تونس: اختتام الحملات الانتخابية وشارع الثورة يلتحف بألوان التعددية السياسية

تونس
أمينة الزياني
14 سبتمبر 2019
+ الخط -
احتضن شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، مساء الجمعة، آلافا من أنصار المرشحين للانتخابات الرئاسية التونسية. وفي مشهد يؤكد أن ثورة عام 2011 قد دفعت البلاد نحو الديمقراطية والتعدد، وقف ثلاثة متنافسين من عائلات سياسية عرفت بخلافها العميق على امتداد شارع الثورة ليخاطبوا الجماهير، محاولين الظفر بأصواتهم خلال آخر ساعات الحملة الانتخابية. 

وخاطب مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو ومرشح الجبهة الشعبية منجي الرحوي ومرشح حزب العمال حمة الهمامي آلافا من الأنصار، وألقوا كلماتهم الأخيرة قبل أن يبدأ الصمت الانتخابي ليحسم الصراع الأحد بالصندوق وداخل خلوات مكتب الاقتراع. وفي صورة استعراضية، اجتهدت فرق الحملات الانتخابية للمترشحين الثلاثة في حشد الحضور الجماهيري والإعداد اللائق لصعود "الرئيس المرتقب" على المنصة ومخاطبة أنصاره، ولم تغب الفرق الموسيقية والأعلام والأغاني عن احتفالات الاختتام لتخلق "كرنفالا انتخابيا" في الشارع الكبير.

وبحضور رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وأمينها العام، زياد العذاري، وقيادات أخرى انطلق حفل اختتام حملة مرشح الحزب عبد الفتاح مورو. وشددت قيادات النهضة على أنها قدمت للتونسيين أفضل ما لديها من أجل قيادة البلاد. وبدا خطاب قيادات النهضة أحيانا دينيا أعاد للأذهان صورة النهضة قبل فصل قسمها الدعوي عن السياسي.

ولم يكن خطاب حركة النهضة موجها للقيادات والقواعد المنضبطة فقط، وإنما لكل الفئات والغاضبين من ارتدائها جبة المدنية والتوافق خاصة. وغازل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الثوريين مذكرا بأن "النهضة مسؤولة عن الثورة"، ومن يعيبون على حزبه تخليه عن الجانب العقائدي، قائلا إن "النهضة استمرت لأنها تمسكت بالإسلام المعتدل الرافض للعنف وللإرهاب وما تزال على هذا النهج، وخير دليل أنها رفضت مبادرة قانون المساواة في الإرث، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" على حد قوله.

وتكفل الغنوشي بالرد على صديق الأمس ومنافس اليوم المترشح منصف المرزوقي، سيما بعد أن قدح الأخير في مرشح النهضة، واستهزأ رئيس النهضة من احتكاره لرمزية الثورة، قائلا "لا نحتكر الثورة ورمزيتها، وإنما كثر غيرنا ساهموا فيها، وكل ما قيل غير ذلك ادعاء بالباطل لم يسجن أو يعذب أو يستشهد أحد في سبيل الثورة مثل أبناء النهضة، ولو كان القياس على ذلك لكانت الثورة نهضوية". وحذر ذات المتحدث من انتخاب بقية مرشحي الثورة لأن ذلك سيفضي لا لنجاحهم، وإنما لفوز مرشحين يمثلون امتدادا لنظام بن علي.


أما المترشح عبد الفتاح مورو فقد تركزت كلمته على تقديم الوعود والالتزامات تجاه الناخبين، وخاطب وجدان من ناضل ضد الاستبداد، ومن قضوا تحت التعذيب من النهضويين، واعداً عائلاتهم بالنصر وبالوفاء بالأمانة. وشدد مورو على أن أول ملف سيعمل على حله إذا فاز بالرئاسة هو ملف العدالة الانتقالية الذي يشمل ستة وعشرين ألف تونسي من الخمسينيات إلى الثورة ممن عذبوا وجوعوا واضطهدوا من أجل تونس، إضافة إلى ملف شهداء وجرحى ثورة سنة 2011، وشدد على أن هذين الملفين "ليسا ورقة انتخابية وإنما مسؤولية".

حمة الهمامي يتعهد بعدم مقاضاة الصحافيين
وعلى مقربة من النهضة وأنصارها، احتشد أنصار حزب العمال وداعمو مرشحه حمة الهمامي رافعين شعارات وأهازيج ثورية، ووجد الهمامي في الحركة الوطنية والثورات الشعبية في

تاريخ البلاد جذورا له ولخطابه، مستذكرا علي بن غذاهم والدغباجي والمقاومين للاستعمار قبيل الاستقلال، والحركة اليسارية وشهداءها ومقارعتها الاستبداد وانتهاك السيادة الوطنية لعقود. ولم يكن خطاب الهمامي غارقا في الماضوية، بل ارتكز على مخاطبة المؤمنين بدولة مدنية ديمقراطية تعددية تحترم الحريات.

