تقرير"رايتس ووتش" 2019: قمع وظلم وتعصب بالسعودية والإمارات والبحرين

17 يناير 2019
الصورة
تزايدت الضغوط على السعودية بعد مقتل خاشقجي(Getty)


قدمت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، اليوم الخميس، أمثلة عدة على تنامي المعارضة للأنظمة الاستبدادية في العالم، والاتجاه العالمي لمواجهة انتهاكات حقوق الانسان، لعل أبرزها الدعوة العالمية إلى معاقبة السعودية بعد جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول في الثاني من شهر أكتوبر الماضي، وكذلك الدعوات الحقوقية والسياسية والشعبية حول العالم لوقف الحرب الذي يشنها التحالف السعودي الإماراتي على اليمن منذ ربيع العام 2015.

وفي مقدمة "التقرير العالمي 2019" الذي أطلقته المنظمة اليوم، قال مديرها كينيث روث إن وقف القصف والحصار اللذَين تقودهما السعودية ضد اليمنيين والمطالبة بإجراء تحقيق كامل بمقتل خاشقجي، بالإضافة إلى منع حدوث مجزرة في سورية، "تجسد الجهود الساعية إلى التصدي للاستبداد".

السعودية: حملة منسقة ضد المعارضين

ورأى  تقرير "رايتس ووتش" أن مقتل خاشقجي جعل من السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان "عرضة للتدقيق بشأن سجل حقوق الإنسان في البلاد، ما سلط الضوء على الانتهاكات المستمرة" في الداخل وفي اليمن.

وشكلت جريمة قتل خاشقجي في أكتوبر 2018، الحدث الأبرز في مجال قمع الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان الممارسة من قبل السعودية، التي واصلت العام الماضي الاعتقالات، المحاكمات التعسفية، والإدانات بحق المنشقين والنشطاء السلميين، بما فيها حملة واسعة منسقة ضد نشطاء حقوق المرأة بدأت في مايو/أيار.

وفيما أنهت السعودية في يونيو/حزيران الماضي حظرها الطويل على قيادة النساء، استمرت في التمييز ضد المرأة والأقليات الدينية، بحسب ما أوردت المنظمة الدولية في تقريرها.

وارتكبت السعودية في ​​اليمن انتهاكات عديدة للقانون الإنساني الدولي، وذلك بعد توثيق المنظمة كما تشرح في تقريرها السنوي عشرات الهجمات لـ"التحالف" الذي تقوده الرياض، والتي "قد يرقى بعضها إلى جرائم حرب"، مذكرة خصوصاً بالغارة التي استهدفت في أبريل/نيسان الماضي حفل زفاف في صعدة وأدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وكذلك إلى استهداف حافلة الأطفال اليمنيين في آب/أغسطس.

وحذرت المنظمة  من أن استمرار الضربات الجوية غير القانونية لـ"التحالف" وعدم إجراء تحقيقات كافية في الانتهاكات "يعرض موردي الأسلحة إلى التحالف لخطر التورط في هجمات غير قانونية في المستقبل".

إلى ذلك، قالت "رايتس ووتش" إن السلطات السعودية نفذت في العام 2018 موجة اعتقالات ضد معارضين ونشطاء حقوقيين ورجال دين مستقلين في ما يبدو أنها "حملة منسقة"، مذكرة بقضاء أكثر من 12 ناشطا بارزا أدينوا بتهم متصلة بأنشطتهم السلمية أحكاما طويلة بالسجن، وبمواصلة سجن الناشط وليد أبو الخير جراء تهم نابعة فقط من انتقاداته السلمية للانتهاكات الحقوقية، مع مواصلة السلطات احتجاز المشتبه فيهم لشهور أو حتى سنوات دون مراجعة أو ملاحقات قضائية.

الإمارات: احتجاز تعسفي وإخفاء قسري

وقالت "رايتس ووتش" إن الإمارات استمرت خلال العام الماضي في عدم التسامح مع منتقديها، وذلك ضمن الهجوم المستمر الذي يشنه هذا البلد على حرية التعبير وتكوين الجمعيات منذ العام 2011، إذ حكمت سلطاتها في مايو/أيار على الناشط الحقوقي أحمد منصور، بالسجن 10 سنوات بسبب ممارسته حقه في حرية التعبير، فيما تستمر الحكومة في ارتكاب الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري لمنتقدي السلطات.

وتطرقت المنظمة في هذا الصدد كذلك إلى الحكم بالسجن 10 سنوات الذي صدر بحق الأكاديمي ناصر بن غيث، الذي أخفته السلطات الإماراتية قسراً في أغسطس/آب 2015، بتهم شملت انتقادات سلمية للإمارات وللسلطات المصرية، بالإضافة إلى اعتقال البريطاني ماثيو هيدجز بتهمة التجسس.

وبشكل عام، ذكر التقرير أن الإمارات تعتقل تعسفياً وتُخفي قسراً من ينتقد السلطات داخل حدود البلاد، فيما يتعرض سكانها الذين يتحدثون عن قضايا حقوقية لخطر الاحتجاز التعسفي والسجن والتعذيب، ويقضي كثير منهم فترات سجن طويلة أو يضطرون لمغادرة البلاد تحت الضغوط.

إلى ذلك، واصلت الإمارات، بحسب المنظمة الدولية، في لعب دور قيادي في "التحالف" بقيادة السعودية، والذي نفذ العديد من الهجمات غير المشروعة في اليمن، كما تورطت في إساءة معاملة المحتجزين في الداخل والخارج.

ورأت "رايتس ووتش" أن القادة الإماراتيين "يواجهون مسؤوليات جنائية محتملة بسبب مسؤولية القيادة"، مجددة مطالبتها مجلس الأمن الدولي بـ"التفكير في فرض عقوبات تستهدف كبار قادة التحالف الذين يتحملون المسؤولية الأكبر عن الانتهاكات الجسيمة المتكررة".

أما في ما يتعلق بانتهاكات العمل، فهي "لا تزال قائمة" كما تؤكد "رايتس ووتش"، إذ يواجه عمال البناء المهاجرون "استغلالاً خطيراً" في الإمارات، التي واصلت سلطاتها منع ممثلي المنظمات الحقوقية الدولية من زيارتها.

البحرين: "إنهاء" المعارضة وقمع متواصل

إلى ذلك، انتقدت "رايتس ووتش" في تقريرها العالمي السنوي مواصلة المحاكم المدنية والعسكرية في البحرين إدانة المعارضين السلميين وحبسهم، بمن فيهم مدافعون بارزون عن حقوق الإنسان وزعماء معارضة، بدعوى "حماية الأمن القومي"، مع مواصلة سجن الناشط نبيل رجب، فيما لم تتخذ أي خطوة في مجال محاسبة المسؤولين عن التعذيب.

كذلك سلطت المنظمة الدولية في تقريرها الضوء على تجريد المحاكم البحرينية منذ يناير/كانون الثاني 2018 ما لا يقل عن 243 شخصاً من جنسيتهم، بمن فيهم نشطاء حقوقيون، مع ترحيل السلطات ثمانية أشخاص على الأقل بعد تجريدهم من الجنسية.


وقالت المنظمة في تقريرها إن البحرين "قمعت المعارضة السلمية خلال 2018، ما أنهى فعلياً كل أشكال المعارضة، كما لم يُسمح لأي وسيلة إعلامية مستقلة بالعمل في البلاد في 2018، مع منع البرلمان، أعضاء أحزاب المعارضة المنحلة من الترشح للانتخابات التشريعية". 

وبحسب المنظمة، فقد أظهرت السلطات البحرينية "سياسة عدم التسامح المطلق ضد الإعلام الحر والفكر السياسي المستقل والمعارضة السلمية"، فيما "لم  يستخدم حلفاء البحرين نفوذهم لتحسين سجل البحرين الحقوقي داخليا وخارجيا".

وتطرقت إلى مواصلة البحرين المشاركة في العمليات العسكرية للتحالف بقيادة السعودية في اليمن، وصفقات الأسلحة الأميركية لها.

مصر: سحق المعارضة السلمية وملاحقة الحقوقيين

ذكرت المنظمة في تقريرها أن السلطات المصرية تذرعت بقوانين مكافحة الإرهاب وقانون الطوارئ، لسحق المعارضة السلمية خلال 2018، بما في ذلك ملاحقة الصحافيين والنشطاء الحقوقيين.

قام جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية والشرطة بشكل منهجي واسع النطاق بإخفاء المحتجزين قسريا وتعذيبهم. وثّقت حملة "أوقفوا الاختفاء القسري" المستقلة 230 حالة اختفاء قسري بين أغسطس/آب 2017 وأغسطس/آب 2018.

وضعت السلطات مئات الأشخاص والجهات على قائمة الإرهاب في البلاد، وصادرت ممتلكاتهم لارتباطات مزعومة بالإرهاب، من دون محاكمات أو إجراءات مناسبة.

في أواخر يناير/كانون الثاني وفي فبراير/شباط، نفذت قوات الأمن سلسلة اعتقالات تعسفية في إطار قمع متصاعد ضد خصوم عبد الفتاح السيسي السياسيين السلميين قبيل الانتخابات الرئاسية. شملت الاعتقالات من دعوا إلى مقاطعة الانتخابات، مثل عبد المنعم أبو الفتوح المرشح الرئاسي لعام 2012 ورئيس "حزب مصر القوية". ولا يزال في الحبس الاحتياطي رغم إصابته بمرض في القلب.

ولفت التقرير إلى موجة اعتقالات في مايو/أيار شملت حازم عبد العظيم، ناشط سياسي؛ وائل عباس، ناشط حقوقي بارز؛ شادي الغزالي حرب، جراح؛ أمل فتحي، ناشطة؛ وشادي أبو زيد، كوميدي. كما شملت سلسلة اعتقالات أخرى في أغسطس/آب بحق السفير السابق معصوم مرزوق الذي دعا إلى إجراء استفتاء عام حول وجوب استقالة السيسي. في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني، اعتقلت السلطات ما يقارب 40 ناشطا حقوقيا ومتطوعا، شارك أغلبهم في "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات"، مجموعة حقوقية مستقلة. أخفت السلطات مدير التنسيقية عزت غنيم، منذ سبتمبر/أيلول.

كذلك، بيّن التقرير أن الجيش ارتكب في شمال سيناء انتهاكات صارخة لحقوق السكان، وصلت في بعض الحالات إلى العقاب الجماعي، خلال معارك القوات الحكومية ضد جماعة تدعى "ولاية سيناء" تابعة لتنظيم "داعش". بدأ الجيش بداية يناير/كانون الثاني موجة هدم منازل كانت الأشد في سيناء منذ سنوات وتسببت في هدم ما يقارب من 3,600 منزل ومبان أخرى.

اليمن: كارثة شاملة ولا مساءلة عن جرائم الحرب

وفي تقريرها عن اليمن أشارت إلى أن التحالف الذي تقوده السعودية، وجماعة الحوثيين المسلحة شاركا في صراع حوّل الأزمة الإنسانية في اليمن إلى كارثة شاملة.

وقد ارتكبت الأطراف المتحاربة عددا من انتهاكات قوانين الحرب، وزادت من تدهور الحالة الإنسانية للبلد، وفشلت في محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب.

وأضافت المنظمة في تقريرها أنه قد تكون الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا ومورّدو الأسلحة الآخرون تخاطر بالتواطؤ في الانتهاكات من خلال مبيعات الأسلحة إلى السعودية وحكومات التحالف الأخرى.

كما بين التقرير أن القوات التابعة للحكومة اليمنية، والإمارات والفصائل اليمنية التي تدعمها، مارت الاحتجاز التعسفي أو الاخفاء القسري لعشرات الأشخاص. كما احتجز الحوثيون الناس كرهائن. وقام مسؤولون يمنيون في عدن بضرب واغتصاب وتعذيب المهاجرين المحتجزين وطالبي اللجوء من القرن الأفريقي، بمن فيهم النساء والأطفال.

وأضاف أن التحالف رفض تحقيقات موثوقة في الانتهاكات، كما سعت الدول الأعضاء في التحالف إلى تجنب المسؤولية القانونية الدولية عن طريق رفض تقديم معلومات عن دور قواتها في الهجمات غير القانونية. كذلك لم تعاقب جماعة الحوثيين المسلحة قادتها المسؤولين عن جرائم الحرب. لا يزال كبار المسؤولين المتورطين في الانتهاكات في مواقع السلطة في جميع أنحاء البلاد.


إيران: اعتقالات جماعية تعسفية 

وذكر التقرير أن السلطات الإيرانية شنّت حملة اعتقالات جماعية تعسفية وارتكبت انتهاكات خطيرة لإجراءات المحاكمات الواجبة في 2018 ردا على المظاهرات التي عمّت البلاد احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية ومدركات الفساد وغياب الحريات السياسية والاجتماعية.

أحكمت السلطات قبضتها على النشاط السلمي باحتجاز المحامين والمدافعين الحقوقيين وناشطات حقوق المرأة.

ووثقت منذ 2014 اعتقال منظمة استخبارات الحرس الثوري 14 أجنبياً أو مزدوجي الجنسية، تزعم السلطات أنهم مرتبطون بمؤسسات أكاديمية واقتصادية وثقافية غربية. ولا يزالون قيد الاحتجاز بتهم غامضة منها "التعاون مع دولة معادية" ويُحرمون من الإجراءات القانونية الواجبة، ويتعرضون بشكل دائم لحملات تشهير من وسائل إعلام موالية للحكومة.

وأضافت أن السلطات لم تنشر بعد أي وثيقة أو عمل قاموا به يثير احتمال ارتكابهم أي جريمة.

ليبيا: انتهاكات ومدنيون تحت التهديد

قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها إن الجماعات المسلحة والعنيفة التي لا تخضع للمساءلة تُحكم سيطرتها على ليبيا، بينما يدفع المدنيون ثمن الانقسام في البلاد. وطالبت السلطات الليبية بإعطاء الأولوية لإصلاح قطاع العدل وإرساء المساءلة، لا سيما لأعضاء الجماعات المسلحة.

وقالت حنان صلاح، باحثة أولى مختصة في ليبيا لدى المنظمة: "تقوم المليشيات بترويع الليبيين والمهاجرين على حد سواء، في حين لا تجرؤ أي سلطة على مواجهتهم ومحاسبتهم. وإلى أن يتغيّر هذا الوضع، سيبقى احتمال إجراء انتخابات حرة ونزيهة ضعيفا".

موريتانيا: سجن حقوقيين ومدونين ومعارضين

وعن موريتانيا، بيّن التقرير أن السلطات استخدمت سلسلة من القوانين القاسية والفضفاضة حول الإرهاب والجرائم الإلكترونية والزندقة والتشهير الجنائي، لمقاضاة مدافعين حقوقيين ونشطاء ومدونين ومعارضين سياسيين وسجنهم خلال 2018.

اتهمت محكمة جنائية في آخر قضية من هذا النوع في سبتمبر/أيلول الناشط عبد الله سالم ولد يالي بالتحريض على العنف والكراهية العنصرية لنشره آراء على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد التمييز العنصري في البلاد. يعتبر ولد يالي رهن الاحتجاز السابق للاتهام منذ القبض عليه في يناير/كانون الثاني.

واضاف التقرير أن "السلطات رفضت الاعتراف بعدة جمعيات من ضمنها "لا تلمس جنسيتي" التي تركز على التمييز المؤسساتي ضد الموريتانيين السود في العملية الوطنية لتسجيل الحالة المدنية للسكان في البلاد. يُسمح بهذا الرفض بموجب قانون الجمعيات لعام 1964، الذي يقضي بأن تحصل الجمعيات على تصريح بالعمل بشكل قانوني. كما يمنح القانون وزارة الداخلية سلطة رفض منح هذا التصريح لأسباب غامضة مثل القيام بـ "دعاية معادية للوطن" أو ممارسة "تأثير مفزع على نفوس المواطنين".


(العربي الجديد)

 

تعليق: