بوتين في السعودية اليوم: تقارب لا يرقى إلى شراكة

14 أكتوبر 2019
الصورة
بوتين مستقبلاً سلمان عام 2017(سيفا كاراسان/الأناضول)
+ الخط -

يتوجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة السعودية الرياض، اليوم الإثنين، في مسعى لفتح فصل جديد في العلاقات مع السعودية، والبناء على النفوذ الروسي المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط، بعد أربع سنوات على تدخّل بلاده العسكري في سورية الذي حوّلها إلى لاعب لا يمكن تجاوزه في حلّ قضايا المنطقة، مع نجاح موسكو، حتى الآن، في عدم الغوص في مستنقع أفغاني جديد والبروز بمظهر شريك موثوق يحافظ على حلفائه. وقبيل الزيارة أوضح مساعد الرئيس الروسي للشؤون السياسية، يوري أوشاكوف، أن التعاون بهدف ضمان أسعار النفط، والأوضاع في سورية والخليج واليمن، سوف تتصدر مباحثات بوتين مع الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان. كما تولي موسكو أهمية كبيرة لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الرياض لمواجهة العقوبات الغربية التي أضعفت الاقتصاد الروسي. وفي زيارته الأولى منذ عام 2007، يأمل الكرملين في بناء علاقات جديدة مع السعودية التي شهدت منذ إطلاقها قبل أكثر من تسعة عقود فترات من المدّ والجزر ووصلت إلى حد القطيعة لأكثر من خمسة عقود.

وكما كانت العلاقات الشخصية عاملاً مهماً في فتح القنوات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1926، تراهن روسيا اليوم على أن العلاقات بين بوتين وولي العهد محمد بن سلمان سوف تسهم في بناء علاقات متينة. ومن المعلوم أن روسيا ثبّتت أقدامها في نجد والحجاز منذ عشرينيات القرن الماضي، بفضل كريم حكيموف، أول سفير للاتحاد السوفييتي المعروف بـ"الباشا الأحمر"، الذي حضر المؤتمر الإسلامي العالمي الذي استغله الملك عبد العزيز في معركته للسيطرة على نجد والحجاز بعدما حاز لقب "خادم الحرمين الشريفين". وكما كان الدبلوماسي المسلم حكيموف سبباً في بناء العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والسعودية، لعب إعدامه دوراً أساسياً في القطيعة بين البلدين، بعد استدعاء "الباشا الأحمر" إلى موسكو وإعدامه ضمن حملة التطهير الستاليني، ما أثار الملك عبد العزيز ودفعه إلى رفض استقبال أي دبلوماسي سوفييتي جديد لتنقطع العلاقات منذ عام 1938، ولم تستأنف إلا مع فترة انهيار الاتحاد السوفييتي في 1991.

الموقف السوفييتي من الأديان، والحرب الباردة، ولاحقاً الحرب في أفغانستان والدور السعودي في دعم الجهاديين للوقوف في وجه الخطر الشيوعي، عوامل رمت بثقلها على العلاقة بين البلدين. ولا تهمل أي دراسة جادة تأثير تراجع أسعار النفط بسبب السياسات السعودية في منتصف الثمانينيات في انهيار الإمبراطورية السوفييتية، وعلى الرغم من كل المحاولات لتحسين العلاقات في العقود الثلاثة الأخيرة، فإنها لم تصل إلى النتيجة المطلوبة، ومن أهم أسباب ذلك، قناعة فريق واسع من النخب الروسية بأن السعودية نشرت "الفكر الوهابي" في تسعينيات القرن الماضي في القوقاز الروسي والجمهوريات الإسلامية الروسية، ما تسبّب في بروز "الإرهاب الإسلاموي"، والنزعات الانفصالية في الشيشان وغيرها. إضافة إلى عدم الثقة بين الطرفين، والتحالف السعودي الأميركي المتين طوال الحرب الباردة.

