عبد المجيد تبون... أول رئيس جزائري غير ثوري يحمل شهادة جامعية

19 ديسمبر 2019
الصورة
فاز تبون بالانتخابات من الدور الأول (فاروق باتيش/الأناضول)
بأدائه اليمين الدستورية اليوم الخميس، يكون عبد المجيد تبون سادس رئيس منتخب في تاريخ الجزائر، بعد كل من الرؤساء الراحلين، أحمد بن بلة، وهواري بومدين، والشاذلي بن جديد، وليامين زروال، وعبد العزيز بوتفليقة، وعاشر رئيس باحتساب الرؤساء المؤقتين الذين أداروا الدولة في ظروف استثنائية (رابح بيطاط، محمد بوصياف، علي كافي، عبد القادر بن صالح).

لكنّ الرئيس الجديد الذي فاز في الانتخابات التي جرت الخميس الماضي 12 ديسمبر/كانون الأول، من الدور الأول، يُعدّ أول رئيس للجمهورية في الجزائر من جيل الاستقلال الذي فتح عينه على الحياة السياسية والنضالية بعد نيل الجزائر حريتها عام 1962، وأول رئيس من جيل لا تسنده الشرعية الثورية (المشاركة في ثورة التحرير)، كما كان الحال مع كل رؤساء الجزائر السابقين، ويُعتبر على هذا الأساس الناقل المركزي للسلطة من جيل الثورة إلى جيل الاستقلال، بعد عقود من الشعارات التي كانت ترفعها السلطة بنقل المشعل لجيل ما بعد الثوريين.


غير ذلك، سيكون عبد المجيد تبون أيضاً أول رئيس للجمهورية في الجزائر، يحوز على شهادة دراسات عليا ومتخرج من الجامعة، بخلاف مجموع الرؤساء السابقين للبلاد، وهو مؤشر يفتح الباب واسعاً أمام إمكانية تحول جذري في طريقة إدارة الدولة والشؤون العامة، والملفات السياسية والسيادية وتحسين التدبير في الشأن العام، وانتهاج التخطيط العلمي استناداً إلى الرصيد العلمي والمعرفي والمسؤوليات السياسية السابقة.

وما عدا ملف الخارجية والدبلوماسية، شغل عبد المجيد تبون مجمل مستويات المسؤولية والمناصب، ما يتيح له دراية مهمة بمجمل القطاعات والمشاكل والحكم، حيث بدأ المسار الإداري له في السلطة والإدارة كموظف سياسي، بدأ في مرحلة ما قبل وصول بوتفليقة إلى سدة الرئاسة عام 1999، وبعد تخرّجه من المدرسة العليا للإدارة، عمل رئيس دائرة ثم والياً في منطقة أدرار جنوبي الجزائر وفي عدد من الولايات، وتمّ بعدها انتدابه من قبل الرئيس السابق ليامين زروال كمساعد لوزير الداخلية مكلف بالبلديات، ليرتقي بعدها إلى مصاف الوزراء، فكان وزيراً للإعلام والتجارة والسكن، قبل أن يُعيَّن رئيساً للحكومة ما قبل الأخيرة للرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، بعدما قضى 17 سنة في الحكومات المتعاقبة.

وتُعدّ الحكومة التي أدارها تبون الأقصر في التاريخ السياسي للجزائر، حيث لم يستمرّ في منصبه سوى 81 يوماً، بين 15 مايو/أيار 2017 و15 أغسطس/آب من نفس العام، إذ تمت الاطاحة به وإقالته من قبل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ومحيطه، على خلفية صراع حاد بدأ منذ إطلاقه حملة ضد تغلغل رجال المال والأعمال في الوسط السياسي، وإنهاء تأثيرهم المباشر على القرارات الاقتصادية خاصة، ما دفع رجالات الكارتل المالي الذي كان يقوده رئيس منتدى المؤسسات حينها، علي حداد، المسجون حالياً بتهم فساد، إلى شنّ حملة إعلامية كبيرة ضده.


ولم تمنعه المسافة القصيرة التي تربطه بنظام بوتفليقة من الترشح للرئاسة، على الرغم من الحالة الثورية التي تشهدها الجزائر ضد كل ما يرمز للنظام السابق ولنظام بوتفليقة. دخل تبون الانتخابات الرئاسية بشكل مستقل، وعلى الرغم من تعرضه خلال الانتخابات الأخيرة إلى حملة إعلامية وسياسية، إلا أن "المظلومية السياسية" التي لحقت به بعد الإطاحة به من رئاسة الحكومة في أغسطس/آب 2017، وكشفه عن تعرّضه هو وأفراد من عائلته للمضايقات، ومحاولة تلفيق ملفات فساد أو قضايا يمكن إدانته وتهديده بها إلى درجة سجن ابنه، والانتقام منه عبر نزع صورته كرئيس حكومة سابق من الجدار الذي يضمّ صور رؤساء الحكومات السابقين منذ الاستقلال، وحربه مع الكارتل المالي من جهة ثانية؛ كلّها أمور خدمت صورته السياسية، وساعدته في الوصول إلى كرسي الرئاسة.
يُحسب تبون على التيار الوطني المحافظ، وينتمي إلى عائلة محافظة تنحدر من منطقة البيض، إلى الجنوب الغربي من الجزائر، وهي منطقة تعرف بالزوايا والطرق الصوفية، ووفر ذلك ذخيرة هامة له في الخطاب السياسي واستعمال لغة شعبية، وفي حملته الانتخابية ومساره السياسي الذي انطبع أيضاً بتعلقه بالقيم الدينية للشعب الجزائري واحترامه لقيم الإسلام، وكان أكبر المدافعين عن بناء مسجد الجزائر الأعظم، على أنقاض دير قديم كان زمن الاستعمار الفرنسي مكان إقامة الآباء البيض من القساوسة الفرنسيين.

وتبنى الرئيس الجديد عبد المجيد تبون خطاباً حاداً ضد فرنسا، يتعلّق بملف التاريخ والذاكرة الدامية لفرنسا الاستعمارية في الجزائر، ومعارضته لتمدّد اللوبيات المالية والسياسية الموالية لها، والتعرض لمصالحها المالية والاقتصادية .
تعليق: