ثلاث نظرات إلى حديقة الجيلالي الغرباوي

24 أكتوبر 2015
الصورة
أ. الغرباوي، زيت على قماش، 63×98 سم (1968)
+ الخط -
يعتبر مسار الفنان المغربي الراحل الجيلالي الغرباوي (1930 – 1971) تراجيديا بامتياز، يقترب في تفاصيله ومآله من مصائر عدد من الفنانين والكتّاب ممن خبروا مرارة اليتم والحرمان وضيق ذات اليد، وما ترتب عن ذلك من أعطاب نفسية قادتهم إلى أقصى درجات الإحساس بالعزلة وسوء الفهم والإقصاء.

ولد الجيلالي الغرباوي في منطقة جرف الملحة لأسرة فقيرة، توفي والداه وهو في العاشرة، فوُضع في دار للأيتام بمدينة فاس لإتمام دراسته الابتدائية، وفي فاس بدأ يحضر بعض دروس الفن في مدرسة متخصصة، قبل أن يحصل بدعم من أحمد الصفريوي، مدير إحدى المدارس الفنية في الرباط، على منحة خولته، سنة 1952، الالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة في باريس.

وبعد تجربة تعليمية خبر فيها أسرار عدد من المدارس والاتجاهات الفنية، كرّس مجهوده للبحث في الاتجاه التجريدي، الذي أبدع فيه أعمالاً تنحو منحى الجدة والطرافة في آن، وهي المرحلة التي بدأت تنتابه خلالها بعض أعراض النوبات الهستيرية الأولى.

بين عامي (1955 ـ 1971)، اضطربت صحة الجيلالي الغرباوي النفسية بشكل كبير، فأدخل مصح "دير تومليلين" بالقرب من مدينة آزرو، ومكث فيه عامين. وبسبب هذه الحالة، عاش بقية حياته متنقلاً بين الرباط وروما وصقلية، قبل أن يستقر به الترحال في باريس، ضيفاً على الناقد الفني بيير كوديبير، إلى أن وُجد الفنان، في إحدى صباحات سنة 1971، ميتاً على كرسي في حديقة "شون دو مارس" العامة، وهو لم يتجاوز الواحدة والأربعين بعد.الغرباوي بريشة أمينة رزقي

رغم قصر حياته، يكاد أغلب نقاد الفن ودارسيه أن يجمعوا على أن الغرباوي، إلى جانب مواطنه أحمد الشرقاوي (1934 – 1967)، هما المؤسسان لفن التجريد في مدونة التشكيل المغربي. في وقت كان فيه تمثُّل واستقبال هذا النوع من الفن يقابل بغير قليل من السخرية والتهكم والتجريح الساذج.

لم تخف بعض الأسماء المعروفة داخل الوسط الثقافي الفرنسي إعجابها بما كان ينتجه هذان الفنانان المجدّدان، كما هو الشأن مع الشاعر هنري ميشو والناقدين الفنيين بيير كوديبير وبيير روستاني، هذا الأخير انتبه إلى أن إيقاعات أعمال الغرباوي اللونية تحتوي على كم هائل من الضوء، وهي إيقاعات متوترة تترجم، بشكل واضح، درجة انفعال شخصية الفنان، بما يعكس الجانب المهتز داخل جسده وعقله.

وكعادة الكبار من ذوي الحظ العاثر، ممن كانوا سابقين زمانهم، لم يتم الالتفات إلى الجيلالي الغرباوي إلا بعد سنوات من رحيله، إذ أصبحت أعماله تسجّل أرقاماً قياسية في مبيعات سوق الفن، في وقت لم يكن يجد في حياته ما يكفي به حاجياته اليومية البسيطة.

