تمرد الفصائل الموالية لإيران: رفض الخضوع لإمرة الجيش العراقي

08 يوليو 2019
الصورة
"كتائب حزب الله" من أبرز رافضي القرار(أحمد الربيعي/فرانس برس)
أكدت مصادر عراقية رفيعة في بغداد لـ"العربي الجديد" أن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، يعوّل على جهود كل من فالح الفياض وأبو مهدي المهندس في تنفيذ القرارات التي أصدرها الأسبوع الماضي والخاصة بتنظيم عمل فصائل "الحشد الشعبي"، قبل نهاية شهر يوليو/ تموز الحالي. لكن مراقبين وسياسيين عراقيين يحذرون من أن قرارات رئيس الوزراء قد تكون لها آثار سلبية على المدى القريب بسبب رفض بعض الفصائل الانصياع لها، وتشترك كلها في كونها مرتبطة بإيران أو مدعومة منها، مع العلم أن قرارات عبد المهدي المتعلقة بـ"الحشد" جاءت بعد أسبوع صعب شهدت فيه البلاد هجمات طاولت مقرات تضم أنشطة ومصالح أميركية، وتقارير تحدثت عن أن الهجمات التي استهدفت بعض مواقع نفط سعودية كان مصدرها العراق وليس اليمن.

وعلى الرغم من إصدار عبد المهدي، في ساعة متأخرة من يوم الإثنين الماضي، بياناً حدد فيه نهاية الشهر الحالي موعداً نهائياً لوضع الترتيبات اللازمة لتنفيذ القرار القاضي ببدء إخضاع أسلحة المليشيات لإمرة الدولة وإعادة توزيع مقراتها وضبط تحركاتها داخل البلاد أسوة بالجيش العراقي، إلا أن تلك القرارات لم تتجاوب معها حتى الآن سوى فصائل عراقية معروفة بولائها لمرجعيات في النجف وكربلاء، مثل "سرايا السلام" و"فرقة العباس" و"جند المرجعية" و"الحركة الشعبانية" و"مجاهدي الأهوار" و"كتائب التيار الرسالي" و"كتائب أهل العراق"، وفصائل مسلحة أخرى معها.

وأكد مسؤول عراقي رفيع في بغداد، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، أن الفصائل المرتبطة بالنجف وكربلاء باشرت فعلاً بالخضوع لقرارات الحكومة العراقية الأخيرة، بينما فصائل أخرى رفضت مناقشة مخازن سلاحها أو مقرات وجودها أو ضبط تحركاتها من خلال غرفة التنسيق المشترك. ولفت إلى أن "كتائب حزب الله" العراقية، و"كتائب سيد الشهداء" و"النجباء" و"الخراساني" و"أنصار الله الأوفياء" و"سرايا الجهاد" و"سرايا عاشوراء"، ومليشيات أخرى، أبلغت أنها خارج "الحشد" وتصنيفاته وأنها موجودة أصلاً قبل وجود فتوى المرجع علي السيستاني بعد اجتياح تنظيم "داعش" للعراق. ولفت إلى أن رئيس الوزراء تلقى إشارات رفض الانصياع من هذه الفصائل، خصوصاً في ما يتعلق بالسلاح الثقيل، علماً أن قسماً منه هو ملك الجيش العراقي وتمت مشاركته مع الفصائل خلال المعارك ضد تنظيم "داعش"، إضافة إلى موضوع وجود هذه الفصائل في مدن وبلدات عراقية ورفضها مغادرتها لإعادة أهلها النازحين.

وأوضح المسؤول أن "عبد المهدي مؤمن تماماً بأن الوقت قد حان لتنظيم عمل الحشد الشعبي والسلاح المتفلت"، مشيراً إلى أن "هناك تجاوباً من فالح الفياض وأبو مهدي المهندس في هذا الشأن، ويقوم الرجلان بالتحرك لبحث خضوع كل الفصائل للقرارات، والتباحث مع تلك الرافضة لها، خصوصاً أنها وضعت نفسها في خانة المقاومة الإسلامية، وهو ما لا وجود له في القانون العراقي ولا يمكن تكييفه".

وأعلنت بعض الفصائل بشكل واضح رفضها بيان وقرارات عبد المهدي، واعتبر بعضها أنها قرارات لا تسري عليها كونها خارج منظومة "الحشد" وضمن فصائل "المقاومة الإسلامية"، وأبرزها، "كتائب حزب الله" العراقية، التي أصدرت بياناً حذرت فيه مما وصفته بـ"محاولة تجريم المجاهدين بما يعزز من توجّه العدو الأميركي لإعادة إنتاج داعش وأمثاله". واتهمت هذه الكتائب الحكومة العراقية بـ"التقاعس عن حماية العراق من شبكات التجسس الأميركية ومحاسبة الضباط العسكريين بسبب التخابر مع الأميركيين"، معتبرة نفسها ضمن خانة فصائل "المقاومة الإسلامية" غير الخاضعة لـ"الحشد".


كما أن مليشيا "النجباء" المصنفة ضمن خانة الإرهاب أميركياً، اعتبرت في بيان صدر عن مكتبها في طهران ونقلته وسائل إعلام محلية عراقية، أن "جميع قوات فصائل المقاومة لم تنضم بشكل كامل إلى الحشد الشعبي ولم تندمج معه، لأنه في الحقيقة لم نضع كل البيض في سلة واحدة"، وأن "عدداً كبيراً من قادة فصائل المقاومة لم ينضموا إلى الحشد الشعبي، لأنه لا توجد إمكانية للإفصاح عن أسماء الكثير من المختصين والقيادات لأسباب أمنية وكان ينبغي أن تحفّظ لدى فصائل المقاومة"، وذلك في إعلان مباشر عن رفض قرارات عبد المهدي.

وفي السياق، قال عضو المجلس السياسي لحركة "النجباء"، فراس الياسر، لـ"العربي الجديد"، إن "النجباء وغيرها من فصائل المقاومة الإسلامية متهمة باتهامات غير حقيقية، وبالتالي هناك لغط كبير بشأن رأينا بقرار عبد المهدي الأخير، وأول أمر لا بد من معرفته، هو أن القرار ذكر فصائل الحشد الشعبي ولم يذكر فصائل المقاومة الإسلامية". ولفت إلى أن "كتائب حزب الله وحركة النجباء تمتلك ألوية مُرقمة بأرقام داخل المنظومة الأمنية في الحشد الشعبي، وهي خاضعة تماماً لأوامر القائد العام للقوات المسلحة (عادل عبد المهدي)، ونحن جزء مهم من المنظومة الأمنية ورقم أساسي فيه".

وأشار الياسر إلى أن "هناك نقطة جوهرية لدى فصائل المقاومة، وهي ثقافة المقاومة، الميزة المجتمعية التي تمتلك امتدادات عقائدية، على اعتبار أننا مع الجمهورية الإسلامية في إيران وملزمون بالتوجّه الإسلامي بعيداً عن نظام الدولة أو فكرة الدولة، ولا يمكن للدولة أن تمنعنا من حماية المقدسات عبر الحدود، لأن فتاوى المراجع الدينية لا تُقيّد بدائرة جغرافية معروفة، وجغرافية العقائد أعلى من جغرافية الدول، ومع ذلك ملتزمون بأوامر الحكومة العراقية، ولدينا ألوية بمسميات معروفة لدى القيادة العراقية في مجلس الوزراء"، مضيفاً "الثقافة التي نحملها دينية وجزء مهم من عقيدتنا، وليست لدينا أي جماعات مسلحة خارج الحشد الشعبي ولكن لدينا مجموعات ثقافية وإعلامية تروّج لعقائدنا".

وفي تلميح يفهم على أنه إشارة إلى جناح "النجباء" العسكري في سورية ووجود قوات أو عناصر أخرى لها خارج مظلة "الحشد الشعبي" برلمانياً، لفت عضو مجلس النواب، علي الغانمي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "القرار العسكري الأخير من قبل رئيس الحكومة واضح وصريح، والغاية منه تفعيل قرارات سابقة، والتأكيد أن الحشد الشعبي أصبح مؤسسة دستورية لها ارتباط كامل بعبد المهدي، وتتلقى الأوامر والتعليمات منه شخصياً"، مشيراً إلى أن "القرار لم يكن نتيجة حالة طارئة، إنما بعد تفاهمات من خلال القيادات في الحشد، لمنع العمل السياسي واستغلال المؤسسة الأمنية، وتفعيل ما ينطبق على الداخلية والدفاع على الحشد أيضاً". وأوضح أن "القرار بحاجة إلى متابعة دائمة، لمنع عدم الالتزام به من بعض الجهات التي تحمل عناوين معينة، وهي بعيدة عن عمل الحشد الشعبي".

إلى ذلك، رأى المحلل السياسي والباحث العراقي، عبد الله الركابي، أن "الحكومة العراقية الحالية لن تتمكّن من محاصرة السلاح المتفلت وتحجيم دور المليشيات المسلحة، التي تجرأ بعضها على السيطرة على بلدات كاملة بعد تحريرها من داعش، كما في جرف الصخر"، مضيفاً "ما صدر عن عبد المهدي، ما هي إلا تحركات من الدولة العراقية لطمأنة الجانب الأميركي، بأنها قادرة على لململة وضعها الأمني، وإعلان البراءة بصورة غير مباشرة من سلسلة الضربات التي استهدفت المصالح الأميركية في العراق". وأكد الركابي، لـ"العربي الجديد"، أن "فصائل مثل النجباء وكتائب حزب الله، لن تتجاوب مع الحكومة، لا سيما أنها تُعلن بوضوح وصراحة ولاءها الكامل لإيران، وبالتالي فهي غير ملزمة بقرارات العراق، ولديها استعداد بضرب الحكومة وقصف المنطقة الخضراء (الحكومية في بغداد) إذا طلبت طهران ذلك".

تعليق: