جرائم وحوادث متداولة في عمّان: دور لوسائل التواصل أم تغير اجتماعي؟

18 اغسطس 2019
الصورة
سجلت 79 جريمة قتل خلال العام الحالي (روجر ليموين/Getty)

شهدت العاصمة الأردنية عمّان، مؤخراً، عدداً من الجرائم والحوادث، تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، فهل باتت هذه الوسائل تلعب دوراً في إخراج ما كان يحدث في السابق إلى العلن، أم أنّ المدينة ذات الخمسة ملايين نسمة، تشهد تغيراً اجتماعياً؟

تجول في العاصمة الأردنية، خلال ساعات الذروة يومياً، بحسب إحصائيات "أمانة عمّان" 1.8 مليون سيارة، كما تنتشر فيها الجريمة على اختلافها انتشاراً واسعاً، إلى جانب حوادث إطلاق النار وتعاطي المخدرات، في ظل ارتفاع معدل البطالة إلى 19%، وازدياد معدلات الفقر، وغياب الحريات.

خلال الأيام الماضية، تم تداول أخبار عدد من الحوادث، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الوسيلة الجديدة للرقابة وصناعة الرأي العام، ومنها؛ إطلاق مجهولين، فجر السبت، عيارات نارية تجاه أحد المطاعم الواقعة في شارع المدينة المنورة، وقيام شخصين من ذوي السوابق بالاعتداء بالضرب على أحد الأشخاص (مالك ناد ليلي) أثناء وجوده في منطقة الصويفية.


كما انتشر خبر إصابة عنصر من البحث الجنائي، فجر الجمعة، بإطلاق نار أمام ناد ليلي بمنطقة شارع الغاردنز. وبحسب مصادر محلية، فإنّ مطلق النار يعمل في جهاز أمني حساس. وانتشر فيديو لمشاجرة نسائية، وسط العاصمة عمّان، شهدت وقائع تلاسن واستخدام الأيدي والصفع بين فتيات وسيدة في منتصف العمر.


وكمؤشر على ارتفاع الجريمة، سجلت نيابة محكمة الجنايات الكبرى، 79 جريمة قتل، خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي، راح ضحيتها 86 شخصاً، فيما بلغ عدد جرائم المخدرات خلال عام 2018 حوالى 18400 جريمة، بزيادة تصل إلى 32% عن عام 2017.

ازدواجية في المجتمع

يقول حسين محادين أستاذ علم الاجتماع والجريمة في جامعة مؤتة، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الشخصية الداخلية للأردنيين التي كانت أقرب إلى الشخصية المُقنّعة، لم تعد قادرة على الاستمرار بالتكيّف مع المظهر الخارجي لها؛ لأنّها في بنيتها هي شخصية مزدوجة، تحمل من قيم الصحراء الكثير من المعاني منها التورية ومنها الصمت، لكنها تحمل في ذات الوقت ملامح الصراع، ومع دخول التكنولوجيا وتأثر المجتمع بالقيم الفردية أخذت مؤسسات الضبط الاجتماعي، بشقيها الخارجي المتمثل بالعادات والتقاليد والقانون، والداخلي وهو ما يعرف بالضمير والتنشئة، تضعف أمام سطوة التكنولوجيا، وإغراء ثقافة الصورة بالبث والنشر وارتفاع مساحات التعبير عن الحرية الفردية".

ويضيف محادين أنّه "في ظل ضعف الدولة بالمعنى التقليدي والسيادي، وصعود الأنا، وتخلّي الدولة عن أدوارها الرعائية بعد الخصخصة، مُزقت المنظومة العشائرية باستحقاقاتها الروتينية، وأصبح المواطن الأردني أقرب إلى المواطن البري، وكأنّه مواطن لم تدجنه التربية ولا القيم الدينية بعد، ولا ما يسمى بسيادة الدولة والقانون، وأصبح أقرب إلى النواة الفردية التي تصر على التفاعل مع الفرد وليس الجماعة".

ويتابع "لعل ضعف الحكومات ودور المسجد والكنيسة وتشظي كثير من دعامات الهوية الوطنية، جعلت المواطن لا معيارياً في سلوكه؛ أي يتساوى في كثير من الأحيان مع مكانة الخارج على التقليد والمعتدي على المال العام، وبالتالي أصبحت كل العناوين التي عملت عليها الدولة الأردنية منذ تأسيس الإمارة حتى الوصول إلى القرن الأول على تأسيسها، مثاراً للسؤال والتساؤل حول الواقع والقادم في ظل محيط يدرك الأردنيون أنّهم متاثرون به وغير قادرين على التأثير فيه".


ويلفت محادين إلى أنّ "هناك العديد من المظاهر التي تعبر عن هشاشة داخلية في المجتمع، ولذلك نجد بشكل عام أنّ هناك انسحاباً للأفراد من منافذ الحياة العامة كالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، في ظل مجتمع شاب تتسم ثقافته بالمغامرة والرغبة بالتجريب، وكلاهما مرتبط كثيراً بوسائل التواصل الاجتماعي، لأنّها لا تتطلب موقفاً حقيقياً بل رياضة تعبيرية وصورية ولغوية".

وعن سلوكيات الناس على مواقع التواصل، يرى أستاذ علم الاجتماع والجريمة في جامعة مؤتة أنّ "كثيراً من أفراد المجتمع هم ذوو شخصية مزدوجة؛ تمارس في العلن عكس ما تمارس في الخفاء"، مضيفاً أنّه "حين يواجه الأردنيون أنفسهم بمرآة الواقع التي لا تجامل، يفقد الكثير منهم توازنه ويلجأ إلى السلوك الدحضي، أي  إلغاء الآخر والصراع معه، وليس إلى السؤال التقويمي لماذا أنا مزدوج المواقف، وأظهر عكس ما أخفي". ويرى أنّ "السؤال المهم ما هو دور مؤسسات الدولة باحتضان المنافقين والفاسدين، وأثر ذلك على المجتمع"؟.

من جهته، يقول الخبير الأمني الأردني اللواء المتقاعد جلال العبادي، لـ"العربي الجديد"، إنّ "مثل هذه الحوادث تقع في المدن الحديثة، لكن تصويرها وتداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، يعطي مثل هذه الحوادث صورة أكبر من حجمها الحقيقي، من دون أي مدلول أمني"، معتبراً أنّه "لا يمكن وصف ما يحدث بالانفلات الأمني".

طبقة فاسدة متنفذة

لكن يربط العبادي الحوادث في عمّان، بوجود "طبقة فاسدة متنفذة متنفعة"، تقوم أحياناً بتجاوز القانون والمعايير الاجتماعية، مشدداً على ضرورة "التريث قبل الحكم بشكل حاسم إذا كانت تلك الحوادث مرتبطة بأي تداعيات أخرى لم تظهر ملامحها بعد".

ويقول أحد المسؤولين الأمنيين السابقين، الذي فضل عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، إنّ "ما تم تداوله من فيديوهات للنوادي الليلية المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليس بالحدث الجديد، فما يحصل من إطلاق عيارات نارية ومشاجرات، هو حوادث أمنية تقع منذ زمن طويل يقدم عليها مخمورون وأصحاب سوابق في النوادي الليلة وأمامها، لكن يسهل وصولها إلى العامة عبر مواقع التواصل لإثارتها وانتشارها".

ويرى نقيب الأطباء الأردنيين علي العبوس، في منشور عبر صفحته على موقع "فيسبوك"، أنّ "التسارع في الانفلات الأخلاقي، والذي نشهد أعراضه هذه الأيام، يُنذر بانفلات أمني قادم"، مضيفاً أنّ "مصلحة الدولة قبل الحكومة أن نرى ردعاً نلمسه حقيقة ضد هذا الاستهتار بقيمنا".