من هنا أهمية المعرض الذي تحتضنه "دار الفنون" في مدينة الرباط، برعاية الفنان فؤاد بلامين، المستمر حتى 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، تحت عنوان "ثلاث نظرات للجيلالي الغرباوي"، الذي يضم أعمال ثلاثة فنانين مغاربة من الجيل الجديد: أمينة رزقي (1962)، عبد الجليل الساولي (1984) ويوسف تيتو (1978). إذ يندرج في سياق الدعوة لاكتشاف الآخر وفهمه، من خلال أنماط تعبيره الخاصة، مع السعي في الوقت نفسه إلى إبراز المواهب الجديدة.
من أعمال يوسف تيتو المشاركة في المعرض

بالنسبة لرزقي، ظلّت الفنانة وفيّة للمستها الفنية، فاستعادت من خلال البورتريه شخصية الغرباوي، وعبر لجوئها إلى تقنية التشويه – Défiguration، حاولت أن تستقرئ دواخل ونفسية وهواجس الشخصيات المرسومة.

من هنا جاءت سلسلة البورتريهات التي تقترحها للفنان لتعكس بعضاً من حالة القلق والتشويش التي عانى منها، إن عبر عنف ودينامية الخطوط، أو من خلال استثمار حمولة وخلفية المفردات اللونية، التي يغلب عليها الأبيض والأسود، مع حضور متخفّف وخجول للأحمر والأزرق.

من جانبه، عمد الفنان تيتو إلى تمثّل شخصية الغرباوي عبر سلسلة من الأعمال التجريدية الصغيرة التي أُنجزت على سند من ورق، والتي يوحّد بينها الحضور الطاغي للأبيض والأسود في تدرجهما – أحياناً - نحو الرمادي، وهي أعمال يقوم بعضها على استدعاء بعض السُنن الخفيفة التي اشتهرت بها أعمال الفنان المحتفى به، مثلما هو الشأن بالنسبة لتلك الخطوط الخفيفة التي تظهر واضحة في بعض الأعمال المعروضة.

وباستثناء عملين ملونين من الحجم الكبير أُنجزا على قماش، تكاد أغلب لوحات تيتو تتقاطع حول الكتلة اللونية والشكلية ذاتها، بنفَس تجريدي هادئ وذكي ومطمئن إلى مسعاه الجمالي، وهي إشارات قد تذهب بها دينامية التأويل إلى ما يفهم منه سعي الفنان إلى ما كان يفتقد إليه الغرباوي في حياته الماضية.

أما الساولي، فقد جاءت أعماله مختلفة بعض الشيء عن أعمال زميليه، سواء من حيث طبيعة سندها أو بالنظر إلى الموضوعة التي اشتغل عليها. بالنسبة للسند، فهو عبارة عن مستخلصات مواد نباتية قام الفنان بإخضاعها لعملية عجن وتمديد، إلى أن أصبحت ألواحاً تبدو كما لو أنها كتل ترابية مجتزأة من الأرض.
من أعمال عبد الجليل الساولي المشاركة في المعرض

وقبل أن تيبس، عمد إلى تثبيت قطع من فروع الشجر، داخلها، بما يُظهر ذلك التداخل الغريب والطارئ بين عنصرين طبيعيين، كانت لكل واحد منهما حياته الخاصة وفضاؤه المحدد، والنتيجة هي هذا التجسيد الطريف في التعامل مع المادة وفي خلق توليفة جديدة بين عنصرين من عناصرها.

بقيت الإشارة إلى أن هذه النظرات الثلاث، كانت مدعومة، في هذا المعرض، بمشاركة فعلية للغرباوي، من خلال مجموعة من الأعمال التي كان قد أنجزها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وهي الأعمال التي تعكس جانباً من شخصية هذا الفنان المجدّد، كما أنها تلقي الضوء على ما قد تسرب إليها من إيقاعات خاصة، كان قد لمس فيها الناقد روستاني إيقاعات ضوء روحه المضطربة والمتوترة، التي تترجم الجانب المهتز داخل جسده وعقله.


اقرأ أيضاً: محمد الشيكر.. حفريات في التشكيل المغربي

المساهمون