و1971.

يذكر صاحب "قوّة الأسطورة" كيف أنّ المفكّرين القروسطيّين أوجدوا حالة من التوافق التام بين بنية الكون وشرائع النظام الاجتماعي من خلال طاعة لا جدال فيها، حتى إنَّ دانتي وضع حالةً من الانسجام بين ما هو علمي وما هو ديني، وهكذا ما بين الفردوسَين الأرضي والسماوي شرعَت الأساطير - رغم سذاجة معظمها وابتعادها عن كل ما هو واقعي وتجريبي - بالتكاثُر دون رادع إلى حين بدء ظهور الاكتشافات العلمية الحديثة التي أسقطت أغلب الأساطير، ولو أن معظمها بقي حيّاً في ضمير سكان الأرض.

لا شكّ في أن ثمّة أذىً سيطاول أغلب الحضارات، قديمها وحديثها، بما فيه منظوماتها الأخلاقية إذا طاول الأذى أساطيرنا التي يعتبرها فرويد مثل "أحلام عمومية"، ولو أنَّ المحلّل النفسي النمساوي يرى أن عوالم الأسطورة والسحر لا بد من تغييرها وتجاوزها بالعلم، بينما يقف كارل غوستاف يونغ على الطرف الآخر بقوله إنّ "المجتمع الذي يرعى أساطيره سيغتذي على الطبقات الأخصب للروح البشرية".

يُبرز كامبل حتمية إعادة صياغة أغلب المفاهيم المترسّخة على مدى قرون في ضمائر البشر، بعيداً عن الانصياع الكامل والإيمان المطلق بأحداث مستحيلة الحدوث. ولكنّه يذكر أن ثمّة خشية من مواجهة ما يُدعى "باثولوجيا الرمز"، أي في حال تعرُّض رموز البشر إلى التصدُّع والانهيار، حينها لا شك في أنّ ذلك سيقودهم إلى حالة من التيه واختلال الحقائق.

يورد كامبل حادثة اختفاء الجاموس من السهوب الأميركية الشمالية؛ الحدَث الذي حرم أهل البلاد "الهنود الحمر" رمزَهم الأسطوري الذي كان يُضفي على حيواتهم هالات من السحر، شأن أغلب الرموز الأسطورية الأخرى، معتبراً أنّ علينا الاعتراف بأنّ الأساطير وآلهتها هي من منتجات النفس البشرية وإسقاطاتها، وأنَّ الدوافع الأسطورية كانت وما زالت هي ذاتها عبر العالم.

يبدو الأمر وكأنَّ البشرية كانت وما زالت في سعي دائم لتحقيق علاقتها مع الكون المجهول، الذي نعرفه حين نحوّله إلى شبيه لنا ولطبيعتنا البشرية، من خلال الرؤى التنبّؤية التي خطّها شعراء معاصرون، أو في أعمال مثل "كتاب الغابة العظيمة" للأبانيشاد الأقدم، أو "كتاب الموتى" الفرعوني، إضافةً إلى الرحلات المُتَخيّلة في الأدب على شاكلة "الكوميديا الإلهية" لدانتي.

كلّ ما تقدّم يقود كامبل للفت أنظارنا إلى مقولة "الفلسفة المعمّرة"، أو ما يُعرف بـ"الحكمة الدائمة" التي ترى أن كلّ التقاليد الدينية في العالم تشترك في أصل ميتافيزيقي واحد انبثقت منه شتّى المعارف والمعتقدات الباطنية. وهذا سيقودنا على الأرجح إلى نبذ ما يشبه التمركز حول الذات، أي التمركز حول اعتقاد أو فكر بعينه، وصوابية الانتقال الحتمي إلى عصر جديد؛ حيث لن يتسنّى لأحد الادعاء أنه المالك الأوحد للحقيقة المُطلقة. إنه زمن الشكوك الكبرى الحاثّة على إعادة صنع التقييمات، وابتكار نقاط انطلاق تاريخية دون تغييب الحبكة المشغولة بأوراق لعب جديدة.

يفسّر كامبل كيف أنّ حالات التصادم بين أساطير الشرق ومعتقدات الغرب القديمة مع المعارف والعلوم الحديثة شكّلت التضاد الذي مكّننا من استخلاص الحكمة التي حمَت الجنس البشري من الزوال، وجرى تناقُلها مع الأجيال اللاحقة على شكل مهارات سحرية وأساطير هاضمة لأفكارنا وعواطفنا وأفعالنا بغية شدّ انتباه العالم. إنها تلك الحكمة المنشودة التي حفّزت عدداً لا بأس به من الأطبّاء النفسيّين على استخدام المواد المخدّرة كالميسالين من أجل استكشاف قدرة تلك المادة على فتح الذهن على مستويات ليس بالإمكان تكهّنها، وتلك الحالة من الوعي الذاتي أشار إليها ألدوس هكسلي في عمله "بوّابات الإدراك".

يؤكّد كامبل أنّ علم النفس ليس بعيداً عن عوالم الأساطير والديانات الشرقية في سعيها الدؤوب لاكتشاف الحكمة من وجودنا، على غرار البوذية في تطهيرها المستدام ونبذ الأنا للوصول إلى الشاطئ الأبعد؛ غاية الوجود. ويثير الباحث الأميركي دهشتنا في فصل بعنوان "الفصام - رحلة إلى الداخل" بإشارته إلى أن تصوُّرات الفانتازيا الفصامية، وكيف أنّها تتطابق تماماً مع أحداث رحلات الأبطال الأسطوريّين الشامانات والصوفيّين والفصاميّين، بل هي ذاتها من حيث المبدأ، على غرار اليوغا التي تسعى إلى حالة من فصام مقصود لاكتشاف العمق المستنير فينا؛ فمُمارس اليوغا الهندي يسعى إلى الانعتاق ليكتشف النور داخله.

وهكذا ما فتئت شعوب الأرض تراوح ما بين ديانات تحضّ على الفضيلة المطلقة ونبذ الأنا والزهد في الحياة وأساطير تؤمن بأحقية تقديم الأضاحي البشرية لمنع انهيار الكون وتوقّف الشمس عن الإشراق، كما عند شعوب الأزتك الموغلة في القدم.

ولا يَغفل كامبل أيضاً عن ذكر الرؤى التنبّؤية للشعراء؛ من أمثال وليام بتلر ييتس في قصيدة "رؤيا" والمؤرّخ أوسفالد شبنغلر الذي تنبّأ بالخراب القادم، وت. س. إليوت في رائعته "الأرض اليباب".

في غالبية محاضراته، يختم جوزيف كامبل حديثه بأسلوبه المشكّك الحاذق في كلّ ما تقدّم بتساؤله المشروع: "ما هي، أو كيف يجب أن تكون أساطيرنا الجديدة؟". يطرح تساؤله ويشير دائماً إلى أنَّ أساطيرنا القديمة ستبقى عصيّة على النسيان، ومتجدّدة في وجدان الإنسانية، إلّا أنَّ هذا لا يمنع امتلاكنا الجرأة الكافية لإعادة صياغة أساطير جديدة تناصر توقنا للوصول إلى جنّات عَدَننا الخاصة.

تعليق: