تعثر بايدن المُبكر والصراع المفتوح على هوية الحزب الديمقراطي

تعثر بايدن المُبكر والصراع المفتوح على هوية الحزب الديمقراطي

06 يوليو 2019
الصورة
بايدن يعبّر عن ماضي الحزب لا مستقبله (سكوت أولسون/Getty)
+ الخط -

الحزب الديمقراطي بدأ معركة يبدو أنها ستكون طويلة وقاسية قبل تحديد الشخصية التي ستقود الليبراليين في مواجهة الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. التعثر السريع والمفاجئ لنائب الرئيس السابق جو بايدن جعل السباق الرئاسي عند الديمقراطيين مفتوحاً على كل الاحتمالات في ظل جنوح الحزب المستمر نحو اليسار، وصعود جيل قيادي جديد يريد استلام المشعل عنوة من الحرس القديم. يمر الديمقراطيون بمرحلة ضبابية من دون قيادة ترسم ملامح مرحلة التصدي لترامب ومحاولاته نقض كل إرث الرئيس السابق باراك أوباما ومجمل إنجازات الليبراليين.

في هذه الانتخابات التمهيدية كسر الناخب الديمقراطي الثنائية التي فرضها الحرس القديم، أي بايدن (77 سنة) مع السيناتور اليساري بيرني ساندرز (78 سنة)، على الأيام الأولى من سباق الديمقراطيين، وذلك بعد أول جولة من المناظرات الرئاسية التي كانت مزدحمة بـ 20 مرشحاً. وكان الأداء الأكثر إقناعاً لمرشحتين رئاسيتين من مجلس الشيوخ، إليزابيث وارن وكامالا هاريس. هذا التطور يعزز فرضية ميل الديمقراطيين لترشيح امرأة للانتخابات الرئاسية في ظل حركة "أنا أيضاً" والعدد غير المسبوق من المرشحات في انتخابات الكونغرس الأخيرة، وباعتبار أن 56 في المائة من الأميركيات مع الحزب الديمقراطي مقابل 37 بالمائة مع الحزب الجمهوري، بحسب مركز "بيو" للأبحاث.

اللافت أن إليزابيث وارن هي في تحالف ضمني مع ساندرز وتسعى لوراثة التيار اليساري منه، فيما هاريس (55 سنة) تحاول إبعاد بايدن، لوراثة تيار اليسار الوسطي من أوباما. أهمية إليزابيث وارن أنها تأخذ أصواتا من قاعدة ساندرز ومن قاعدة وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، لكن أداءها قد لا يكفي لتتصدر السباق وتحسمه. هاريس تستخدم ورقة مسيرتها المهنية كمدعية عامة سابقة في كاليفورنيا لتقول إنها الوحيدة القادرة على محاكمة ترامب في المناظرات في حال واجهته في الانتخابات العامة.

هناك فوضى رقمية في استطلاعات الرأي تعكس مزاج الديمقراطيين بأن لا شيء محسوما بعد، وترشيح بايدن ليس أمراً مفروغاً منه، والديمقراطيون لا يزالون في المرحلة الأولى من تكوين انطباعاتهم عن المرشحين الذين سيمثلونهم في الانتخابات الرئاسية، وبالتالي هناك حتى الآن أربعة مرشحين جديين لا اثنان فقط. معدل هذه الاستطلاعات يعطي بايدن الصدارة بـ 27.2 في المائة، يليه ساندرز بـ 14.8 في المائة، وهاريس بـ14.7 في المائة، ووارن بـ13.5 في المائة. ساندرز، الذي نجح في العام 2016 في نقل خطاب الحزب الديمقراطي أكثر إلى اليسار، أصبحت هذا العام معظم أفكار منافسيه مشابهة لأفكاره، وبالتالي خسر بعضاً من قدرته على استقطاب المؤيدين. أما بايدن فصدارته للسباق تبدو هشة، لا سيما أنه يرتكب الهفوة تلو الأخرى. رفضه الإقرار بخطأ دعمه لمشروع قانون في الكونغرس خلال سبعينيات القرن الماضي يمنع وزارة التربية الفيدرالية من التدخل ضد ولايات تفرض الفصل العنصري على الباصات المدرسية جعل من قضية قديمة أزمة انتخابية استغلتها هاريس خلال المناظرة الأخيرة. فالضربات التي توقعها بايدن من ساندرز أتت من هاريس المقربة من أوباما، والتي طرح اسمها لتكون من الأسماء المحتملة لمنصب نائب الرئيس في حال فاز بايدن بالانتخابات التمهيدية. لكن رسالتها خلال المناظرة أنها تطمح لتكون على رأس لائحة الحزب الديمقراطي في الانتخابات.



