جرّارات معطلة... إرباك في حركة قطارات مصر

04 اغسطس 2017
الصورة
رحلة خطرة (محمد الشاهد/ فرانس برس)

يعاني المصريون خلال تنقّلهم اليومي في القطارات، لا سيّما من التأخر لساعات طويلة نتيجة الأعطال المتكرّرة في الجرّارات أو بسبب حوادث سكة الحديد.

تشهد حركة القطارات في مصر يومياً حالات من الارتباك الشديد بسبب تعطّل الجرّارات أثناء حركة السير، خصوصاً بين القاهرة ومحافظات الصعيد والعكس صحيح. وهو الأمر الذي يدفع بالمسؤولين في إدارة سكة الحديد إلى استبدال تلك الجرارات بأخرى، ما يؤدّي إلى عدم تمكّن الركاب من الوصول إلى محطاتهم في المواعيد الرسمية المحددة، وقد يمتدّ ذلك إلى أكثر من ستّ ساعات أثناء الرحلة الواحدة.

يشير مسؤول كبير في هيئة السكة الحديد إلى أنّ "ثمّة 821 جرّار قطارات في مصر، لا يعمل منها إلا 340 فقط. وجرّارات القطارات التي تعمل متهالكة وتحتاج إلى التجديد وهو ما لم يحدث بعد"، متوقعاً "مزيداً من الكوارث والحوادث في هذا المرفق المهمّ الذي يستخدمه ملايين من الشعب المصري بصورة يومية". ويؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ "حال القطارات في مصر مخيف، والنتيجة أعطال متكررة بصورة يومية وتوقّف مستمر في المحطات وسائقون يعانون الويل لتوصيل الركاب الذين ضاقوا ذرعاً بالقطارات".

ويوضح المسؤول ذاته أنّ "خروج جرّارات القطارات عن قضبان سكة الحديد، والذي كان عنوان المرحلة الماضية وأدّى إلى حوادث كثيرة وخسائر في الأرواح والمعدات، لا يأتي من جرّاء أخطاء بشرية كما يحلو للمسؤولين القول. بل هو نتيجة خلل في الجرّارات أثناء عملية السير، يصعّب التحكّم في القطار من قبل السائق". ويلفت إلى أنّ "عدم توفّر قطع غيار في المخازن أدّى إلى تكهين عشرات القطارات وعربات سكة الحديد وارتفاع الخسائر في الهيئة إلى عشرات المليارات سنوياً. كذلك تغيب خطط تطويرية لسكك الحديد في مصر، على الرغم من المداخيل الكبيرة التي تُسجَّل يومياً في هذا المرفق والتي تدخل إلى جيوب مسؤولين كثيرين". يضيف أنّ "راتب رئيس الهيئة فقط يصل إلى أكثر من مليون جنيه (56 ألف دولار أميركي) شهرياً".

عيوب فنية بالجملة

وقد دفع تعطّل حركة القطارات بين المحافظات المصرية بصورة يومية ووقوع عيوب فنية في عدد كبير من القطارات أثناء عملية السير، إلى قيام عدد من السائقين بتقديم شكاوى إلى المسؤولين في الهيئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حتّى لا يُتّهم هؤلاء السائقون بالإهمال ويُزَجّ بهم في السجون ويحاكَمون بعد اتهامهم بالتسبب في تلك الحوادث. وهو ما يؤكده السائق إبراهيم ع. الذي يشير إلى أنّ "ثمّة شكاوى كثيرة في أدراج رئيس الهيئة، وكلها تتعلق بتطوير القطارات وهي ليست مطالب مادية للسائقين. لكنّ مسؤولي الهيئة هم ودن من طين وأخرى من عجين. وعندما تقع الكارثة، تُلقى المسؤولية على السائق الفقير الذي لا حول له ولا قوة". يضيف لـ "العربي الجديد" أنّ "كثيرين هم مسؤولو القطاع الذين يتعاونون في ذلك ويحمّلون المسؤولية للسائق ويصفونه بأنّه أرعن في السواقة، بينما هو بريء من تلك الاتهامات. وثمّة من يُبرّأ من هؤلاء السائقين وثمّة من يُزَجّ في السجن". ويلفت إلى أنّ "العربات غير صالحة للاستخدام البشري وهي بلا نوافذ ولا إضاءة، فيما العمّال يؤكدون أنّ الصيانة أجريت. والأدهى هو اختفاء عامل الدريسة من على خطوط سكة الحديد، الذي كان يتحقّق دورياً من صلاحية الخطوط ويصلح الأضرار قبل أن تتفاقم".




غير صالحة للبشر

من جهته، يقول حامد ص. وهو موظف في مخازن قطارات الفرز في منطقة رمسيس بالقاهرة، إنّ "95 في المائة من القطارات غير صالح للاستخدام البشري و60 في المائة من عربات نقل الركاب خارج الخدمة"، لافتاً إلى أنّ شعار سكة الحديد الجديد هو "الداخل مفقود.. والخارج مولود". يضيف أنّ "ملايين المصريين يعتمدون على القطارات كوسيلة يومية في تنقلاتهم، في حين أنّ صيانة الجرارات معطّلة كلياً لعدم توفّر قطع غيارات. فالعامل أو الميكانيكي في مخازن القطارات بات يكتفي بالحضور صباحاً والانصراف مساء بخلاف التزويغ". ويؤكد أنّ "ثمّة أزمة كبيرة داخل المخازن، وثمّة قطارات وعربات تُباع خردة بتراب الفلوس، على الرغم من أنّها حديد من الدرجة الأولى الممتازة. كذلك فإنّ ثمّة حديد خردة ملقى على شريط القطارات، وكلّ ذلك يُعَدّ هدراً للمال العام".

"أرواحنا على أكفّنا"

إلى ذلك، يقول سائق قطار رفض الكشف عن هويّته إنّ "معاناة القطارات اليومية لا تقتصر فقط على ركابها فحسب، بل تطاول كذلك السائقين ومساعديهم الذين يعانون من سوء حالة الجرّارات". ويلفت إلى أنّ "القطارات في حالة يرثى لها، وإذا كان الجمهور يعاني فنحن نعاني أكثر قبل الوصول إلى منازلنا بعد رحلة يومية شاقة". يضيف أنّ "فحوص الجرّارات لا تُجرى في مواعيدها، كذلك ثمّة مشكلات في الإشارات التي لا تخضع للصيانة، فالمادة الفوسفورية التي تحويها في معظمها انتهت، بالتالي نعاني في أثناء الرحلة نتيجة عدم تمكّننا من رؤية الإشارات". ويتابع: "نحن نخرج في كلّ يوم وأرواحنا على أكفّنا. لا أحد يرحمنا. فإذا تأخّر القطار يصبّ الركاب اللعنات على السائق، متناسين أنّنا مجرّد سائقين ولسنا مسؤولين عن سوء حالة القطارات". ويشير إلى أنّه "من المفترض أن يُجرى فحص سريع للجرّار مرّة كلّ 15 يوماً، لكنّ ذلك لا يحدث في بعض الأحيان أو يأتي بطريقة غير سليمة. فيعود الجرّار إلى الخدمة وحالته سيّئة، فنعاني نحن معه".

مليارات الجنيهات

في السياق، يقول أستاذ النقل والطرق في جامعة القاهرة، الدكتور مجدي صلاح، إنّ "سكة الحديد تواجه تحديات كثيرة" مؤكداً أنّ "هذا المرفق في حاجة إلى مليارات الجنيهات لإعادته إلى سابق عهده، عندما كان الناس يضبطون ساعاتهم وفقاً لمواقيته". ويشير صلاح لـ "العربي الجديد" إلى أنّ "سكة الحديد في حاجة إلى مئات القطارات الحديثة. فالمشكلة اليوم هي في أنّ منظومة سكك الحديد كلّها قديمة"، متابعاً أنّ "أكثر من ألف مزلقان تعاني من تهالك كليّ، بالإضافة إلى ضعف في قدراتها الإرشادية والأمنية أدّى إلى إزهاق أرواح كثيرة". إلى ذلك فإنّ "القضبان وعربات القطارات تعود إلى عشرات السنوات من دون أيّ صيانة".

عربات مهملة على سكك الحديد

يشكو المواطنون المصريون من "ضياع وقتنا في السفر" في القطارات، ومن الإهمال وعدم النظافة. على الرغم من ذلك، فإنّهم يستمرّون في ركوبها. ويشير كثيرون إلى أنّ الباعة المتجولين والمتسوّلين يتنقّلون داخل القطارات، حتى المكيّفة منها. يُذكر أنّ غالباً ما يكون التكييف معطّلاً في تلك العربات ونوافذها مكسورة.

دلالات