تردّي أداء البنوك العمومية الجزائرية

29 أكتوبر 2018
تتعرَّض البنوك العمومية في الجزائر إلى انتقادات كبيرة (Getty)
+ الخط -
ما زالت الإصلاحات المصرفية في الجزائر تتأرجح بين المماطلة والتسويف، ومعها تستمرّ مهازل تخلُّف البنوك العمومية، وكل هذا يساهم في تشويه المشهد المصرفي، فقد خضعت هذه البنوك للعديد من القرارات الحكومية المُعاكِسة لتيَّار التطوُّر والتحديث لفترة طويلة، وظلَّت رهينة القواعد غير المكتوبة التي رسمها صنّاع القرار.

ووقوف الحكومة في وجه توسيع خصخصة المصارف هو السبب وراء الرداءة التي آلت إليها البنوك العمومية في الجزائر، وذلك التعسير الحكومي لم يكن إلاّ بغرض التضييق على حرية المنافسة. وتكمن المفارقة الكبيرة في الاستمرار، بغضّ النظر عن الإصلاح المصرفي الذي يُعدّ بحدّ ذاته حجر الأساس لعملية التنويع الاقتصادي التي لم ينفكّ أصحاب القرار عن التبجُّح بتنفيذها، لا سيَّما منذ بداية انهيار أسعار النفط.

وفي الوقت الذي تُقدِّم فيه البنوك العمومية في المغرب وتونس أفضل الخدمات لعملائها وتحرص على تعزيز أواصر الثقة معهم، تستمرّ نظيرتها الجزائرية في تنفير عملائها وتحطيم الفرص الاستثمارية وإفشال المشاريع الشبابية الطموحة، فبالرغم من تعاقب عدّة وزراء على وزارة المالية لا تزال هذه البنوك مظهراً بارزاً من مظاهر تذيُّل النظام المصرفي الجزائري ترتيب دول شمال أفريقيا، وسنصاب بذهول وإحباط كبيرين إن وسَّعنا دائرة المقارنة.

مُعاناة العملاء

تستمرّ البنوك العمومية في تنفير عملائها من خلال وضعهم أمام واقع مرير بالقوانين والإجراءات البيروقراطية المُعقَّدة التي لا تشجِّع المواطنين إطلاقاً على التعامل مع تلك البنوك، وكل ما يحتاجه العميل هو سرعة الأداء والثقة اللذان تفتقدهما هذه البنوك، والتي تعدّ بدورها آخر الدول المغاربية من حيث التغطية البنكية، حيث يوجد في بنوك الجزائر شبّاك واحد لكل 25 ألف نسمة، أما في المغرب فيوجد شبّاك لكل 9500 نسمة، وفي تونس يوجد شبّاك لكل 9 آلاف نسمة.

كما تتخلَّف المنظومة البنكية الجزائرية كثيراً عن نظيراتها العربية من حيث معدلات تغطية الشبابيك الآلية. وتجدر الإشارة إلى وجود 20 ﺒﻨكا ﺘﺠﺎﺭيا في الجزائر، ﻤﻨﻬﺎ 6 بنوك عمومية وبنك مختلط و13 بنكا خاصا أجنبيا. علماً أنّ البنوك العمومية تسيطر على 99% من الشبكة المصرفية، وكل ذلك يُؤكِّد أنّ الجزائر لم تعرف، حتى الساعة، طريقاً للوصول إلى المقاييس والمعايير البنكية الدولية.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما تتعلَّق المعاملات باستلام أو إرسال الأموال بالعملة الصعبة من وإلى خارج الجزائر، حيث يتعذَّر، وأحياناً يستحيل، إرسال أموال بالعملة الصعبة من البنوك العمومية الجزائرية إلى بنوك أخرى في الخارج، كما يضطرّ العميل عند استلام أمواله بالعملة الصعبة من الخارج عبر تلك البنوك إلى انتظار مدّة طويلة جدّاً حتى يعتقد أنّ تلك الأموال ربّما تتَّخِذ الطريق البرّيّ للوصول.

والمفاجأة أنّه بعد انتظاره الطويل سيصطدم بواقع قبول استلام أمواله بالدينار الجزائري. وهكذا تُنصِّب تلك البنوك العمومية نفسها حكماً لتقرير أحقِّيَّة العميل باستلام أمواله من الخارج بالعملة الصعبة أم بالدينار الجزائري، وكل ذلك تحجُّجًا بوجود قانون يفرض على العميل قبول استلام أمواله المرسلة له من الخارج بالدينار في حالات معينة، رغم أنّ البنك المركزي الجزائري يستلم أموال العميل بالعملة الصعبة.

من المفروض أنّ البنوك العمومية تلعب دور الوسيط في تسليم الأموال فقط، ولا تتدخَّل في المساس بأموال العميل وإعطائها له بالعملة المحلية، والمغلوب على أمره فقط من يقبل بهذا الابتزاز والتلاعُب. ولا يخفى على أحد أنّ الدينار له سعرَيْ صرف واحد رسمي وآخر غير رسمي مرتفع عن الأوّل وتحكمه قوى السوق الموازية.

ويتّضح التناقض عندما نجد أنّ هناك قانونا يمنع على العميل استلام أمواله بالعملة الصعبة، وسوقا موازيا للعملات الصعبة يعمل بنشاط في وضح النهار وأمام أعين الحكومة، وبالتالي يمكن للمرء أن يستنتج من تقييد حصول المواطنين على العملة الصعبة بشكل قانوني أنّ البنوك العمومية تشارك أيضا في السماح بنشاط السوق غير الرسمي للعملات الصعبة.

هذا إضافة إلى المحسوبية والبيروقراطية التي يعاني منها العميل إن أراد الحصول على منحة السفر والمُقدَّرة بـ100 يورو مرّة واحدة فقط في السنة، والتي لا تسدّ تكاليف يوم واحد في أوروبا مثلا، في الوقت الذي تُقدَّر فيه منحة السفر في تونس بـ3000 يورو والمغرب 3500 يورو، ولو يرى أيّ أجنبي هذه المعطيات سيعتقد أنّ الجزائر من أفقر الدول في أفريقيا بينما الواقع عكس ذلك تماماً.

مُعاناة الاقتصاد

تُشكِّل البنوك العمومية، بتخلُّفها وبيروقراطيتها، عقبة كبيرة أمام تقدُّم الاقتصاد الجزائري، وتبقى الخدمات المصرفية الإلكترونية وتقنيات الدفع الحديثة الأخرى مُجرَّد حبر يُزيِّن المطويات الإشهارية Brochures الخاصّة بتلك البنوك التي لا تبدو على الإطلاق أنّها في عجلة من أمرها للحاق بركب الثورة الرقمية والتكنولوجيا.

كما يؤدي غياب كل من الشفافية، والثقافة الإدارية، والتحفيزات المالية في تلك البنوك، إلى هروب المستثمرين المحليين وتنفير المستثمرين الأجانب.
وتتعرَّض البنوك العمومية في الجزائر إلى انتقادات كبيرة، بسبب عدم مرافقتها للمستثمرين بما فيه الكفاية في مشاريعهم لإنتاج السلع والخدمات وخلق الثروة وفرص العمل. ولا يتردَّد المستثمرون في إلقاء اللوم على تلك البنوك بسبب عدم مخاطرتها واتِّخاذها للكثير من الضمانات عند منح القروض، فضلا عن شحّ الإقراض والتسهيلات الائتمانية.

هناك افتقار واضح إلى إرادة سياسية قويّة لانتشال البنوك العمومية من الوضعية المزرية التي تنعكس سلباً على العملاء والمستثمرين، فقد تحوَّلت تلك البنوك، وبفضل ولائها للأنظمة التقليدية، إلى مُجرَّد صناديق لاكتناز أموال العملاء، كما أنّها تفتقر تماماً إلى الأساليب الحديثة في استقطاب المستثمرين وأصحاب المشاريع الذين يخدمون الاقتصاد الوطني ويساهمون في تحسين نموّه.

وأكبر دليل على رداءة تلك البنوك غيابها شبه التامّ في الخارج، لأنّه ببساطة لا توجد دولة تقبل بشروط تلك البنوك وبيروقراطيتها وطريقة عملها التي أكل عليه الدهر وشرب ولا تمتّ للحداثة بصلة، ففي دول الجوار مثلا تقود البنوك المملوكة للدولة قاطرة النمو وتأخذ بيد صغار المستثمرين وكبارهم وتُمهِّد لهم طريق الازدهار، على عكس نظيراتها الجزائرية التي لم تستطع إلى يومنا هذا إدراك أهميّة الاستثمار ﺑﺷﻘﻳﻪ المحلي والأجنبي في دفع عجلة الاقتصاد الجزائري.

ضرورة الإصلاح

أصبح تحديث البنوك العمومية ضرورة حتميّة لمحو الصورة السيئة عن مناخ الأعمال في الجزائر، وزرع الثقة في نفوس المواطنين وحثّهم على التعامل مع تلك البنوك التي يتطلَّب إصلاحها:
• السَّماح بدخول بنوك أجنبية جديدة حتى تشتدّ المنافسة وتجد البنوك العمومية نفسها مجبرة على تطوير وتحسين أدائها.
• على البنوك العمومية الالتزام بالفعالية والشفافية والسرعة في الأداء لتلبية حاجيات العملاء والاقتصاد والخروج من الإطار التقليدي الذي فرضته عليها الأوامر الحكومية.
• الشروع في تحديث البنوك العمومية جنباً إلى جنب مع إصلاح أساليب الإدارة وتطوير الهندسة المالية وتحسين عملية تمويل المشاريع الاستثمارية، حتى تصبح تلك البنوك أداة فعَّالة في خدمة الاقتصاد الوطني.