بايدن و"النظام" في واشنطن

يختصر بايدن كل ما يرمز إليه النظام السياسي في واشنطن، حيث بدأت مسيرته منذ خمسة عقود. قد يكون من آخر المرشحين المدافعين عن فعالية هذا النظام الذي يتعرض لانتقادات لاذعة من اليسار واليمين، لا سيما من دونالد ترامب نفسه. وصل بايدن إلى واشنطن في العام 1972 حين كان الحزب الديمقراطي يستمد قوته من جنوب الولايات المتحدة، حيث كانت العنصرية متجذرة، وحاول بالتالي إيجاد مكان له عبر التقارب مع زملاء أكبر منه لديهم نفوذ، وهو بالتالي يدفع اليوم ثمن مواقفه في تلك المرحلة بعد بروز حزب ديمقراطي جديد يعتقد بالأفكار التقدمية المؤيدة لكل أشكال الحقوق المتساوية. بايدن يعبّر عن ماضي الحزب لا عن مستقبله، ويتأخر في التعامل مع الأزمات الانتخابية التي تواجهه في عالم وسائل التواصل الاجتماعي السريع. حتى إن لنائب الرئيس السابق مفهوما أو معيارا مختلفا للأفكار اليسارية والليبرالية عن جيل الشباب في الحزب وحركة "أنا أيضاً" وحقوق المثليين وغيرها من القضايا التي تحرك مزاج الليبراليين في السباق الرئاسي. بايدن حصل على 13 في المائة فقط من أصوات الشباب الذين هم أقل من سن 45 في استطلاع "سي أن أن" الأخير.

هذا الدفاع لبايدن عن النظام، والتسويات فيه بين الديمقراطيين والجمهوريين يشبه أسلوب رئيسة المجلس نانسي بيلوسي التي تواجه أصواتاً متزايدة من أعضاء مجلس النواب من التيار اليساري الذين يدعون إلى عزل ترامب، لا سيما الجيل الجديد مثل ألكسندريا أوكاسيو كورتيز. أما على الضفة المحافظة، فإن ترامب يخوض معركة ممنهجة ضد النظام، عبر تقليص الموازنة العامة لبرامج فيدرالية كان هناك إجماع عليها، وعبر إقصاء الأصوات الجمهورية المعتدلة من مجلس الشيوخ، وعبر إقرار إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية بطريقة تعزز المواقف المتشددة في الكونغرس. هذا المسار تعزز بعدما رفضت المحكمة العليا، الأسبوع الماضي، التدخل في وقف هذا الترسيم للحدود الانتخابية لغايات سياسية. بايدن مناقض لصورة هذا الوجه اليساري الصاعد في الحزب الديمقراطي، فهو صوّت لغزو العراق في العام 2003 قبل أن ينظم عملية انسحاب الجيش الأميركي في العام 2008. وهو صوت لصالح اتفاقيات التجارة الحرة التي تم إقرارها حين كان الاقتصاد العالمي يمر بفترة رفاهية في التسعينيات، والآن تتعرض لانتقادات لأسباب مختلفة من المحافظين والليبراليين.

تحدي نائب الرئيس السابق أنه كان سابقاً في ظل أوباما، لكنه خرج إلى الضوء الآن خلال حملته الرئاسية، وبالتالي يعود كل هذا الماضي الطويل لمطاردته، وهو المعروف بشخصيته العفوية وغير المنضبطة. واللافت أن المعايير الصارمة التي يخضع لها مرشح مثل بايدن لا تُفرض على ترامب الذي يُتهم بالتحرش الجنسي والعنصرية وسلاحه اليومي في تغريداته قد تكفي لتقويض أي مرشح رئاسي آخر. يسعى فريق بايدن جاهداً لوقف هذا المسار الانحداري لحملته الرئاسية ومحاولة مقاومة الصورة التي تتبلور عنه فلدى الرأي العام الديمقراطي. وخرجت أصوات في الأيام الماضية تدافع عن سجل بايدن في حركة الحقوق المدنية في محاولة لإعادة التوازن إلى حملته. لكن الصوت الذي يحتاج بايدن إليه أكثر من أي صوت آخر هو أوباما الذي يفضل الصمت والحفاظ على مسافته من كل المرشحين وعن صورته في الحزب الديمقراطي.

الفائز أو الفائزة في السباق بين الديمقراطيين سيخوض الانتخابات برضوض كثيرة. وقد يكون ترامب، الممسك بحزبه عنوة، الأكثر استفادة من تخبط الليبراليين وبحثهم عن مشروع ما بعد باراك أوباما. حجج بايدن حتى الآن تتلخص بأنه وحده لديه تجربة الحكم لمقارعة ترامب، كما لديه القدرة على منافسة الرئيس الحالي في الولايات المحورية في وسط أميركا، حيث يتمتع بقوة انتخابية بين العمال، لكن يبدو أن الديمقراطيين يفكرون بوجه جديد يطوي صفحة الماضي. وأمام بايدن أشهر قليلة لإثبات مشروعية ترشيحه قبل أن تتقلص صدارته، ويدخل الديمقراطيون في معركة داخلية مصيرية حول هوية الحزب ومستقبله.

المساهمون