تصاعد حدة السجال الروسي الأميركي حول شرق الفرات

تصاعد حدة السجال الروسي الأميركي حول شرق الفرات

07 ديسمبر 2018
الصورة
تسيطر "الوحدات" الكردية على معظم شرق الفرات(دليل سليمان/فرانس برس)
+ الخط -

تلاحقت أخيراً تصريحات المسؤولين الروس، التي تحذر أميركا من اللعب بالورقة الكردية في سورية، وانتقاد السلوك الأميركي في المنطقة التي باتت تُعرف بشرق الفرات، وصلت إلى حد اتهام واشنطن بمحاولة إنشاء كيان كردي مستقل في سورية، وهو أمر سيؤدي إلى تقسيم البلاد. لكن أميركا تؤكد، في المقابل، أن وجودها في سورية مؤقت، ويهدف إلى دحر تنظيم "داعش"، وأنها متمسكة بوحدة الأراضي السورية ضمن حدودها الحالية.

واتهم رئيس هيئة الأركان الروسية، الجنرال فاليري غيراسيموف، الأربعاء الماضي، الولايات المتحدة بمحاولة إنشاء كيان كردي مستقل شمال سورية. واعتبر أن "الوضع شرق الفرات يتأزم"، مضيفاً: "تحاول الولايات المتحدة المراهنة على الأكراد السوريين لإنشاء كيان شبيه بدولة مستقلة عن دمشق شمال البلاد، ويقومون بتشكيل حكومة ما يسمى بفدرالية شمال سورية الديمقراطية". وقال المسؤول الروسي، للملحقين العسكريين الأجانب في بلاده، إن "الأميركيين، عبر دعم التوجهات الانفصالية للأكراد بالآليات العسكرية، يسمحون لهم بمضايقة القبائل العربية".

وجاء تصريح غيراسيموف بعد أيام من تصريحات مماثلة لوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي انتقد تصرفات واشنطن في شرق الفرات السوري، معتبراً أن هذه التصرفات تمثل انتهاكاً سافراً لمبدأ وحدة الأراضي السورية. وقال لافروف، في مقابلة تلفزيونية، إن "ما يحدث على الضفة الشرقية لنهر الفرات غير مقبول"، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة "تحاول أن تنشئ هناك مؤسسات حكومية بديلة، وتخصص مئات الملايين من الدولارات لإعادة إعمار هذه المناطق، لكنها في الوقت ذاته ترفض إعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية". وأشار إلى أن أحد عناصر السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة في سورية هو "اللعب بالورقة الكردية"، معتبراً ذلك "لعبة خطيرة جداً، نظراً لحساسية المسألة الكردية بالنسبة إلى عدد من دول المنطقة؛ أي ليس بالنسبة إلى سورية فقط، بل وبالنسبة إلى العراق، وإيران، وتركيا بطبيعة الحال".

وتدعم أميركا "وحدات حماية الشعب" الكردية، التي تسيطر اليوم، تحت مظلة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، على معظم منطقة شرق الفرات التي تعَدّ "سورية المفيدة" بثرواتها المائية والزراعية والنفطية، وتشكل أكثر من ربع مساحة سورية، إذ تسيطر على معظم أنحاء محافظة الرقة، وجزء كبير من ريف دير الزور شمال نهر الفرات، إلى جانب سيطرتها على معظم أنحاء محافظة الحسكة، أقصى الشمال الشرقي لسورية، باستثناء مربعين أمنيين للنظام في مدينتي القامشلي والحسكة، وأجزاء من ريف المحافظة. كما تسيطر على أجزاء واسعة من ريف حلب الشمالي الشرقي، شرق نهر الفرات، وسلسلة قرى جنوب نهر الفرات تمتد من مدينة الطبقة غرباً وحتى مدينة الرقة شرقاً، على مسافة أكثر من 60 كيلومتراً، كما لا تزال موجودة في مدينة منبج شرق حلب وأجزاء واسعة من ريفها غرب نهر الفرات.



وتُعد "وحدات حماية الشعب" الكردية، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي أقام منذ سنوات مع أحزاب سورية كردية أقل شأناً وتأثيراً ما يسمى بـ"الإدارة الذاتية" في المناطق التي يسيطر عليها في محاولة واضحة لتكون نواة إقليم ذي صبغة كردية في شمال وشمال شرق سورية. ولم تعد خافية محاولات "الوحدات" الكردية تأسيس إقليم ذي صبغة كردية في سورية اعتماداً على دعم غربي صريح، وعلى قوة عسكرية ضاربة اكتسبتها خلال سنوات الحرب السورية، مستفيدة من حاجة واشنطن إليها، لتصبح القوة العسكرية الثانية في سورية بعد قوات النظام، مع امتلاكها عشرات آلاف المقاتلين من عرب وأكراد وتركمان. كما استغل هذا الحزب الدعم الأميركي الكبير في محاولة خلق وقائع على الأرض لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مقبلة، محاولاً تعميم ثقافة زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، حتى داخل مناطق ذات غالبية خالصة من السكان العرب، خصوصاً محافظة الرقة التي يندر وجود الأكراد فيها.

لكن "الأحلام" الكردية تصطدم بالكثير من المعوقات الكبرى التي لن تسمح بإقامة إقليم كردي في سورية، لعل أبرزها تصاعد القلق التركي من المحاولات الكردية، مع سعي حثيث من النظام للعودة إلى شرق الفرات، فمن دونها لا اقتصاد حقيقياً في سورية. ويعتبر الجيش التركي إقامة إقليم كردي في سورية مساساً مباشراً بالأمن القومي التركي وخطاً أحمر لن يسمح بتجاوزه مهما كانت النتائج، وهو يتوعد "الوحدات" الكردية باجتثاثها من منطقة شرق الفرات، كما فعل في غربه من خلال عمليتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون". وليس من المتوقع أن تضحّي واشنطن بعلاقة استراتيجية مع أنقرة من أجل إنشاء إقليم كردي في سورية غير مقبول إقليمياً ودولياً، وربما يفتح باب تقسيم بلدان الشرق الأوسط برمته.

وقالت مصادر مطلعة، لـ"العربي الجديد"، إن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تضع خططاً لإبعاد قادة الصفين الأول والثاني في "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) في محافظة الرقة لإفساح المجال أمام قادة سوريين عرب لتبديد مخاوف أهالي المحافظة من الهيمنة الكردية، وهو ما يفتح الباب أمام استقرار الأوضاع في الرقة. وتدرك واشنطن استحالة إنشاء إقليم كردي في سورية بالشكل الذي تطمح إليه "الوحدات" الكردية. لكن، في المقابل، يبدو أن عودة منطقة شرق الفرات إلى ما كانت عليه قبل العام 2011 مستبعدة كلياً. وأكد عضو المكتب السياسي في "مجلس سورية الديمقراطية"، الذي يعد الذراع السياسية لـ"قسد"، بسام إسحق، في حديث، مع "العربي الجديد"، أن المسؤولين في الإدارة الأميركية "صرحوا في عدد من المناسبات بأن الوجود العسكري الأميركي في سورية ليس دائماً وبأنهم مع وحدة الأرض السورية. هذا الكلام نسمعه منهم على الدوام". وأعرب إسحق عن قناعته بأن تصريح المسؤول الروسي "يأتي رداً على تصريح (المبعوث الأميركي إلى سورية) جيمس جيفري بأن الولايات المتحدة قد تطبق سيناريو في شمال سورية مشابهاً للحظر الجوي الذي فرضته في شمال العراق". وأضاف: "لكنّ حظراً جوياً أميركياً في شمال سورية لا يعني إقامة إقليم كردي في سورية كما حصل في العراق؛ فالوضع الجيوسياسي في شمال سورية مختلف عن شمال العراق، والمشروع السياسي أيضاً مختلف، ويسعى لسورية غير مركزية لا تقوم على الهوية القومية الواحدة، ولا على الهوية الدينية. أميركا تضغط لحل سياسي يقوض النفوذ الإقليمي، سواء التركي أو الإيراني".

وكان جيفري أعلن منذ أيام أن "الهدف الوحيد لوجود القوات الأميركية في سورية هو دحر تنظيم داعش، وانسحاب القوات الإيرانية من جميع أنحاء سورية، وتنفيذ عملية سياسية لا عودة عنها"، رافضاً الاتهامات الموجهة إلى الولايات المتحدة من قبل روسيا بالسعي لتقسيم سورية. وقال إن "واشنطن متمسكة بوحدة الأراضي السورية ضمن حدودها الحالية". وكانت أُجرِيت جلسات مفاوضات بين "قسد" والنظام السوري في دمشق لتسوية وضع منطقة شرق الفرات، لكنها فشلت بسبب إصرار النظام على العودة إلى المنطقة عسكرياً وأمنياً، وإلغاء كل ما قامت به "قسد" في المنطقة، وهو ما لقي رفضاً من وفد "سورية الديمقراطية". وتخلت هذه القوات عن مبدأ الفيدرالية التي أعلنت عنه سابقاً، لكنها تبحث عن "لا مركزية" يرفضها النظام، كما أن المعارضة تتهم "قوات سورية الديمقراطية" وجناحها السياسي بالسعي لتجزئة البلاد.

المساهمون