توم هانكس... خطوات أخرى على "الميل الأخضر"

18 مارس 2020
الصورة
توم هانكس في Cast Away عام 2000 (IMDB)
صحيح أنّ صورة توم هانكس مع ويلسون فبركها موقع Betoota Advocate الأسترالي الفكاهي، لكنها لم تكن ذات أثر مؤذ.
بدت الفبركة شكلاً من الدعم للممثل الأميركي الذي خضع مع زوجته ريتا للعزل الصحي في مشفى، بعد إصابتهما بفيروس كورونا في أستراليا، أثناء التحضير لدوره في فيلم "ألفيس بريسلي"، وانتقالهما أخيراً إلى حجر منزلي.

وما ويلسون سوى كرة رافقت هانكس في فيلم Cast Away الذي عرف عربياً باسم "منبوذ"، والصادر عام 2000، ويحكي قصة تشاك نولاند الذي نجا من سقوط طائرة، تحمل طرود شركة "فيديكس" للبريد السريع، ودفعته الأمواج إلى جزيرة معزولة، بقي فيها أكثر من خمس سنوات.

لم تكن مجرد كرة بيضاء، ضمن الطرود التي سحبتها الأمواج إلى الجزيرة، بل اكتسبت شهرتها من طبعة الدم، حين قذفها نولاند في فورة غضبه، بعد أن نزفت يده، وهو يحاول إشعال نار صغيرة، كأي إنسان بدائي يريد خلق ناره الأولى.

في عام 2015، التقطت الصورة الحقيقية لهانكس، وهو يتسلم الكرة بين حشد يتابع لعبة هوكي، وقد رسم عليها كف بلون أحمر، كالذي كانت عليه كرته التي ظل طوال سنوات يحكي معها خلال عيشه وحيداً في جزيرة.

الموقع الفكاهي استبدل الخلفية بمكان الحجر الصحي، ليبدو هانكس كأنه تلقى كرة "ويلسون"، رماها له محبوه، المتضامنون معه في محنته.
من جزيرة مجهولة الاسم في الفيلم، إلى جزيرة أستراليا العملاقة الشهيرة. لكن توم هانكس ليس حراً، وليس هناك مجاهل يستطيع اكتشافها، لا شغف اطلاع، ولا للضرورة.

كان أصغر في الصورة الحقيقية قبل خمس سنوات، وهي مدة لها حسابات تظهر في معالم شخص مصاب بالسكري، يتقدم في العمر أسرع من غيره.

في الثالثة والستين يبدو هانكس أكبر سناً، كما تقتضي الطبيعة، ومع المناعة الأقل التي يسببها السكري، يتداول معجبوه الأخبار حول إمكانية أن يقاوم شراسة الفيروس الذي حدد بنك أهدافه: كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، وكذا يتداولون أخباراً سريعة عن طعام نجمهم هذه الأيام، ومن ذلك اعتماده على الخضار.

وحين شكر هانكس الناس المؤازرين له ولزوجته وقال "اعتنوا بأنفسكم"، استعاد جمهور مسلسل الكارتون "عائلة سيمبسون" و"نبوءاته" بقدوم الفيروس، كما استعادوا فيلم The Simpsons Movie الذي استند إلى المسلسل وظهر عام 2007، ويقول فيه الممثل وقد كان ضيف شرف في الفيلم "هذا هو توم هانكس.. إذا رأيتني شخصياً، من فضلك، دعني وشأني".

وإن كان دور هانكس في فيلم Cast Away مكثفاً في عزلة رجل مدني وجد نفسه لسنوات في بيئة بكر لم تطأها قدم، يحدث نفسه، ثم يحدث صديقه ويلسون، الكرة، فإنّ الحجر الصحي يوفر محيطاً من البشر المعزولين، والكوادر الطبية، والمحبين عن بعد، بما يجعلنا أمام عزلة الذات بين الجميع، واختبار إمكانية التشارك وتبادل المساعدة أمام فيروس لا يدفعك سوى للفرار.

جرّب توم هانكس عزلات عديدة في أفلامه. قبل عام من الفيلم، أي في 1999، عاش بول ادجيكومب العزلة الكبرى في فيلم "الميل الأخضر" The Green Mile.

أدى هانكس دور "بول" الضابط في سجن للإعدام على الكرسي الكهربائي، ونفذ حكم الإعدام في جون كوفي، الرجل البريء "معجزة السماء" الذي أصر على الذهاب نحو الموت، وقد كان بإمكانه أن يعيش إلى الأبد، لكنه منح عدوى الأبدية للضابط الأخلاقي الذي اختتم الفيلم وعمره 108 أعوام.

كان "الميل الأخضر" تسمية أطلقت على المسافة التي يقطعها المحكومون بالإعدام، قبل أن ينفذ الحكم القضائي بإعدامهم.

أخيراً، فأر عجوز منح ذات العدوى، ليرافق حياة بول الذي يواظب على الخروج من دار المسنين صباحاً، حيث يقيم الفأر في كوخ مهجور على مبعدة، محضراً لصديقه قطعة خبز.

هذه الأبدية التي لطالما كانت شغل الأساطير. من يملك سرها؟

أدرك غلغامش سر الخلود في أسوار مملكته أوروك التي ستخلد اسمه، أما هو فمات في المعدل الطبيعي لموت بني البشر، بعد أن جاب الأرض وهو يبحث عن إمكانية العيش الأبدي.

لم يكن بول في فيلم "الميل الأخضر" إلا إنساناً آخر لم تخبره البشرية، مرصوداً للألم. عليه أن يعيش ويرى كل من يحبهم يرحلون. لكأن عدوى الحياة عقوبة.

لا يمكن لأحد أن يسمي الحياة إلى الأبد عقوبة، لأنها أشواق البشر لشيء لا نعرفه.
أما بول الذي عليه أن يضع الزهور على قبور أهله وأصحابه، فكانت تجرحه العزلة الطويلة، فيبوح بعد موت صديقته في دار المسنين "كلنا محكومون بالموت، ولكن يا إلهي، في بعض الأحيان يبدو الميل الأخضر طويلاً".
بعد توم هانكس الشاب، أدى دابس غرير دور بول في الشيخوخة. كان يستحق التقدير على دوره. كان أقرب صورة للعزلة الأبدية. عاش غرير في الحقيقة أقل مما عاش في الفيلم. توفي في التسعين من عمره عام 2007، وهذا رقم ممتاز، ينظر إليه الناس الآن بقلب كسير.

كل من تذكروا توم هانكس الآن في محنته، لجأوا إلى أنّ العزلة بالعزلة تذكر، فكان هانكس البشري مريض السكري في العزل، شبيهاً بالمعزول في جزيرة وحشية طيبة، منحته الماء وأغصان الشجر ليعبر البحر.

ربما يجدر بنا أن نعود أعواماً إلى الوراء، فنتذكر "فورست غامب" الذي يبدو كأنه يركض إلى الأبد. غامب الأقل من متوسط الذكاء، لم يسئ إلى البشرية قدر ما يسيء إليها أذكياء الفرص الذين يتنافسون على القتل، حتى وهم يجهدون في صنع لقاح ضد "كوفيد 19"، يفكرون في الربح إلى الأبد.