جامع ابن طولون.. نبوءة من القرن التاسع الميلادي

24 اغسطس 2017
الصورة
(مسجد ابن طولون، تصوير: فاس)
+ الخط -

جامع أحمد بن طولون، يُعد من أقدم العمائر الإسلامية التي ما زالت باقية على حالها في مصر، فهو ظل محتفظًا بتفاصيله المعمارية وزخارفه الأصلية المميّزة والمبتكرة حتى الآن.


أوّل أمير مستقلّ في مصر
أمر ببنائه، أحمد بن طولون (220-270هـ)، وهو أوّل أمير استقلّ بحكم مصر، في ظلّ الدولة العباسية، وأسّس الدولة الطولونية فيها، وبني أيضًا مدينة القطائع (256هـ)، وخلال فترة حكمه أصبح له جيش قويٌ، علاوة على كسبه محبّة الناس، وذلك لبعده عن اللهو، واهتمامه بقضاء حوائج الناس، فضلًا عن توزيعه للأطعمة على الفقراء، وإقامة الموائد الكبيرة في الأعياد الدينية والوطنية، حسبما ذكرت الكاتبة سعاد ماهر في كتابها "مساجد مصر وأولياؤها الصالحون".

وروى المؤرّخ محمد البلوي في كتابه "سيرة أحمد بن طولون"، أن أوّل ما فكر فيه ابن طولون، لما هبط مصر أن يُبعد الفوضى عن أحكامها، فوضع لها قواعد فرض العمل بها، فأفلح في ولايته، وارتاحت رعيته.


لمسات قبطية على العمارة الإسلامية
بعد أن فرغ ابن طولون من بناء قصره، قرّر بناء الجامع (263-265هـ)، في موضع يُعرف باسم جبل يُشكر، ويعود الفضل في بناء الجامع، وحُسن عمارته إلي المعماري المصري القبطي سعيد بن كاتب الفرغاني، الذي وصفه المقريزي، بحسن الهندسة والحاذق بها، ويقول في كتابه عنه: إن الفرغاني تولّى بناء عين ماء لابن طولون، وعندما اقترب منها غاصت قدم فرسه لرطوبتها فانزلق، ولسوء ظنّه اعتقد أن النصراني أراد به مكروهًا، فأمر بسجنه بدلًا من مكافأته.

لكن ما لا يتوقّعه الاثنان بعد فترة من الزمن، أنهما سوف يحتاج كل منهما للآخر، وعن لقائهما الثاني معًا، يقول المقريزي، فلما أراد بن طولون بناء الجامع قدّر له 300 عمود، فقيل له لن تجدها إلا إذا قصدت الكنائس في الأرياف والضياع الخراب فتحملها.‏ فأنكر الأمر ولم يختره وتعذّب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ ذلك نصرانيًّا كان في السجن، فكتب إليه‏:‏ أنا أبنيه لك كما تُحب وتختار بلا عمد إلّا عمودي القبلة، فأحضره؛ وأمر أن تحضر له الجلود فرسم عليها تخطيط الجامع، فرآها بن طولون فأعجبته واستحسنه.


رؤية صاحبها الباقية
تقول سعاد ماهر، في كتابها، لما تمّ بناء الجامع رأى بن طولون في منامه كأن الله تعالى قد تجلّى للقصور التي حول الجامع ولم يتجلّ للجامع، فسأل المعبّرين؛ فقالوا: يخرب ما حوله ويبقى قائمًا وحده، فقال: من أين لكم هذا؟، قالوا: من قوله تعالى: "فلما تجلّى ربّه للجبل جعله دكًا"، وقول رسوله صلي الله عليه وسلم: "إذا تجلّى الله لشيء خضع له". وهذا ما حدث، حيث خربت مدينة القطائع، التي كانت متأثّرة في تصميمها وتخطيطها بمدينة سامراء بالعراق، ولم يبق منها سوى جامع أحمد بن طولون.


21 بابًا و129 نافذة
وفقًا لما أورده كتاب "مساجد مصر وأولياؤها الصالحون"، يتكوّن الجامع من شكل مربع تقريبًا، ويبلغ طول ضلعه 162.5*161.5 مترًا، ويتوسطه صحن مكشوف مربع أيضًا، وتبلغ مساحته 6 أفدنة ونصف الفدان، ويحتوي الجامع على 21 بابًا، ويقابلها مثلها في الزيادات، وقد أنفق على بنائه 120 ألف دينار، كما يعتبر من الجوامع المعلقة، أي يصعد إلى أبوابه بدرجات دائرية الشكل.

بمجرّد تجاوز أيّ من أبواب الجامع، والوصول إلى الإيوانات المحيطة بالصحن، نجدها تتكوّن من رواقين، وكل رواق عبارة عن دعائم مبنية بالآجر وفي أركان كل دعامة بنيت أعمدة متصلة نقشت تيجانها بأشكال نباتية محورة بأسلوب الأرابيسك، وتحمل الدعائم عقودًا غطيت بطبقة جصية غنية بزخارفها الجميلة والمتنوّعة.

إيوان القبلة، يمتاز عن باقي الإيوانات، بأنه يتكوّن من خمسة أروقة، ويتوسط جداره المحراب، وبه المنبر، كما يعلو العقود أفريز زخرفي من الجص يعلوه إزار خشبي يحيط بأروقة الجامع جميعها مكتوب فيه بالخط الكوفي البسيط البارز سورتا البقرة وآل عمران.

علاوة على ذلك، يوجد 129 شبّاكًا من الجص المفرغ بأشكال هندسية ونباتية غاية في الدقّة والجمال، تحيط بالجهات الأربع المطلة على الصحن، ويتوّسطه قبّة كبيرة ترتكز على أربعة عقود. أما المئذنة فتوجد في الزيادة الغربية، وتعتبر الوحيدة في مصر التي لها سلم خارجي، وهي مكونة من أربع طبقات؛ الأولي مربعة والثانية مستديرة والثالثة مثمنة، أما الرابعة فتعلوها طاقية تكون معها شكل مبخرة.


إعمار الجامع
أول يد تعهّدت بالاهتمام والعناية بالجامع، كانت يد بدر الدين الجمالي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، حيث تم صنع محراب من الجص بإحدى أكتاف رواق القبلة، فضلًا عن المحرابين الآخرين؛ صنع أحدهما في العصر الطولوني مع بناء الجامع والثاني في العصر الفاطمي.

تلى ذلك، وتحديدًا في القرن السابع الهجري، إصلاحات السلطان حسام الدين لاجين، حيث قام بإجراء إصلاح شامل للجامع، وشيّد قبة أعلى المحراب، ووضع منبرًا له، كما يعود إليه الفضل في القبة التي تتوسّط الصحن اليوم، وذلك من حرّ ماله.

وفي القرن الثاني عشر الهجري، أصبح الجامع مقرًا لمصنع أحذية، وذلك نتيجة تعرّضه للإهمال، وظلّ على هذا الحال حتى قام كلوت بك ببعض الإصلاحات، فأصبح ملجأ للعجزة وكبار السن، لكن في سنة 1882، بدأت لجنة حفظ الآثار العربية، بإصلاح الجامع وترميمه، وإعادة الحياة إليه مرة أخرى، حيث أقيمت أول صلاة فيه يوم الجمعة في 22 رجب 1336هـ، الموافق 3 مايو/ أيّار 1918. أما آخر محاولات ترميم زخارف الجامع وإعادة افتتاحه مرّة أخرى فكانت سنة 2005، ضمن مشروع القاهرة التاريخية، وقد أعلنت وزارة الثقافة أن إعادة ترميم المسجد تجاوزت تكلفتها 12 مليون جنيه.

المساهمون