بيسان الشريف... تجارب الحبّ الأولى في بلاد الحرب

06 ديسمبر 2019
الصورة
من يعيش قساوة الحرب لا يستطيع نسيانها (العربي الجديد)
+ الخط -
في نسخة أخرى من مشروعهما الفني التجهيزي المشترك، "دخلت مرة في جنينة"، المقام في غاليري le premier regard الباريسي، بعد عروض أخرى في بروكسل ونابولي وهولندا وبيروت، تحرص السينوغرافية والفنانة الفلسطينية السورية بيسان الشريف (1977)، برفقة الفنانة المسرحية اللبنانية كريستيل خضر، على استلهام قصص وحكايات حقيقية مقتبسة من أشخاص من الواقع العربي الجريح، داخل كل من العراق ولبنان وسورية، وغيرها من البلدان العربية التي عانت من مكر السلطة وجحيمها، عبر موضوعات تتعلق بثنائية الحب والحرب، من خلال أعمال فنية، تستمد ملامحها من الفن التجهيزي الذي يجد له موطناً داخل الخطاب الفكري للفن المعاصر، حيث تمتزج وتتداخل جملة من الوسائط التعبيرية التي تحاول كل من بيسان الشريف وكريستيل خضر التوسل بها، مثل الفيديو والتسجيل الصوتي والفضاء المفتوح وغيرها، للتعبير عن شروخ الذات وألمها تجاه الأرض والذاكرة والتاريخ.
على هامش هذا المعرض التجهيزي المقام حالياً في باريس، وعوالمه الفنية والجمالية والتخييلية، التقت "العربي الجديد" بالفنانة بيسان الشريف.

● بيسان الشريف بداية، كفنانة فلسطينية سورية متخرجة من شعبة العمارة والهندسة (دمشق)، كيف وجدت نفسك اليوم في عالم السينوغرافيا (نانت في فرنسا) والفنون التجهيزية البصرية خاصة؟
- بعد تخرجي من كلية الهندسة المعمارية في دمشق، قررت متابعة دراستي. في البداية ذهبت إلى مدينة ليون ونلت درجة الماجستير في الآثار، بعدها عدت إلى دمشق وعملت فترة في مديرية الآثار والمتاحف. وعام 2003 عدت إلى مدينة نانت في فرنسا، ودرست عامين لنيل درجة الماجستير العملي في مدرسة العمارة في قسم السينوغرافيا، فتخرجت منها عام 2006. ومنذ ذلك الوقت أعمل كسينوغراف. أما اهتمامي بالفنون التجهيزية البصرية، فقد بدأ بعد انتقالي نهائياً من سورية إلى باريس في نهاية عام 2012.

● من خلال تجهيز سمعي وبصري عنوانه "حكايات الحب في بلاد ساخنة"، وهو جزء من مشروع "دخلت مرة في الجنينة"؛ العمل التركيبي المشترك مع الفنانة اللبنانية كريستيل خضر. ما الذي يمكن أن تقوليه لنا عن هذا المشروع؟
- الرغبة في البحث في موضوعة الحب والجنس في ظرف استثنائي كالحرب هي المحرض الأساسي لفكرة المشروع. لأني، وعلى المستوى الشخصي، أحسست باختلاف طرأ على مشاعري وجسدي بعد خروجي من سورية. هذا التغيير الذي لم يكن باستطاعتي تحديده كان الدافع الأول إلى البحث. ناقشت هذه الفكرة مع الفنانة كريستيل خضر والكاتب وائل علي، وقررنا صياغة المشروع.

● كيف جاءت فكرة ولادة هذا المشروع المشترك مع الكاتبة والممثلة المسرحية اللبنانية كريستيل خضر؟ وكيف كان التعاون معها ومع باقي فريق العمل؟
- في البداية، كان المشروع تعاوناً مشتركاً مع كل من كريستيل خضر ووائل علي. اخترنا معاً مجموعة من الأشخاص عاشوا تجارب الحب الأولى في بلاد عربية تعيش حالة حرب، ثم كتبنا مجموعة من الأسئلة لطرحها على هؤلاء الأشخاص. أجرت كريستيل المقابلات، ثم جرى انتقاء أربعة أشخاص، ثلاث نساء ورجل، من أجيال مختلفة يعيشون في فلسطين، لبنان، العراق وسورية. هذه المقابلات كانت الأساس لصياغة النصوص. كل نص يحكي عن غرض يخصّ شخصية من الشخصيات. هذا الغرض كان المدخل إلى ابتكار عمل بصري مرافق لتسجيل صوتي بصوت كريستيل خضر يحكي موقفاً ما لإحدى الشخصيات.

● يتناول المشروع العديد من الشهادات لأشخاص حقيقيين من فلسطين ولبنان والعراق وسورية. لكن ماذا بقي في جسدك أنت من الحرب التي تعملين اليوم برفقة كريستيل على إعادة استلهام وقائعها من طريق صوت الآخر، وأحياناً بصوتك داخل عمل فني تركيبي؟
- أعتقد أن من يعيش حالة أو ظرفاً قاسياً كالحرب، لا يستطيع أبداً أن ينساه. الحرب ستظل مرافقة لي ولجميع من عاشها مدى الحياة، لكن الإنسان بحاجة لأن يتقدم عموماً، وينسى ما هو مؤلم. لم أتأثر مباشرةً بما حدث في سورية، هناك الكثيرون مما عانوا أضعاف ما عانيت، لكن أعتقد أن كل هذا لم ينتهِ بعد.

● كيف استقبل الجمهورُ المعرض، أولاً في لبنان ببيروت في دار النمر للفنون والثقافة، وثانياً في باريس؟
- هذا المشروع مصمَّم ليعرَض بثلاث لغات: العربية أولاً، والفرنسية والإنكليزية. غالباً، أعتمد هذا الشيء في مشاريعي الفنية التي ترتكز في جزء منها على نص. لذلك، فقد عُرض المشروع في البداية بنسخته الإنكليزية في مدينة بروكسل ضمن فعاليات مهرجان Moussem Festival.
أما عرض بيروت في غاليري دار النمر، فكان باللغة العربية طبعاً، وكان بالنسبة إلينا العرض الأكثر نضجاً. بعدها عُرض المشروع في نابولي ضمن فعاليات l Napoli Teatro Festival Italia، وفي هولندا في مدينة خرونيغن ضمن مهرجان المسرح هناك، واليوم يعرض جزء صغير منه باللغة الفرنسية ضمن فعاليات معرض جماعي بعنوان "من الطوفان إلى الرحيل: أساطير وأغانٍ وقصص أخرى"، بإدارة القيّمة على المشروع السيدة إلينا سوروكينا، من تنظيم مجموعة الأبواب المفتوحة للفن. كانت أصداء المعرض جيدة، وخصوصاً في لبنان.
● على مستوى المقارنة بعملك الفني السابق "شام" الذي عُرض في متحف بورت دوريه في باريس، ما حدود التقاطع والتلاقي بين العمل الأول والثاني؟
اعتمدت في المشروعين على المقابلات أساساً للبداية. في مشروع "شام"، أجريت لقاءات مع أطفال سوريين، منهم من خرج من سورية خلال الحرب، ومنهم من بقي فيها حتى اليوم. سألت هؤلاء الأطفال عن أماكن يتذكرونها في سورية، وأطلقت لهم العنان ليصفوا تلك الأماكن. ذكريات الأطفال مختلفة تماماً عن ذكرياتنا والأماكن التي وصفوها مميزة. طفلة روت لي ذكرياتها في حديقة الحيوان التي دُمرت في الحرب. وطفل روى لي ذكرياته في بيت جده، وأخرى في كنيسة في حيّ القصاع؛ حيث كانت تذهب لتغني مع الكورال. اعتمدتُ في مشروع "شام" على مادة صوتية أيضاً كما في "دخلت مرة الجنينة"، وعلى دمج مواد فنية مختلفة، فكان العمل النهائي ستة كتب كبيرة ثلاثية الأبعاد تعتمد مبدأ "البوب أب" pop up، يرافق كل كتاب تسجيل صوتي لأصوات المدينة.

● في عملك الفني "شام" هنالك احتفاء كبير بالمدينة وبالذاكرة. كمعمارية، كيف تعاملت مع هذا الأمر؟
- كمعمارية وكسينوغراف، أملك حساسية خاصة تجاه المكان عموماً، لذلك في مشروع شام ومن خلال وضع أسئلة معينة ومدروسة، حاولت تحضير ذكريات الأطفال الذين عملت معهم ليتذكروا تفاصيل المكان وليرسموه، لأن المكان بالنسبة إليّ يوصف بتفاصيله ويمتلك أهميته من تأثير هذه التفاصيل علينا كأشخاص.

● أغلب تجهيزاتك الفنية تمزجين فيها بين الواقعي والمتخيل والوثائقي. ما السر وراء كل هذه الأشكال التي تتوسلينها للتعبير عن الموضوع؟
- أعتقد أن حرية التجريب التي تتوضح في عملي من خلال اعتمادي لوسائط مختلفة، إن كان على مستوى النص أو على مستوى الشكل، هي ما يشكل الحافز الأساسي للعمل حتى اليوم. في بداية مشاريعي، كنت دائماً بحاجة إلى مادة واقعية، ولكني ضد فكرة "تقديس" المادة الموثّقة وكأننا لا يمكننا المساس بها. لا أسعى إلى صناعة أفلام وثائقية، بل أعمل مادة تجهيزية. ولذلك، أعتبر هذا التوثيق أساساً للعمل، لكني أترك لنفسي الحرية لأضيف إلى رؤيتي الخاصة أو رؤية فريق العمل.

المساهمون