بيتر هاندكه.. في الجهة المظلمة للتاريخ

07 ديسمبر 2019
الصورة
(احتجاجات لناجين من مذبحة سربرنيتشا على منح هاندكه "نوبل")
+ الخط -

بعد الإعلان عن منح "جائزة نوبل للآداب" للكاتب النمساوي المقيم في باريس بيتر هاندكه (1942)، وما أثاره ذلك من ردود فعل مستنكرة في البلدان التي عانت من مجازر نظام الرئيس الصربي الراحل سلوبودان ميلوشيفيتش بسبب مواقف هاندكه العلنية المؤيّدة للأخير والمضلّلة للمجازر التي ارتُكبت في كرواتيا والبوسنة وكوسوفو خلال السنوات بين 1991 و1999، جاء اقتراب موعد منح الجائزة لهاندكه، الثلاثاء المقبل، ليثير موجةً جديدة من الكتابات التي تدينه وتدين تبرير "الأكاديمية السويدية" منحه الجائزة.

ما بين الموجة الأولى من الكتابات في النصف الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي والموجة الجديدة في النصف الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر، لدينا محطّة مهمّة في الأسبوع الأول من الشهر الماضي مع الكشف المفاجئ عن أن هاندكه، حين نشر عام 1996 كتابه "العدالة لصربيا"، والذي هو في الواقع مجرّد منصة دعائية للموجة القومية الصربية المتطرّفة التي ركبها ميلوشيفيتش، كان يتمتّع بجواز سفر يوغسلافي يتيح له السفر بحرية في الوقت الذي كان فيه العديد من ممثّلي المعارضة محرومين من هذه الحرية. صحيح أن والدة هاندكه من الأقلية السلوفينية في جنوب النمسا، أي يوغسلافية بالمعنى الإثني الواسع، ولكن حصول هاندكه على جواز يوغسلافي في ذلك الوقت يحمل الكثير من المعاني.

صحيح أن هاندكه كان يزور يوغسلافيا، ولكنَّ الأيام التي قضاها حتى 1996، لا تتيح له حسب القانون الحصول على الجنسية اليوغسلافية كشرط للحصول على الجواز. ولكن في بعض الحالات يجوز لرئيس الجمهورية أن يمنح أي أجنبي الجنسية عندما يقدّم "خدمات كبيرة" للدولة. ولكن هذا يجري بمرسوم ويصدر في الجريدة الرسمية، وهو ما لم يحصل في حالة هاندكه. ومن الواضح هنا أن الأمر بمنحه الجواز جاء من أعلى المستويات (ميلوشيفيتش)، فأصبح يستخدمه لزيارة البلد، مصرّحاً بحبّه الكبير لـيوغسلافيا الميلوشيفية التي بقيت آنذاك.

وفي الواقع، لم يُخْف هاندكه في أول لقاء مع الصحافة (دي زيت Die Zeit بتاريخ 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011) بعد فوزه بالجائزة، حنينه الكبير إلى يوغسلافيا الميلوشيفية، حتى أنه يبدو الآن في عكس التيار الذي كان سائداً آنذاك في يوغسلافيا السابقة، على قاعدة "كاثوليكي أكثر من البابا". ففي هذا اللقاء الذي نَشرت مقاطع منه جريدة "داناس" البلغرادية في التاريخ المذكور، يُظهر الكاتب النمساوي أنه كان مؤيّداً لميلوشيفيتش لأنه "لم يكن يريد ليوغسلافيا أن تتناثر"، ولذلك "كان موته موتاً ليوغسلافيا".

في اليوم التالي، نشر الصحافي الكوسوفي المعروف أنور روبللي E.Robelli، مقالة مهمّة كشفت عن أمور جديدة تتعلّق بالسياق الثقافي/ السياسي الذي رافق نشر هاندكه لكتابه "العدالة لصربيا"؛ فقد كشف روبللي عن أنّ هذا الكتاب نُشر بالصربية في بريشتينا عاصمة كوسوفو، في وقت كان كبار المثقّفين الصرب والألبان يتداولون سيناريوهات مختلفة عن البديل ليوغسلافيا الميلوشيفية؛ فقد كان الكاتب إبراهيم روغوفا (1944 - 2006)، مع استقلال كوسوفو عن يوغسلافيا الميلوشيفية، ودعا Rugova إلى استفتاء على الاستقلال في 1991 انتهى به رئيساً على "جمهورية كوسوفو" التي لم تعترف بها سوى ألبانيا.

أمّا الكاتب الألباني المعارض لروغوفا آدم ديماتشي A.Demaçi)1936-2018)، الذي قضى في سجون يوغسلافيا حوالي ثلاثين سنة، فقد دعا إلى إعادة تشكيل يوغسلافيا لتصبح كونفدرالية مؤلّفة من ثلاث جمهوريات (صربيا وكوسوفو والجبل الأسود)، في حين دعا رئيس "الأكاديمية الصربية" ألكسندر دسبيتش A.Despić) 1927-2005) إلى اقتسام كوسوفو بين الصرب والألبان.

