جنسيات الخراب

جنسيات الخراب

13 يوليو 2019
الصورة
+ الخط -
رفض الفنان اللبناني، مارسيل خليفة، أن يغني النشيد الوطني لبلده، في بداية حفله في افتتاح مهرجانات بعلبك، قبل أيام. وتعرّض، إثر رفضه هذا، لحملة شرسة من الشتائم والاتهامات في بعض الصحافة اللبنانية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تم فيها استخدام كل وسائل القتل المعنوي الممكن استخدامها في محاولات تدمير تاريخ مبدع. وقد باتت وسائل التواصل الاجتماعي أقرب إلى الصحافة الصفراء التي تتخلى عن القيم الأخلاقية والأدبية والمهنية، إذ يكفي أن يضع أحدهم منشورا فيه نقد لاذع لشخصيةٍ ما، حتى يتكاثر المعلقون الشاتمون الذين يستخدمون أحط الألفاظ بحق الشخصية المعنية، ملصقين بها ما لا يخطر في البال من صفاتٍ سيئة وحوادث ملفقة، ومطالبين بمزيدٍ من أحكام الإعدام المعنوي بحقها. ولا يتمايز شعبٌ عربي عن آخر في إبداع الشتائم، بل يتنافسون في ذلك، خصوصا منهم حرّاس الوطن والدين، من يتعاملون بوصفهم أوصياء على الأوطان وعلى الأديان، ويملكون الحق الحصري في منح صكوك الغفران والوطنية للآخرين. ومارسيل ليس سوى أحد الذين تمت محاكمتهم، افتراضيا، في محاكم هؤلاء، سبقه كثيرون وسوف يلحق به كثيرون، طالما يعيش العرب في مزارع يسمّونها أوطانا، وطالما تفصلهم عن المواطنة الحقيقية مئات السنوات الضوئية.
رفض الفنان أداء النشيد الوطني، فطالب لبنانيون بسحب الجنسية اللبنانية منه، واضعين موقفه في بند الخيانة الوطنية والعمالة لإسرائيل، وهذه من التهم التي يسهل استخدامها في بلادنا العربية الرائعة، فلدينا عدو مؤكّد، يمكننا أن نستخدمه بسهولة هائلة، لنطلق رصاص كراهيتنا نحو إخوتنا. جسم عدوّنا الإسرائيلي "لبّيس"، ونحن ماهرون في خياطة أثواب الاتهامات! وطلب سحب الجنسية من أحد ما صار سهلا، خصوصا في السنوات العشر الأخيرة، إذ كان يشبه نوعا من الخلاص بالنسبة لرافضي ثورات الربيع العربي، ومؤيدي أنظمة الاستبداد، كأنهم يعتقدون أن سحب الجنسية الوطنية من الثائرين سوف يوقف الثورات، فيعودون هم إلى حياتهم المعتادة، وتعود السعادة إلى أوطاننا العظيمة، بعد أن تُسحب جنسية كل من يطالب بالتغيير، في تخيّلٍ للأوطان يشبه "المجتمع المتجانس" الذي حكى عنه رئيس النظام السوري يوما.
يفترض هؤلاء أن الجنسية هبة أو منحة أو عطاء أو هدية أو جائزة تمنحها الأنظمة لأفراد المجتمع، فيمكنها أن تسحبها منهم، عندما يتمرّدون على النظام، أو يعترضون على سلوكه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. يربط هؤلاء، في لاوعيهم، بين الوطن والنظام الحاكم. لا يجرؤون على الفصل بينهما، لأنهم يعرفون، في قرارة أنفسهم، أن الفصل قد يجلب عقابا مرّا، فيرفضونه، ويطالبون بعقاب من لا يخاف مثلهم، بذريعة أنه يخون الوطن، وبالتالي، لا يستحق الانتماء له. يفترض هؤلاء أن الوطن هو العلاقة بين الفرد والنظام، وأن الجنسية تحدّد شكلها، متجاهلين القوانين التي تمنع سحب الجنسية ممن ولد وعاش في هذه البقعة الجغرافية أو تلك، وأن هناك في العالم حقوق إنسان تمنع، قطعيا، سحب الجنسية من أحد، خصوصا لمن لا يملك جنسية ثانية. لا يعرف هؤلاء أصلا ما هو الوطن، طالما لا يستطيعون التمييز بينه وبين النظام، ويتمسّكون بشعاراتٍ جوفاء، أتقنت طرحها أنظمة الاستبداد العربي عن الأوطان العظيمة التي يجب أن يكون شعبها عظيما وحاكمها عظيما ونشيدها الوطني عظيما ومجتمعها عظيما، وكل ما يخصها عظيما، بحيث يصبح الوطن، وما يتعلق به، مجموعة مقدّسات يجب عقاب من يمسّ بها!
قد يكون من الصعب التمييز، إن كان هؤلاء مقتنعين بأنهم يعيشون في أوطان عظيمة تمنح جنسيات عظيمة، أم أن خوفهم المديد من الأنظمة جعلهم يتماهون مع خطاباتها. ولكن مؤكّد أن في دواخل من يؤمنون بفكرة الوطن العظيم بؤراً يمكن للشوفينية والعنصرية أن تكبرا فيها، إلى حد أنها تعمي أصحابها عن رؤية الخراب الذي يحيط بهم، ويعيشون به، وتجعل من كل من يرفض شوفينيتهم عدوا مؤكّدا، وخائنا للأوطان التي لا يُقارن شيء بعظمتها. هذه الأوطان (العظيمة) التي لم يبق منها شيء سوى صور حكامها يجلسون على كراسيهم تحيط بهم هياكل بشرية، تؤدّي الأناشيد الوطنية (العظيمة)، بينما المدن والعواصم تتساقط، واحدة تلو الأخرى، بفعل الخراب الذي لم يجلب الحكام العرب للشعوب العربية (العظيمة) غيره.