وساعد النهج البراغماتي وفصل الملفات المتّبع في العلاقات بين البلدين في بعض التقدّم، في السنوات الأخيرة، في بعض مجالات التعاون. ففي مواجهة التراجع الكبير في أسعار النفط نهاية 2014 و2015، قاد البلدان، اللذان يضخان معاً أكثر من ربع الإنتاج العالمي من الذهب الأسود، مفاوضات طويلة بين أعضاء منظمة "أوبك" والمنتجين المستقلين من خارجها، وللمرة الأولى توصلت الأطراف بقيادة البلدين إلى اتفاق "أوبك بلاس" التاريخي في 2016 لخفض الإنتاج بشكل مرن، ما ساعد على رفع الأسعار، وتم تمديد الاتفاق أكثر من مرة. ومن الواضح أن الاعتماد المفرط لموازنتي البلدين على النفط، مع تزامن انهيار الأسعار بفترة تاريخية بالغة الحساسية، أنضج ظروف الاتفاق، على الرغم من الخلافات في الملفات الأخرى، فبوتين كان يرغب في التمديد لفترة رئاسية رابعة تعدّ الأخيرة، حسب الدستور الروسي الحالي، في حين كانت المملكة منشغلة بتثبيت محمد بن سلمان في منصب ولي العهد وضمان خلافة والده من دون مشاكل كبيرة.


ودفعت حاجة قيادة البلدين إلى تحسين الاقتصاد، ولو بشكل مؤقت، والحصول على موارد لتنفيذ المشاريع القومية الكبرى في روسيا و"رؤية 2030" السعودية، إلى التقارب وتمديد اتفاق "أوبك بلاس" والحديث عن مشاريع استثمارية وإنتاجية مشتركة. وعلى الرغم من توقيع 14 اتفاقية ومذكرة تفاهم في زيارة الملك سلمان الأخيرة في 2017 في مجالات اقتصادية وتجارية مختلفة، فإن النتائج ما زالت متواضعة. وحسب الهيئة الفيدرالية الروسية للجمارك، فإن التبادل التجاري بين البلدين تجاوز بالكاد المليار دولار، وتقع المملكة في المركز الـ68 بين شركاء روسيا التجاريين، بحصة لا تتجاوز 0.25 في المائة من تجارة روسيا الخارجية. وللمقارنة، فإن التبادل التجاري بين السعودية والولايات المتحدة في العام ذاته تجاوز 70 مليار دولار، من دون حساب تجارة الأسلحة. وتأمل موسكو في أن يسهم سماح المملكة باستيراد القمح الروسي في زيادة حجم الصادرات والاستئثار بحصة أكبر من السوق السعودية، لكن هذه الزيادة لن تعطي قيمة إضافية كبيرة لأنه في مجال المنتجات الزراعية ذات الربحية المحدودة مقارنة بالصناعات المتقدّمة.

وأعلنت موسكو أن زيارة بوتين ستشهد توقيع 30 اتفاقية على هامشها، منها 10 اتفاقات استثمارية واقتصادية، وتحتاج روسيا إلى جذب استثمارات خارجية في كل المجالات، نظراً للعقوبات الغربية المفروضة عليها من الغرب منذ 2014، على خلفية ضمّ شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014، فضلاً عن الحرب في الشرق الأوكراني، ولاحقاً اغتيال عملاء سابقين، والتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية 2016. وبعد سنوات على تأسيس صندوق مشترك بين صندوق الاستثمارات الروسية المباشرة والصناديق السيادية السعودية بحجم 10 مليارات دولار، ما زالت الاستثمارات الثنائية متواضعة وتنحصر في مجال البناء والتشييد، مع إمكانية تطور في قطاع النفط والغاز والمنتجات الحلال. وتأمل روسيا في المشاركة في مشاريع "رؤية 2030"، لكن إمكاناتها التقنية المحدودة مقارنة بالغرب، وضعف قاعدتها الصناعية يقللان من إمكانية استفادة الشركات الروسية في هذا المجال.

في مجال تجارة الأسلحة، وبعد تجربة مئات الصنوف منها في الميدان السوري، ترغب موسكو في زيادة مبيعاتها إلى السعودية، وسارعت موسكو بعد أيام من انهيار المظلة العسكرية لحماية الخليج مع الهجمات على منشأتين لأرامكو في السعودية منتصف الشهر الماضي، إلى استغلال الوضع، وشدّد بوتين من أنقرة وإلى جوار الرئيس الإيراني حسن روحاني على جهوزيته لمساعدة الرياض على حماية شعبها، وأنه "سيكون كافياً أن تتخذ القيادة السعودية قراراً حكيماً كما فعل قادة إيران بشراء منظومة إس 300، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشرائه منظومة إس 400 للدفاع الجوي من روسيا، حينها سيكون بإمكانهم حماية أي منشأة في السعودية".

ومن غير المرجح أن يذهب التعاون العسكري بين البلدين بعيداً، ولا يمكن مقارنته نهائياً مع الصفقة الأميركية السعودية في منتصف 2018 (110 مليارات دولار)، وقد تقتصر الصفقات الروسية على بعض المركبات العسكرية، والأسلحة الخفيفة. لكن الجانب الروسي يبقى مستفيداً، لأن مجرد الحديث عن تصدير منظومات الدفاع الجوي إلى السعودية يعدّ ترويجاً مجانياً للأسلحة الروسية التي بات بإمكان روسيا أن تقول إنها مجربة في "الحرب على الإرهاب" في سورية، ويتسابق على اقتنائها الفرقاء من إيران إلى تركيا وإسرائيل مروراً بالسعودية.

مع تصاعد حرب الناقلات والتوتر في الخليج العربي، عرضت روسيا، في يونيو/حزيران الماضي، مشروع رؤية طورته على مدى عقدين من أجل ضمان الأمن في الخليج. وأثناء تقديمها لسفراء البلدان دائمة العضوية في مجلس الأمن، ودبلوماسيين أجانب، أوضح المبعوث الخاص للرئيس الروسي، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، أن هدف موسكو من طرح الرؤية هو إنضاج الحوار حول مبادرة تنصّ على خمسة بنود، مقترحاً البدء في المشاورات الثنائية ومتعددة الأطراف وفي إطار مجلس الأمن الدولي أو جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، على أن تكون نتيجة هذه المشاورات تشكيل مجموعة عمل تقوم بتحضير مؤتمر دولي للأمن والتعاون في منطقة الخليج.


وتضمّنت الرؤية الروسية مجموعة إجراءات من شأنها تأمين الملاحة في الخليج وبناء الثقة بين دول المنطقة والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. واقترحت موسكو تأكيد دول المنطقة والأطراف الخارجية التزاماتها الدولية، وتحديداً التخلي عن استخدام القوة في حل المسائل الخلافية، واحترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها، والالتزام بمبدأ تسوية الخلافات بشأن ترسيم الحدود عن طريق التفاوض أو غيره من الوسائل السلمية بشكل حصري. إضافة إلى أن تأخذ دول المنطقة على عاتقها التزامات متبادلة متعلقة بالشفافية في المجال العسكري، وبينها الحوار بشأن العقائد العسكرية واجتماعات لوزراء دفاع الدول الإقليمية، وفتح "خطوط ساخنة"، وتبادل الإخطارات بصورة سابقة حول إجراء التدريبات وطلعات الطيران العسكري، وتبادل المراقبين، وعدم نشر قوات لدول خارج المنطقة على أساس دائم على أراضي دول الخليج، وتبادل المعلومات بشأن القوات المسلحة وشراء الأسلحة.

وشدد بوغدانوف على ضرورة إطلاق حوار تدريجي حول تقليص الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، ووضع تدابير مشتركة لبناء الثقة بين دول الخليج ودول أخرى، مع إحراز تقدّم في إنشاء هيكل نظام أمن خليجي، موضحاً أن الهدف الرئيس على الأمد البعيد يتمثّل في إنشاء منظمة للأمن والتعاون في الخليج تشمل الدول الإقليمية وروسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند، وغيرها من الأطراف الدولية المعنية بصفة مراقبة أو كأعضاء أساسيين. ولا يبدو أن المبادرة الروسية سوف تحظى بقبول سعودي، نظراً للصراعات المتشعبة والحروب بالوكالة التي تخوضها مع إيران في عدة أماكن، وخروج الرياض في السنوات الأخيرة عن نهجها المحافظ في السياسة الخارجية مع اشتداد الصراع مع طهران، إضافة إلى عدم إشارة المبادرة إلى الخطر النووي الإيراني بشكل مباشر ومنفصل. وفي المقابل، بات واضحاً أن روسيا لن تتخلى عن علاقاتها متعددة الأوجه مع إيران في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في الشرق الأوسط ومنطقة بحر قزوين.

وإضافة إلى الموقف السعودي الفاتر، برز دور الولايات المتحدة المستفيد الأول من التوتر في الخليج عبر صفقات الأسلحة والحصول على أموال لحماية أمن المنطقة. وقبل ثلاثة أيام من زيارة بوتين، أعلن وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر إرسال نحو 3 آلاف جندي أميركي إضافي وقوة استطلاع جوي وبطاريتي "باتريوت" وسربين من الطائرات المقاتلة الدفاعية وصواريخ "ثاد" و"باتريوت" لتعزيز قدرات الدفاع السعودي. من جانبه قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة لن تتحمل نفقات عمليات نشر القوات. وأضاف للصحافيين أن "السعودية بناء على طلبي وافقت على أن تدفع لنا مقابل كل ما نفعله". وتبعث التصريحات الأميركية رسالة واضحة بعدم رغبة واشنطن في التعامل مع مبادرة موسكو للأمن في الخليج، واستمرارها في حماية السعودية مقابل المال.

وفي حين تسعى روسيا إلى عدم توجيه انتقادات مباشرة للعملية العسكرية في اليمن، خرجت السعودية عملياً من الملف السوري، وربما تشكّل الزيارة الحالية فرصة لمعرفة رؤية الطرفين في موضوع التسوية السياسية، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين. ومع إعلان روسيا انتهاء القسم الأساسي من العمليات العسكرية، والانتقال إلى "الحل السياسي"، بعدما تمكّنت من تحقيق معظم أهدافها الرئيسية من التدخّل في سورية، فإنها في حاجة ماسة إلى السعودية وبلدان الخليج الأخرى من أجل تثبيت الحل السياسي وضخ عشرات مليارات الدولارات في مشاريع إعادة الإعمار المكلفة التي لا تستطيع تحمّلها مع حلفاء النظام السوري وضخ عشرات مليارات الدولارات المطلوبة للعملية.

ومن الواضح أن العلاقات بين السعودية تطورت في السنوات الأخيرة، على الرغم من الخلافات بينهما في ملفات عدة، لكن الحديث عن علاقات استراتيجية ما زال بعيداً، فروسيا تقرّ بأنها غير قادرة أو راغبة في ملء الفراغ الأميركي في منطقة الخليج إن حصل، كما أن الموقف من إيران يقف عثرة لتطوير منظومة أمن تشارك فيه إيران وتصر عليه روسيا في إطار استراتيجية باتت واضحة بعد التدخّل في سورية، وهي التأسيس لوجود عسكري وسياسي طويل الأمد في المياه الدافئة بعد عقود من البعد، وإعادة اقتسام مناطق النفوذ مع واشنطن بما يتناسب مع صعود الدور الروسي.

ومن دون التقليل من نتائج الزيارة المهمة في إطار الحوار الثنائي على أعلى المستويات لتجاوز تراكمات العقود السابقة الثقيلة، فإنها لن تسهم في نقلة نوعية أو انعطاف حاد في موقف الطرفين من القضايا الإقليمية والدولية، نظراً لتشابك القضايا وتداخلها، ولا يكفي الموقف من الإسلام السياسي والربيع العربي، والخوف من الخطر الإرهابي، والرغبة في تسويق المشاريع الاقتصادية والاجتماعية الداخلية في كلا البلدين والتنسيق في سوق الطاقة لإنقاذ اقتصادي البلدين المدمنين على موارد الطاقة، في بناء علاقات استراتيجية نظراً لعوامل تتعلق بالبنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلدين، التي تحتم توجّه كل من المتنافسين والشريكين حالياً في سوق الطاقة نحو شركاء آخرين.