ولكن كتاب "العدالة لصربيا" جاء ليعوّم يوغسلافيا الميلوشيفية بأسوأ فهم لها (صربيا الكبرى)؛ فقد صدر الكتاب بالصربية في كوسوفو التي كان هاندكه يعتبرها "قلب الصرب"، ولذلك لا وجود عنده على الإطلاق للغالبية الألبانية الموجودة هناك، وفي الوقت نفسه يشكّك بوجود شعب بشناقي في الجوار (البوسنة) على اعتبار أنهم "من أصل صربي ويتكلّمون الصربية"، كأنه يفتي بجواز ما حصل للبشناق في البوسنة خلال 1992 - 1995 لأنهم لم يقبلوا بما كان يُراد لهم أن يكونوا (من أصل صربي ويتكلّمون اللغة الصربية). ومن هنا قال الكاتب البوسني المعروف جواد كاراحسن Dž.Karahasan عن هذا الكتاب إنه "أسوأ إسهام لنفي وجود شعب في زمننا".

وفي الأيام الماضية، كشفت الصحف الكوسوفية، في الوقت التي لا تزال فيه الحفريات مستمرة عن مقابر مفترضة لضحايا المجازر بين 1998 و1999، عن "حوار" بين "الأكاديمية السويدية" و"الأكاديمية الكوسوفية" حول مدى استحقاق هاندكه لجائزة نوبل وصل إلى تبادل عبارات غير مألوفة تصل إلى حد اتهامات صريحة بالانحياز إلى ما هو غير أدبي.

محمد كرايافور الإعلان عن منح الجائزة لهاندكه، كتب رئيس الأكاديمية الكوسوفية محمد كرايا M. Kraja، وهو روائي معروف في العالم الألباني، رسالة إلى رئيس "الأكاديمية السويدية" جاء فيها: "انطلاقاً من الإحباط العميق بسبب منح جائزة نوبل (لهاندكه) تطالب أكاديمية العلوم والفنون الكوسوفية بإلغاء هذا القرار كبادرة تفهّم لشعوب العالم التي تكافح في سبيل الحرية والقيم الديمقراطية". وفي الواقع، جاءت هذه الرسائل ضمن موجة من الاحتجاجات التي رفُعت إلى "الأكاديمية السويدية"، ولكن الأخيرة فضّلت أن ترد فقط على "الأكاديمية الكوسوفية" برسالة طويلة فيها محاججة لما ورد في رسالة محمد كرايا لتبرير منح الجائزة لهاندكه.

ويلاحظ هنا أن رد الأكاديمية السويدية احتاج إلى قرابة أربعين يوماً حتى يصل ويُنشَر في الصحف الكوسوفية في التاسع عشر من الشهر الماضي، وتضمّن لأول مرة تبريراً جديداً لموقف الأكاديمية؛ فقد جاء في الرد الذي وقّعه رئيس لجنة نوبل أندرياس أولسون: "حين يُمنح هاندكه الجائزة، فإن الأمر يتعلّق بتقييم مؤلّفاته الأدبية المهمّة وليس شخصه، فجائزة نوبل للفيزياء أو للكيمياء تُمنَح للاكتشاف بغضّ النظر عمّن قام به، وعندما تُمنح للأدب تكون لاكتشاف وتطوير شكل جديد للكتابة بغضّ النظر عن الشخص. والتقييم الجمالي فقط، وليس غيره، هو ما يحكم منح هذه الجائزة".

إلا أن ردّ رئيس الأكاديمية الكوسوفية على ذلك لم يتأخّر، وجاء بعبارات أقسى تصل إلى الاتهام الصريح بالانحياز إلى ما هو شعبوي وقومي في أوروبا الحالية؛ ففي رسالته الجديدة التي نُشرت في الصحافة الكوسوفية في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، عبّر كرايا عن "إحباط أكبر" بسبب تأكيد رئيس لجنة نوبل على "قيم المجتمع المفتوح" والحق في التعبير عن الرأي الآخر، وهو الذي وجده كرايا مدخلاً جديداً للموجة الشعبوية والقومية الجديدة في أوروبا. ولكن القسم الثاني تضمّن بعداً جديداً في "الحوار" يصل إلى حد الاتهام بالانحياز إلى قوى الظلام: "نظراً لبُعدكم عن تطوّرات البلقان، يبدو أنكم لا تريدون أن تفهموا أن الدفاع عن هاندكه، كما ورد في رسالتكم، يعني الدفاع عن ميلوشيفيتش والجنوسايد. ومع دفاعكم عن الجنوسايد، تضعون أنفسكم في الجانب المظلم للتاريخ".

وفي القسم الأخير من الرسالة، يؤكّد محمد كرايا على استحالة الفصل بين الأدب والسياسة حين يقوم الشخص نفسه بإبداع "روايات جيّدة" وإصدار كتب تخدم أنظمة سياسية ديكتاتورية بنفي وجود شعوب أو نفي وجود مجازر ضد شعوب كما هو الحال مع البوسنة. وفي هذا السياق يقول: "إن محاولتكم غير الناجحة لفصل شخص هاندكه عن أدبه تثير الإحباط هذه المرّة أيضاً"، لأنه يرى أنّ هاندكه كان يستثمر مواقفه السياسية للترويج لأدبه، ولذلك "مع منح هذه الجائزة لهاندكه فقد توفرت له قاعدة مناسبة الآن للترويج لأفكاره المؤيّدة للجينوسايد".

ومن المؤكد أنه، ومع نشر هذا "الحوار" الأكاديمي في الصحافة، سيُفتَح الباب من جديد لمساهمات أخرى في البلقان، وصولاً إلى يوم العاشر من كانون الأول/ ديسمبر، حين يختطف هاندكه الأضواء مع تسلّمه الجائزة التي لم يكن يتوقّع أن يحصل عليها باعترافه.


* باحث ومترجم من كوسوفو

دلالات

المساهمون