بيروت.. دكتاتورية الشكل وتوحّشه

08 فبراير 2018
الصورة
("سينما ريفولي" المطلة على ساحة الشهداء في الخمسينيات)

جولة جديدة من "المدينة ورأس المال" تنطلق في بيروت عند الثانية من بعد ظهر السبت، العاشر من شباط الجاري، تقودها المتخصّصة في التخطيط المديني جنى نخال.

هذه هي الجولة الخامسة من المبادرة السياسية الثقافية التوعوية التي تقوم بها نخال وينظمها ويدعمها "نادي الرواد"، وتنطلق من ساحة الشهداء، باتجاه الصيفي والجميزة، ثم إلى البسطة التحتا وخندق الغميق، وصولاً إلى حوض الولاية لتنتهي بالحدود الشرقية للمدينة عند سوق الأحد في كورنيش النهر.

فكرة الجولة أتت من غفلة سكان بيروت عن أبعاد التغييرات التي تحدث في بنية المدينة، ومستقبلها، والكيفية التي تؤثر من خلالها هذه التحوّلات المجحفة على حياتهم ومستقبل وجودهم في المدينة وانتمائهم إليها، من هنا، فكرت نخال إن هذا التغيّر السياسي والاقتصادي وبالضرورة الاجتماعي هو معلومات تاريخية لا ينبغي أن تظلّ حكراً على المتخصّصين، بل إنها نوع من المعرفة اللازمة لكل من يقطن المدينة.

في حديث لـ "العربي الجديد" تقول نخال "بيروت تُسرق وتتغير من دون أن يكون لنا يد في تقرير التغيرات التي تحدث لها، ثمة عدم وضوح لدى ساكنيها، حين يعتقدون أن التغيير هو أمر طبيعي، فبيروت تغيّرت في العشرينيات والخمسينيات وهذا قدر كل المدن، لكنهم لا يعرفون أن التغير الطبيعي في المدن ليس هو ما يحدث لبيروت، بل إنه تغيير ممنهج ومخطط له".جنى نخال في جولة سابقة

في الجولة التي تستمر ست ساعات تمر نخال مع المشتركين على كل منطقة وتشرح عن تاريخها وما الذي تغير فيها، ولماذا حدث؛ توضح "التغيير حدث ويحدث ليس فقط لبيروت بل لمعظم العواصم في العالم، حيث بدأ يهيمن التفكير بالأرض والعقار كبضاعة ذات قيمة شرائية عالية أهم من علاقة الناس بها، وأهم من قيمتها كذاكرة وقيمة انتماء ساكني المدينة إليها، بهذا تصبح الأرض لمن يملك ثمنها ويقدر على شرائها، بمعنى أن الشكل الذي يتطلّع إليه هذا التغيير هو تحويل المدن إلى عقارات لتحقيق الربح".

الفقراء هم أول ضحايا هذا التغوّل لرأس المال على المدينة بشكلها القديم وألفتها التي أخذت تتلاشى يوماً بعد يوم، عن ذلك تشرح نخال "بهذا المنطق يجري تهجير الفقراء من المدينة، أي خلق مركز طارد للفقراء، وهذا بدأ من مشروع إعادة إعمار وسط بيروت، حيث أصبح مكاناً يستقطب الفقراء للعمل نهاراً كعمال نفايات مثلاً أو حراس أبنية أو أمن فيها، لكنها أحياء يعملون فيها فقط ولا يمكنهم أن يقطنوها".

تضيف نخال "في العقد الأخير تغيرت بيروت بنيّة تحويلها إلى دبي أخرى Dubaization، أبينة شاهقة غيرت هوية المدينة ونوعية الحياة فيها وكيفية استعمالها، وألغت التعددية المعمارية التي عرفتها بيروت لعقود طويلة، حيث كانت مدينة المباني الصغيرة والكبيرة والسكنية والتجارية والعالية والعادية".

وبينما تحاول الجهات المهيمنة من أصحاب العقارات وروؤس الأموال والسلطة تصوير هذا التغير في المدينة على أنه طبيعي، لكنه ليس كذلك، تؤكد نخال؛ "هذا الشكل المتوحش من التغيير الذي يريد أن يلغي كل ما قبله، يتخلّص من المباني القديمة ويفرض شكلاً دكتاتورياً على المكان".

نخال ومبادرتها هي واحدة من عدّة مجموعات صغيرة نشطت في السنتين الأخيرتين في بيروت بهدف توعوي سياسي، حيث ترى أن ثمة أساليب لمقاومة ما يحدث، وأن هذه المجموعات التي تكرّس جهودها لتعريف الناس أن ثمة مشكلة وإدراك أنها تؤثر في صميم حياتهم ومستقبلهم، وهذه هي أول خطوة في مقاومة شعبية على هذا المستوى.