وتعهد الهمامي بالقطع مع ممارسات الطبقة الحاكمة منذ الثورة، واصفا إياها بالساعية لاقتسام الغنيمة عبر الامتناع عن تركيز محكمة دستورية وإرساء هيئات دستورية ضعيفة، وقمع الصحافة وتكميمها وانتهاك دستور تمت المصادقة عليه، بعد ثورة قضى فيها مئات الشهداء نحبهم وإثر اغتيالات سياسية.

وقدم الهمامي جملة من الالتزامات من بينها مراجعة كل التشريعات المخالفة للدستور، واحترام حرية التعبير والصحافة والنشر، متعهدا بألا يقاضى الصحافيون إذا ما فاز بالرئاسة، حتى وإن تجاوز بعضهم حدود المهنية والموضوعية. وعرج المترشح على قضية سفيان الشورابي ونذير القطاري، وهما الصحافيان المختفيان في ليبيا منذ خمس سنوات، معبرا عن عزمه تشكيل لجنة للتحقيق في اختفائهما وكشف الحقيقة حولهما.

بدا خطاب الهمامي حقوقيا صرفا، لم تغب عنه مناهضة التعذيب واحترام الحريات والمساواة التامة بين الجنسين والمساواة في الإرث، فيما استحضر مواقفه المعهودة المؤيدة لإعادة العلاقات مع سورية، وتجريم التطبيع وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ومقاومة الاحتلال الصهيوني.

من جانبه، سعى المترشح عن الجبهة الشعبية منجي الرحوي إلى فرض خط تمايز بين خطابه وحضوره وخطاب منافسه ورفيق الأمس حمة الهمامي. خطاب ارتكز على التغيير من أجل بناء تونس جديدة كما يحلم بها الرحوي ومن معه. وبعد جولة في أغلب جهات البلاد ومحافظاتها، توجه الرحوي إلى عموم التونسيين مشددا على اختلاف طرحه وتميزه عن بقية المترشحين. لم يغازل الرحوي العامل والفلاح والفقراء، وإنما كانت كلمته مرتكزة على المقترحات والتصورات في الاقتصاد والتنمية والتربية والتعليم والدبلوماسية.


تونس الجديدة بالثقافة والفكر والرياضة والمدنية والتحضر، كما وصفها الرحوي، تقوم على الفرد الواعي والمتشرب لقيم الديمقراطية والمؤمن بالتطور. وبين ذات المترشح أن تونس التي يراها تتعامل بندية مع بقية الدول وبالمثل، ولا تقبل إهانة أبنائها، بل تفرض احترامهم كما تفرض سيادتها الوطنية، وأشار إلى أن مئات آلاف العاطلين ممن يعرضون كفاءاتهم وشهاداتهم العليا من أجل فرصة عمل تضمن العيش الكريم هم قوة التغيير وبناء تونس الغد.

ولم تمر تجربة الرحوي لسنوات في رئاسة اللجنة المالية بالبرلمان دون أن تترك وقعها على خطابه، فتكلم كرجل اقتصاد مقدما الوعود بتحقيق تنمية اقتصادية والحد من سياسة التداين والاقتراض، علاوة عن تطوير الفلاحة ودفعها لان تكون محركا أساسيا في الاقتصاد والاهتمام ببناء اقتصاد أخضر.

وحيا الرحوي الشعب السوري في دفاعه عن أرضه، والشعب الفلسطيني الذي يكابد من أجل نيل استقلاله، ومن أجل ديمقراطية تسمح له بمقاومة الاحتلال بعيدا عن الصفقات السياسية الإقليمية والدولية.

ذات صلة

الصورة
احتجاجات بتونس العاصمة ومطالبات بنشر قائمة شهداء وجرحى الثورة في الجريدة الرسمية (فيسبوك)

مجتمع

تحت شعار "لن نحتفل، الثورة مستمرة"، وعلى وقع النشيد الوطني "حماة الحمى"، قادت اليوم الخميس عائلات شهداء وجرحى الثورة مسيرة انطلقت من شارع الحرية بالعاصمة التونسية، في محاولة منها للوصول إلى شارع الحبيب بورقيبة، رمز الثورة التونسية.
الصورة

سياسة

يحتفل التونسيون كل عام مرتين بذكرى ثورتهم. جدل لا ينتهي، ولكنه يعكس النقاش ذاته المتواصل منذ عقود بين جهات الداخل والمركز على كل المستويات.
الصورة
عربة البوعزيزي

سياسة

يحكي مسار الوصول إلى منطقة لسودة بمحافظة سيدي بوزيد، حيث نشأ رمز الثورة التونسية، محمد البوعزيزي، الكثير عن الإهمال والحرمان اللذين عاشهما هذا الشاب قبل أن يحرق نفسه. ورغم مرور 10 سنوات على الحادثة، إلا أنّ لا شيء تغيّر.
الصورة
تونس/سياسة/العربي الجديد

سياسة

بحث مختصون في القانون والقضاء ركائز الانتقال الديمقراطي في تونس والمسار الدستوري والحقوق والحريات وإصلاح القضاء، والعدالة الانتقالية، ومكافحة الرشوة والفساد وحرية الإعلام لتكون من مشمولات دراسة أعدت بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة.