جسور ألبانية إلى الشرق

02 يونيو 2020
الصورة
(إرمال بيغا، محرر وناشر "جسور")

يأتي العدد التاسع عشر من مجلّة "جسور"، التي يُصدرها "المركز الألباني للدراسات الشرقية"، متأخّراً عدّة أشهر بسبب تداعيات جائحة كورونا، ليُبرز الإصرارَ على الاستمرار في رسالته للتعريف بالثقافة الشرقية في ألبانيا، على الرغم من الظروف الصعبة التي يمرّ بها هذا المركز وأمثاله في البلقان نتيجة لتقلُّب الأحوال والعلاقات بين ألبانيا وبلدان الشرق.

فحتى نهاية الحكم العثماني، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت ألبانيا تظهر في الخرائط ضمن "الشرق الأدنى" ويُطلَق عليها بحكم موقعها "مفتاح الشرق الأدنى"، ولكنها بين الحربَين التي هيمن عليها الرئيس/ الملك أحمد زوغو انتهجت سياسة "الانسلاخ" عن الشرق و"الاندماج" في الغرب. وبعد ذلك جاء "الحزب الشيوعي" إلى الحكم في 1945 ليُدمجها في الشرق بالمعنى الأيديولوجي (المعسكر الشرقي)، وليعزلها بالكامل عن الغرب سياسةً وثقافة.

ومع أنه خلال حكم "الحزب الشيوعي" (1945 - 1990)، كان النظام يعادي الغرب ويؤيّد حركات التحرّر في الشرق ضد "الأنظمة الرجعية" (بما في ذلك دعمه لمنظمة التحرير الفلسطينية)، إلّا أن ألبانيا بقيت الدولة الوحيدة في البلقان دون قسم للدراسات الشرقية يمثّل ويبرمج أكاديمياً الاهتمام بلغات وثقافات الشرق الواسع، وحتى دون انفتاح على ترجمة آداب الشرق لاعتبارات أيديولوجية.

ومع الانتقال إلى الديمقراطية، افتتحت في تيرانا سفارات جديدة للدول العربية (الكويت وقطر والسعودية وغيرها)، ولكنَّ النظام الجديد لم ينفتح أكاديمياً على العالم العربي، بل اكتفى بقسم للدراسات التركية. وعلى الرغم من إنفاق السفارات العربية على "العلاقات العامّة"، إلّا أنّ هذا لم يكن يشمل الاهتمام بآداب تلك الدول. وفي هذه الحالة، لم يبق سوى المبادرات الخاصّة لسدّ هذا النقص. وهكذا تم في 2007 تأسيس "المركز الألباني للدراسات الشرقية"، الذي بدأ نشاطه في 2008 مع إصدار العدد الأوّل من مجلة "أُورا" (جسور)، التي تُوحي من اسمها بأنها معنيةٌ بفتح جسور ثقافية جديدة مع المنطقة العربية وجوارها، وبشكل أخصّ مع الثقافات العربية والفارسية والتركية، التي فتحت الطريق بدورها للتعريف بآداب تلك الثقافات بترجمات مباشرة من لغاتها.

كان وراء هذه المبادرة إرمال بيغا، الذي تخرّج من قسم الدراسات الشرقية في جامعة بريشتينا في كوسوفو المجاورة عام 2006، وأقام سنةً في دمشق لتعميق معرفته باللغة العربية وثقافتها، ثم تابع دراسة الماجستير في الفلسفة في طهران، وهو يشغل أيضاً منصب المدير التنفيذي للمركز. وعلى الرغم من الحماسة للريادة في هذا المجال ونشر ترجمات لمختارات شعرية وأعمال أدبية مترجمة، مثل مختارات من شعر نزار قبّاني بعنوان "دمشق"، ومختارات قصصية لعلي مصطفى المصراتي "الدرويش قال لولده"، و"المعطف لا يزال معلَّقاً" وغيرها، وعقد ندوات متنوّعة، إلّا أنّ بيغا يشكو من لامبالاة الطرفين بهذا الدور الثقافي.

وفي حديث له إلى "العربي الجديد"، يقول بيغا: "لم تستجب وزارة الثقافة الألبانية لأي مبادرة، كما أن السفارات العربية بدورها غيرُ معنيةٍ بالتعريف بالثقافة العربية، باستثناء سفارة الكويت التي قدّمت مساعدة رمزية (ألف دولار) للندوة الأولى التي أُقيمت في العالم الألباني عام 2014 عن المفكّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، وهو ما جعل ألبانيا متخلّفةً كثيراً في ترجمة الأدب العربي إلى الألبانية بالمقارنة مع الدول البلقانية، وحتى مع كوسوفو ومقدونيا الشمالية المجاورة، التي نُشرت فيها ترجمات لعشرات الشعراء والكتّاب العرب إلى الألبانية".

ومع ذلك، فقد بقي نشاط المركز متمحوراً حول مجلّته "أورا" (جسور)، التي بدأت في الصدور مرّتَين في السنة وأصبحت لاحقاً تَصدُر مرّةً في السنة. وتحفل أعداد المجلّة بدراسات أصيلة بالألبانية حول القضايا الثقافية والأدبية في المجالات العربية والتركية والفارسية وترجمات لدراسات أدبية ونقدية من تلك اللغات إلى الألبانية، كما تتضمّن تعريفاً بالندوات التي يقيمها المركز والكتب التي يُصدرها باللغة الألبانية، والتي تتضمّن دراسات وترجمات أدبية من اللغات العربية والتركية والفارسية.

وبالعودة إلى العدد الأخير (19) من المجلّة "أورا"، فقد تضمّن دراسةً مترجمة لإدوارد سعيد بعنوان "الكرامة والتضامن"، ودراسات أخرى متنوّعة؛ هي: "أنواع خطوط الوثائق العثمانية الموجودة في أرشيف كوسوفو" لخديجة أحمدي، و"إسهام الألبان في الثقافة الإسلامية" لإرمال بيغا، و"دور الدراسات الشرقية في ممارسة وتطور القيم التعليمية والعلمية الإسلامية لدى الألبان" لرسمية إدريسي، و"المدارس في كوسوفو ومقدونيا خلال 1877 - 1912 بالاستناد إلى الوثائق العثمانية" لنجاتي دميري، و"الموسيقى العثمانية" لنيل ساري.

وبالإضافة إلى ذلك، تضمّن العدد أنشطة المركز سواء في ألبانيا أو في العواصم المجاورة (بريشتينا وسكوبيه)، ومن ذلك "ليلة فلسطين" التي نظّمها مركز "الإعلام الحر" في تيرانا وشارك فيها مدير المركز إرما بيغا بورقة بعنوان "أهمية فلسطين بالنسبة إلى العالم وتأثيرها لدى الألبان"، كما قدّم العدد ترجمةً لقصائد من الشعر الفلسطيني الآن.

دلالات

تعليق: