جناحي.. في أدب الحج

08 اغسطس 2019
الصورة
+ الخط -
بينما نحن نعيش موسم الحج هذه الأيام، تعود بي الذكرى إلى أيامي فيه، حيث أديت فريضتي قبل عدة أعوام، وحرصت يومها على الاحتفاظ بكل تفاصيل تلك الذكرى على سبيل الاستمتاع وإعادة إنتاج الأسئلة الذاهبة إليها والمتولّدة منها أيضا. 
ساعدتني على استعادتها، والكتابة عنها أخيرا، أسئلة وردت إلي بشأن كتابي "هذا الجناح جناحي"، والذي سجلت فيه تلك الذكرى عبر يومياتي في الحج والعمرة أيضا، باعتبار ذلك الكتاب عدّ لاحقا من كتب أدب رحلات الحج، وهو ما لم أكن أقصده عندما قرّرت نشره، إلا أنه ساهم في تعزيز شغفي بذلك النوع من الأدب، حيث اهتم كثيرون بتدوين يومياتهم في الحج منذ ألف عام تقريبا، عندما كانت الرحلة إلى بيت الله الحرام، انطلاقا من أي مكان آخر تقريبا، وخصوصا من خارج الجزيرة العربية رحلة بالغة المشقة لظروف الزمان وصعوبة التنقل في تلك الأزمنة الغابرة.
وقد رصد الباحث والمؤرخ عبد الله الحقيل في كتابٍ صدر له قبل سنوات قليلة ثلاثين رحلة للحج، بدأت برحلة للرحالة ناصر خسرو شاه، وتلتها رحلة ابن جبير الأندلسي، ثم رحلة ابن بطوطة.. وهكذا حتى رحلات العصر الحديث قبل أن تنقطع تلك الرحلات المدوّنة أو تقل كثيرا على الأقل بعد تيسر المواصلات وسهولتها، ما يدل على أن أدب رحلات الحج ارتبط بصعوبة الرحلة نفسها، وما يعتورها من عراقيل قبل الوصول إلى الهدف.
لم أكن أنوي تأليف كتاب عن الحج، أو عن الرحلات عموما، عندما بدأت الفكرة بمجرّد مقالةٍ أحببت أن أسجل فيها بعض انطباعاتي عن تجربة الحج، بعد عودتي من أداء الفريضة أول مرة في حياتي. كنت سعيدة جدا بالرحلة وبالتجربة، وبكل ما سبقها من محاولات، وما أحاطتها من ظروف. ولأنني كنت أحاول تسجيل كل شيء تقريبا على سبيل الاحتفاظ بها زادا للعمر المتبقي، شعرت بعد الانتهاء من كتابة المقالة الأولى، وفقا للحجم المعتاد صحفيا، بأنها لم تكن كافية لتسجيل كل تلك الانطباعات، فكان لا بد من المتابعة، إذ أردفت المقالة الأولى بأخرى بعد أسبوعين، ثم ثالثة، وهكذا استمرت السلسلة ما يزيد عن عشرين مقالا. وكنت على استعداد للاستمرار إلى ما فوق العشرين، لولا أنني قرّرت، لسبب ما، التوقف، ثم عنّ لي أن أختمها بتعليقات القراء التي كانت تردني بعد كل مقال في موقع الصحيفة التي كنت أنشر السلسلة فيها، وهي تعليقاتٌ أثرت الذكريات، وأثارت في الرغبة لاستعادة مزيد منها.
ولاحقا، عندما عدت إلى البيت العتيق لأداء العمرة، شعرت بالحنين لكتابة انطباعاتي مجدّدا، خصوصا أنني كنت أقارن بين رحلتي الحج والعمرة بالنسبة لهما فريضة وسنة. وبالنسبة لي أيضا في ظروفهما الزمانية، فكتبت ثانية.. وهكذا تكونت فكرة الكتاب، فجمعت المقالات كلها وراجعتها، ودفعت بها إلى الناشر الذي استحسن الفكرة، فصدر "هذا الجناح جناحي" وبغلاف جميل للفنان السعودي المبدع فهد خليف. ولهذا الغلاف حكايته الخاصة هو الآخر، فعلى الرغم من أن اللوحة لم يرسمها الفنان للكتاب، بل كانت موجودة في مرسمه، إلا أنها عبرت بشكل دقيق وعجيب عن فكرة الكتاب كله، إذ تماهى فيها جناح حمامة من حمائم الحرم مع جناح الطائرة في فضاء بين مسجد الله الحرام.
بعد تجربة هذا الكتاب، أصبحت أتمنى أن أعيش حياتي سفرا دائما لأكتب عن كل ما أرى وعن شعوري تجاه ما أرى. السفر متعة حقيقية، ومن الطبيعي أن يفضل المرء أن يعيش تلك المتعة بشكل مضاعف مرات ومرات، بعد انتهاء التجربة، وهذا يتحقق بالكتابة التي لا ينافسها في ذلك شيء أبداً.