تبرئة قاتل "الشاب الأسود" تشعل غضب أميركا

واشنطن
منير الماوري
26 نوفمبر 2014

لم يتمكّن الرئيس الأميركي باراك أوباما من النوم، مساء الإثنين الماضي، بعد أن كان على دراية بمضمون قرار قضائي، اتُخذ في ولاية ميزوري، وسط البلاد، صباح اليوم ذاته، وتقرر تأجيل إعلانه حتى حلول المساء، لأنّ الغضب العارم من مضمون القرار القضائي كان متوقّعاً، بعد تبرئته شرطياً من تبعات قتله بست رصاصات لشاب أسود أعزل، يدعى مايكل براون (18 عاماً)، في شهر أغسطس/آب الماضي. وكانت المهمة الملقاة على عاتق أوباما، أن يحاول تهدئة غضب المواطنين السود، وأن يطالبهم باحترام حكم القضاء.

ولم يفلح تأجيل الإعلان عن القرار في تجنّب اندلاع أعمال عنف في مدينة فيرغسون الأميركيّة في ولاية ميزوري، مع إحراق مبان وتعرّض شرطيين لرصاص كثيف، بعد سماعهم نبأ إسقاط الملاحقات القضائيّة بحق الشرطي دايرين ويلسون، وعمّت تظاهرات واسعة مدناً أميركيّة عدّة مندّدة "بالعنصرية".
ولم يكن الحكم الذي أصدرته هيئة المحلفين، في واقع الحال، حكماً بالبراءة، ولم يكن في الوقت ذاته، حكماً بالإدانة، إذ بدا مثيراً للجدل، بل وللغضب أيضاً. فالقرار لم يبرّئ القاتل من دم القتيل، لكنّه أعفاه من تحمّل المسؤوليّة. وأدّت خلاصة الحكم إلى إشعال غضب المواطنين السود في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وخروج السكان في مدينة فيرغسون إلى الشوارع للمرة الثانية، خلال أربعة أشهر، وسط مخاوف من أن تمتد النار هذه المرّة إلى ولايات أميركية أخرى قد تشملها الاضطرابات. ولم تقتصر التظاهرات على المدينة فحسب، مع نزول آلاف الأميركيين في مدن أميركية عدّة، من سياتل إلى نيويورك، مروراً بشيكاغو ولوس أنجلوس، إلى الشوارع منددين بالممارسات والأحكام العنصريّة.

وكانت الاضطرابات قد اندلعت في ولاية ميزوري، للمرة الأولى في شهر أغسطس/آب الماضي، عقب مقتل الشاب، ولم يُعرف حينها من القصة إلا اسم الضحية مايكل براون. وفي حالات مماثلة، غالباً ما تتكرّر بشكل أو بآخر، يمكن توقع أي شيء ما عدا أمرين اثنين: الأول أن يُقحم البيت الأبيض أو الرئيس الأميركي أو الحكومة الفدرالية أنفسهم في قضية تُعدّ من اختصاص السلطات المحليّة، والثاني استحالة أن تكشف الشرطة في أي مدينة أميركية، عن اسم المتورط من عناصرها أو تقدّمه للمساءلة.
لكنّ ما شهدته ولاية ميزوري كان مخالفاً بالمطلق لما اعتادت عليه الولايات المتحدة، في ظلّ استمرار الاضطرابات في مدينة فيرغسون لأيام عدّة، وسط توقعّات بإمكانية توسّعها وتطورها، ما أبرز الحاجة الماسة لتهدئة الناس ووقف المواجهات بين المواطنين ومصفّحات الشرطة. ولم يجد أوباما أمامه، في ذلك الحين، إلا الخروج ومناشدة السكان السود في ولاية ميزوري بالتزام الهدوء، متعهّداً بمشاركة الحكومة الفدرالية في التحقيق حول ما جرى. وأدى الإعلان عن اسم الشرطي القاتل، في خطوة استثنائيّة، على تهدئة الشارع، بعد أن اعترف بإطلاقه النار على براون وقتله، ليصدر بعدها قرار إحالته للمحاكمة، ما شكّل وسيلة ناجعة لتهدئة الغاضبين.

ولعلّ من أبرز مشكلات النظام القضائي الأميركي، أنه صارم جداً في الجنح أو الجرائم الصغرى، لكنّه متسامح إلى حدّ كبير في جرائم القتل، إذ يتيح للقاتل أن يطلب المحاكمة أمام هيئة محلفين يتمّ اختيارها من سكان المنطقة، التي وقعت فيها الجريمة، وتكون مهمة هيئة المحلفين التي تتألف عادة من اثني عشر محلفاً، أن تدين المتهم أو تبرئه. وفي حالة الإدانة، يتولّى قاض مختص تحديد العقوبة، في حين لا يترتّب على حالة عدم الإدانة، سوى الإفراج عن المتهم. والمشكلة هنا أن حصول الإدانة يفترض إجماع جميع أعضاء هيئة المحلفين عليها.

ويبدو أنّ إفادة الشرطي كانت مقنعة لهيئة المحلفين، لناحية أن إطلاقه النار على الشاب براون كان "دفاعاً عن النفس"، بعد أن تعرّض للضرب والصفع على وجهه من جانب الضحية، الذي وصفه بأنّه ضخم الجثّة ولا يقلّ عنه طولاً ووزناً، الأمر الذي اضطره إلى إطلاق النار. وادّعى بالتالي، أنه غير مسؤول عن النتيجة ولا يجب أن يُعاقب. ولم يصاحب هذه القناعة، التي توفّرت لدى هيئة المحلفين، أيّ محاولة لإقناع آلاف الغاضبين بأن هذا هو، فعلياً، ما حصل.
ولأنّ الغضب كان متوقعاً، لم يُعلن قرار هيئة المحلفين في وضح النهار، بل تمّ الانتظار حتى ساعات متأخرة من الليل، على أمل أن تنام الولايات المتحدة، قبل أن تسمع حكم المحكمة المثير للغضب. وعلى الرغم من ذلك، كان أول ميادين مانهاتن، التايم سكوير، الذي لا ينام عادة، يعجّ بالمتظاهرين تنديداً بالحكم القضائي.
ولم تجد السلطات المحليّة في فيرغسون، مع تجدّد التظاهرات وأعمال الشغب، إلا أن تعلن نيّتها وضع أكثر من ألف صفحة من وثائق المداولات في المحاكمة، في متناول العامة، مشيرة إلى أنّ قتل ويلسون لبراون كان دفاعاً عن النفس.

وكان المدعي روبرت ماكولوخ، قال للصحافيين بعد صدور الحكم، إنّه "لا شكّ في أن الشرطي ويلسون تسبب بموت براون، متحدّثاً عن وفاة مأساوية. لكن أعضاء هيئة المحلفين الـ12، تسعة من البيض وثلاثة من السود، أجروا تحقيقاً كاملاً ومعمقاً"، مشيراً إلى أنّهم خلصوا إلى أنّه لا سبب كافيا لإطلاق ملاحقات قضائيّة ضد الشرطي ويلسون". وقال إنّ "واجب هيئة المحلفين هو الفصل بين الوقائع والخيال"، مذكرا بأنهم "استمعوا إلى 60 شاهدا، وتفحّصوا مئات الصور واستمعوا إلى إفادات ثلاثة أطباء شرعيين".
من جهتها، أعلنت أسرة الضحية عن شعورها بالإحباط من قرار هيئة المحلفين، على وقع اندلاع أعمال الشغب واعتقال عشرات المتظاهرين.

وكان أوباما، تعهّد سابقاً ألا يترك السلطات المحلية تنفرد بالتحقيق في القضية، وأن يوجّه أقوى وأضخم جهاز ضبط عدلي في العالم، للاشتراك مع السلطات المحلية جنبا إلى جنب في كل خطوة من خطوات التحقيق للكشف عن حقيقة ما حدث وكيف حدث ومن يجب أن يدفع الثمن، لكنّ إصدار القرار أظهر عدم جديّة أوباما في وعوده للمواطنين السود، بعد أن تبيّن أن همّه اقتصر على تهدئة الغاضبين بأي ثمن، ثمّ إحالة الملف إلى النسيان.
ولم تأتِ وعود البيت الأبيض للسكان، إلا بعد أن فشلت مصفّحات الشرطة في وقف أعمال الشغب. ولتهدئة المجتمع المحلي المتعاطف مع الضحيّة، انتقد أوباما السلطات المحلية بحدّة، قائلا إنّه كان يتحتّم عليها التعامل بشفافيّة بشأن حادث مؤلم يُقتل فيه شاب في مقتبل العمر. واعتبر أنّه لم يكن يُفترض أن تفرط الشرطة المحليّة في استخدام القوة، ضدّ المتظاهرين سلمياً أو تعتقل أياً منهم، كونهم يمارسون حقاً قانونياً مضموناً لهم، بموجب التعديل الأول في الدستور الأميركي عن الحقوق المدنيّة.

ذات صلة

الصورة
مؤتمر ميونخ/ مايك بومبيو/ (Getty)

سياسة

أكّدت واشنطن، مساء الأربعاء، أنّ العقوبات الأممية على إيران سيُعاد فرضها بصورة تلقائية الأحد، وأنّ الإدارة الأميركية ستحرص على أن تطبّق دول العالم أجمع هذه العقوبات وتحترمها، في موقف يخالفها فيه معظم أعضاء مجلس الأمن الدولي.
الصورة

سياسة

يشهد البيت الأبيض اليوم الثلاثاء توقيع اتفاقي التطبيع بين البحرين والإمارات من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، ليُخرج العلاقات السرية بين الدولتين الخليجيتين والاحتلال إلى العلن ويطلق مساراً لا يبدو أن أحداً سيستفيد منه سوى بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب.
الصورة

أخبار

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، أنّه لم يرَ أيّ أدلّة حتّى الآن على تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني، مضيفاً في الوقت نفسه أنّه ليس لديه سبب للتشكيك في ما قالته برلين التي تؤكّد من جهتها أنّ لديها "أدلّة قاطعة" في هذه القضيّة.
الصورة

مجتمع

وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطاب مساء الخميس، بـ"سحق" وباء كوفيد-19 بواسطة لقاح أكّد أنّه سيتمّ إنتاجه بحلول نهاية العام، وستكون "مئات ملايين الجرعات منه متوافرة سريعاً".