جبهة تحرير ماسينا..جهاديو فولان يبحثون عن "الإمبراطورية الضائعة"

07 مايو 2016
الصورة
الحركات الجهادية والانفصالية تملأ شمال ووسط مالي (فرانس برس)
+ الخط -

لم يتوقف الشيخ المالي الحاج سيغو با، عن إلقاء خطبه المحذرة من التشدد وخطورة حمل الشباب للسلاح باسم الدين، على الرغم من التحذيرات التي تلقاها على يد مسلحي "جبهة تحرير ماسينا"، التي تعد التنظيم الجهادي الأحدث من نوعه في دولة مالي، "التي يغص شمالها (المعروف بإقليم أزواد) بالجماعات المسلحة بمختلف ألوانها وانتماءاتها"، كما يقول الكاتب المتخصص في شؤون أزواد والمنتمي إلى الطوارق أبوبكر الأنصاري.

أمام باب منزله، أردى رصاص مسلحي "جبهة ماسينا"، الستيني سيغو با في أغسطس/آب الماضي، "لزرع الذعر في قلوب السكان وخاصة النخبة المعترضة على تلك الجماعة المتشددة"، وفقا لحديث أبا ابراهيم با رئيس بلدية باركيرو التي عمل سيغو با إماما لمسجدها، إذ كثيرا ما تناولت خطبه، خطورة أفكار جبهة ماسينا المستمدة من أفكار الجهادي أمادو كوفا الخطيب المتشدد من بلدة موبتي بوسط مالي والمقاتل السابق في حركة تابعة لجماعة الجزائري مختار بلمختار المرتبطة بتنظيم القاعدة، وهو ما يؤكده عمر سيغو نجل شقيق القتيل بالقول "الجهاديون هم من اغتالوا عمي، لأنهم يعتبرونه خصمًا لهم".


نشأة "جبهة تحرير ماسينا"

تعد "جبهة تحرير ماسينا" أول حركة جهادية ذات طابع عرقي، وتستمد حركة تحرير ماسينا جذورها الفكرية من الدعوة السلفية التي أطلقها ابن المنطقة "الشيخ عثمان فودي" في العام 1795، والتي كانت تسيطر على ثلاث دول حالية هي مالي والسنغال والنيجر، كما يقول الباحث والكاتب الموريتاني سيد أحمد ولد باب.

وتأسست الحركة الجديدة مع بداية عام 2015 وينتمي عناصرها إلى قومية "الفولاني" الذين يشكلون تسعة في المئة من سكان مالي ويتركزون في المنطقة الوسطى منها، ويتفق الكاتب أبو بكر الأنصاري مع الباحث ولد باب، في أن الجبهة أول تنظيم يتشكل على أساس عرقي في مالي، قائلا لـ"العربي الجديد"، "لا يوجد في الجبهة عنصر واحد من غير الفولاني".

غير أن الباحثين يعتقدان أن حركة تحرير ماسينا تعد أكبر تحد تواجهه القوات الفرنسية والأفريقية العاملة في مالي منذ انهيار حكم حركة أنصار الدين، المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والذين سيطروا على تمبكتو عام 2012، وتم طرد القسم الأكبر منهم من شمال مالي عقب تدخل دولي بزعامة فرنسا في يناير/كانون الثاني 2013، وهو ما أدى إلى تأسيس الجبهة الإسلامية الفولانية بقيادة أمادو جالو، بعد تفكك حركة أنصار الدين، التي كانت تضم آلافا من المقاتلين "الفولان" الذين كانت حركة أنصار الدين تعتمد عليهم في السابق وتطورت صلاتهم مع مرور الوقت مع أبناء أقليتهم الذين يشعرون بالتهميش.

أسباب ميلاد الجبهة

يرجع المختص في شؤون الجماعات المسلحة بالشمال المالي المختار بابتح أسباب ظهور الجبهة القومية الإسلامية إلى ظاهرة الانشطار الحركي في إقليم إزواد بعد العملية الفرنسية بداية عام 2013 المعروفة بـ"النمر الأفريقي" والتي جعلت حركة "أنصار الدين" تنشطر وتنقسم وتلد عدة حركات، كان من أبرزها "جبهة تحرير ماسينا"، بالإضافة إلى انتشار السلاح في جمهورية مالي بشكل فوضوي حتى أضحت هذه المنطقة الأفريقية طريقا لتهريب الأسلحة من وإلى القارة السمراء، خاصة إذا تحدثنا عن الشمال المالي (إقليم أزواد) الذي لم يعد تحت سيطرة الجمهورية المالية منذ عام 2012، وهو ما عزز ظهور حركات مسلحة معبرة عن عرقيات الشمال مثل "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" المحسوبة على "الطوارق" والجبهة العربية الأزوادية" المحسوبة على العنصر العربي و"جبهة تحرير ماسينا" المحسوبة على عرقية "الفولان" وإن كانت هذه الأخيرة تختلف عن سابقاتها في أنها حركة جهادية.


لكن الصحافي المختص في شؤون الجماعات المسلحة يعتقد أن ما تعانيه الأقلية الفولانية في مالي والسنغال والنيجر وموريتانيا من تهميش، يعد السبب الأقوى لظهور هذه الحركة الجهادية، قائلا "منذ قيام هذه الدول إلى اليوم، والفولان يحذرون من مغبة ثورة "فولانية" تجتاح المنطقة بأكملها، و"جبهة تحرير ماسينا"، إضافة إلى كونها حركة جهادية إسلامية فإنها تسعى إلى استعادة حكم إمبراطورية الفولان، في دولة تسيطر على هرمها عرقية "البمبارا" التي سبق أن خاض مؤسسو إمبراطورية ماسينا مواجهات معها، وهو ما تغذيه خطب أمادو كوفا التي تبثها بعض الإذاعات المحلية في المنطقة وتلقى شرائط الكاسيت الخاصة بها رواجا بين الفولانيين.

ويتفق أوريلين توبي الخبير في شؤون الصراع الذي كان يعمل من قبل انطلاقا من العاصمة المالية باماكو في أن "الخطر هو أن تتطور الصلات بين الفولانيين في مختلف أنحاء المنطقة وأن يصبح الصراع هو الصراع الإقليمي الرئيسي التالي، إذ إن الفولانيين مهمشون في كل مكان ولهم هوية قوية وتوجد صلات فيما بينهم"، كما قال في تصريحات صحافية لوكالة أنباء رويترز.


أهم العمليات

منذ تأسيس "جبهة تحرير ماسينا" وهي تشن هجمات مركزة ومتتالية في العمق المالي تستهدف بالأساس المصالح المالية، فمالي هي العدو اللدود والأول بالنسبة لها ويأتي المتعاونون معها في الدرجة الثانية كما يؤكد الباحثون في شؤون الجماعات المسلحة.

ووفقا لما وثقه معد التحقيق، فإن الحركة شنت قرابة 14 هجوما إرهابيا، غير أن أخطرها هو عملية فندق "راديسون بلو" التي تمت وسط العاصمة المالية باماكو، والتي استهدفت بالأساس مجموعة من السياح الأوروبيين، ويليها هجوم على قاعدة للجيش المالي في مدينة "نارا" في يونيو/حزيران من عام 2015 على الحدود المالية الموريتانية والسيطرة على قرية مالية لعدة ساعات والخروج منها بدون خسائر، كما قام مسلحو الجبهة بهجوم بالمدافع الرشاشة والقنابل على حانة بالعاصمة المالية باماكو أسفر عن مقتل خمسة أشخاص.

وكذلك قامت جبهة تحرير ماسينا بمداهمة قرية دوجو على بعد عشرات الكيلومترات من مدينة موبتي بوسط مالي، واغتالوا شيخ القرية عيسى ديكو بعد اتهامه بالدفاع عن الحكومة المالية، والقوات الفرنسية والقوات الأممية، وسببت تلك العملية حالة من الهلع بين السكان الماليين وخاصة سكان الأرياف المعرضون للهجوم في أي وقت.

وكانت كورين دوفكا مديرة غرب أفريقيا لدى منظمة "هيومن رايتس ووتش" قد قالت إن "استراتيجية الموالين لأمادو كوفا هي تفريغ المنطقة من القيادات الإدارية والمسؤولين الحكوميين وغيرهم ممن يتعاونون مع الجيش لتأكيد نفوذهم، وربما كذلك لتجنيد أعضاء جدد بسهولة". ووثقت دوفكا في تصريحات نشرتها وكالة رويترز خمس حالات لإعدام أشخاص اتهموا بالتعاون مع الجيش المالي في عام 2015.

وبسبب تشدد "جبهة تحرير ماسينا" أقدمت في الرابع من يونيو/حزيران من العام الماضي على تدمير ضريح الشيخ سيكو أمادو الذي أسس في عهد إمبراطورية ماسينا، وهو من الآثار المالية النادرة وتم تشييده في عام 1818، باعتباره ضريحا وثنيا وقد أقدمت الحركة على هذه الخطوة نظرا لعلاقاتها المتميزة بحركة أنصار الدين التي قامت هي الأخرى بتدمير أضرحة المسجد العتيق في تمبكتو المعروف بـ"جنكر بير".

وتتعاون الحركة مع "جماعة أنصار الدين" ولواء خالد بن الوليد التابع لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إذ شنت الجماعات الثلاث هجوما على جنود من الجيش المالي في مدينة نارا على الحدود الموريتانية المالية. ويستخدم مقاتلو الحركة، "الدراجات النارية" مستفيدين من عنصر المباغتة، في تنفيذ عملياتهم، كما يقول الباحث سيد أحمد ولد باب.


أهداف الجبهة

لدى جبهة تحرير ماسينا، أهداف تكتيكية حسب الخبير في الجماعات الإسلامية يحيى ولد أعل شين، والذي فسر الأهداف التكتيكية بأنها تتمثل في الضربات الموجعة في العمق المالي وداخل القوات الأممية الموجودة في الشمال المالي.

أما الأهداف الاستراتيجية  فيقول مصدر مقرب من جبهة تحرير ماسينا رفض الكشف عن اسمه، إن الجبهة تهدف على المدى البعيد إلى إقامة إمارة إسلامية في مالي واستعادة الوجود الفولاني في القارة السمراء، والذي لم يعد يسيطر على أي دولة بالكامل، وإقامة إمبراطورية فلانية في شمال غرب أفريقيا تطبق الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين. كما تهدف الحركة حسب المصدر ذاته إلى التنسيق مع الحركات الجهادية الأفريقية العاملة في المنطقة، خاصة حركة بوكو حرام النيجرية، حتى إنها دعت صراحة إلى مبايعة بوكو حرام، وأعلنت إعجابها بتلك الحركة وأساليبها المتمثلة في الاختطاف والاغتيالات المتكررة وزرع الذعر بين صفوف المواطنين وهو ما يراه خبير الجماعات الإسلامية، خطرا ينذر بضرورة مواجهة التشدد في المنطقة حتى لا يتمدد أكثر.

 

دلالات