بيتر هاندكه.. رحلة ملتبسة

14 أكتوبر 2019
الصورة
هاندكه (آلان جوكار، غيتي)

"لا أملك مواضيع. لدي موضوع واحد فحسب، وهو أن أستوضح ذاتي، وأن تصير أكثر وضوحاً"، بهذهالكلمات القصيرة والمباشرة وصف، ذات يوم، الكاتب النمساوي بيتر هاندكه (1942) نتاجه الإبداعي الممتد لأكثر من نصف قرن، والذي تكلل أخيراً بحصوله على "جائزة نوبل للآداب: لسنة 2019 إلى جانب الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك (1962) التي أُعلن في نفس الوقت عن فوزها بالجائزة لسنة 2018، والمؤجَّلة بسبب الفضيحة المعروفة التي هزّت الأكاديمية السويدية.

وبخلاف شريكته في التتويج هذا العام، والتي تكاد تكون شبه مجهولة عربياً، فإن هاندكه، أو "الأديب الكاميرا" كما يُطلِق عليه بعض دارسيه لدقّة تصويره لمحيطه الاجتماعي، معروف عربياً إلى حد كبير، على الأقل منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث توالت ترجمات إنتاجاته المسرحية والروائية التي فرضت نفسها على الساحة الأدبية العالمية، بل إنَّ بعضها تحوّل إلى أفلام شهيرة. ولعل من أبرز إنتاجات هاندكه المترجمة إلى العربية روايات "كاسبار" و"المرأة العسراء" و"محنة" و"الشقاء العادي" و"خوف حارس مرمى" و"الحادث الكبير"، كما يتردد الآن اقتراب صدور ترجمة عربية جديدة لمجموعته القصصية "دون خوان".

كان من البديهي أن يخلّف خبر فوزه بأشهر جائزة أدبية عالمية ترحيباً واسعاً، فالرجل، صاحب الجُمل التلغرافية المتلاحقة، استطاع منذ عقود أن يتحوّل إلى أحد أعمدة الأدب الأوروبي الحديث، وقد توزّعت مدوّنته بين الشعر والرواية واليوميات والسيناريو والمسرحيات والقصص القصيرة. وقد سارعت الكاتبة النمساوية إلفريده يلينيك، التي سبقته بالفوز بنفس الجائزة سنة 2004، بتهنئته قائلة إنَّ من المفروض أن يكون قد فاز بها قبلها. غير أن تتويجه هذا قوبل أيضاً بنقد بارز يقترن بمواقفه السياسية المنحازة ولا سيما للصرب في حرب البوسنة، والتي يصفها الكثير من منتقديه باللاأخلاقية واللاإنسانية، حتى أنّ بعضهم اعتبر بأنه لا يستحق الجائزة.

هذا الانتقاد الحاد ليس بالجديد، فقد لاحق هذا الكاتب المثير للجدل منذ أزيد من عشرين سنة، وتحديداً سنة 1996، حينما قام هاندكه، ذو الأصول اليوغوسلافية، بنشر نصه الرحلي الذي حمل عنوان "رحلة شتوية نحو الدانوب والسافا والمورافا والدرينا، أو العدالة لصربيا" بعد ثلاث سنوات فقط على مجزرة سريبرينتشا، وحاول فيه تبرير تلك الإبادة الجماعية، موظفاً أسلوباً انتقائياً في وصف تلك الأحداث الأليمة وكأنها أحداث عادية، مما اعتُبر استخفافاً بأرواح الآلاف من ضحايا المجزرة الأبشع التي شهدتها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي لا تزال صورها عالقةً في الذاكرة الجمعية للمنطقة عامة، ولذوي الضحايا خاصة.

أكثر من هذا، قام هاندكه سنة 2004 بزيارة لسلوفودان ميلوسوفيتش في سجنه بلاهاي، فلقّبه البعض بصديق "سفاح البوسنة"، وبعد ذلك بسنتين حضر جنازة ميلوسوفيتش، وألقى فيها خطاباً أدى إلى إحياء النقد الشديد له لوقوفه بجانب متّهَم بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، وهو ما ستمتدّ تبعاته إلى 2006 بعد الإعلان عن فوزه بـ "جائزة هاينرش هاينه" لمدينة دوسلدورف الألمانية؛ حيث اضطرّ إلى التخلي عنها. وفي 2008 وَصف في تعليق له بجريدة "لوفيغارو" الفرنسية أن تاريخ يوغسلافيا هو تاريخ النصر على النازية، واصفاً دول الغرب بأنها مخادعة.

سبق لإحدى المجلات الفرنسية أن وصفت عمل هاندكه بأنه ذو معالم مصاغة جيداً، فالمعاني محددة وواضحة ضمن جمل، لها بريقها وسلاستها، مضيفة أنه ليس علينا أمامها سوى أن نعيد بناءها بقدر الإمكان. لكن من جهة أخرى وبعيداً عن قدرته الاستثنائية على الكتابة الإبداعية، فإن تأييده للنزعة القومية الصربية، التي خلّفت وراءها مآسيَ إنسانية لا تزال آثارها ماثلة أمامنا، والذي لا يزال كما هو منذ عقود بإصراره الواضح والذي لا لُبس فيه، يجعلنا نتساءل: هل يستحق هاندكه الجائزة التي تصف نفسها بكونها تكريماً لتلك الأعمال الأدبية الرائعة بشرط أن تصدر عن نظرة منفتحة ومثالية للعالم؟ وهل سيعذتر عنها على وقع النقد الحالي المتعاظم، وهو الذي وصف الجائزة ذات يوم بأنّها تقديس مخادع؟