بوتين بين ميونخ 43 و53

22 فبراير 2017
الصورة

بوتين في مؤتمر الأمن الـ 43 في ميونيخ (10/2/2007/Getty)

في نسخته الـ 43 (عام 2007)، كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، نجم مؤتمر ميونخ للأمن بلا منازع. ودشن الخطاب الذي ألقاه حينها مرحلة جديدة في سياسة بلاده الخارجية، محدثًا قطيعة مع سياسات الضعف التي تبناها سلفه، بوريس يلتسين، في العلاقة مع الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. ومن ذلك الخطاب، استوحى ريتشارد هاس الذي كان قد ترك توًا منصبه مديراً للتخطيط في وزارة الخارجية الأميركية ليرأس مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، مقالته في مجلة فورين أفيرز (مايو/ أيار 2008) "اللاقطبية ونهاية عصر الهيمنة الأميركية" الذي عده الأقصر في تاريخ هيمنة القوى العظمى على النظام الدولي منذ عصر روما. صرخ بوتين، في ميونخ 2007، محذرًا الغرب من محاولات إذلال روسيا، ومحاصرتها، وتجريدها من قدراتها الدفاعية. وكانت إدارة الرئيس بوش الابن تسعى حينها إلى ضم جورجيا وأوكرانيا إلى حلف الأطلسي، بعد أن أخرجتها الثورات الملوّنة من العباءة الروسية، كما كانت تعد لبناء درع صاروخي في بولندا وجمهورية التشيك، لشل قدرات الردع الروسية.
شن الرئيس بوتين الذي استشعر عمق المأزق الأميركي في العراق وأفغانستان، وخسارة الرئيس بوش الأغلبية الجمهورية في الكونغرس في انتخابات 2006، شن بعد خطابه ذاك هجوماً مضاداً شمل غزو جورجيا في أغسطس/ آب 2008، وسلخ أبخازيا وأوسيتا الجنوبية عنها، وانتزع الجزء الأكبر من سواحلها على البحر الأسود، كما تمكّن من إعادة أوكرانيا إلى دائرة النفوذ الروسي في انتخابات العام 2010، مزيلاً بذلك آثار ثورة 2004 البرتقالية. لكن نقطة قوة بوتين الأعظم حينها تمثلت في الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة العالمية، والتي مكّنت روسيا من تسديد أكثر ديونها الخارجية، وبناء احتياط عملات وصل نحو 530 مليار دولار مع نهاية عام 2013، ومضاعفة، من ثم، إنفاقها العسكري من 35 إلى 67 مليار دولار بين عامي 2006 و2014. وفي الوقت الذي كانت تزداد فيه موارد روسيا المالية، ومعها قدرتها على الحركة على الساحة الدولية، كانت الولايات المتحدة، ومعها عموم الغرب، تعيش أكثر أوضاعها الاقتصادية قتامةً، بعد انفجار فقاعة الرهن العقاري في سبتمبر/ أيلول 2008، والتي مهدت الطريق لمجيء أوباما وتبني سياسة خارجية انكفائية. في هذا السياق، انتهز بوتين الفرصة، يتملكه شعور خادع بفائض القوة، للقيام بضم القرم في 2014 وغزو سورية في 2015.
في ميونخ 53 الذي انعقد الأسبوع الجاري، كان بوتين الغائب الأكبر. وعلى الرغم من أن المؤتمر حمل للمفارقة عنوان "ما بعد الحقيقة، ما بعد الغرب، ما بعد النظام"، ليعكس المخاوف من صعود الشعبوية، وتداعي نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأفول مركزية الغرب في النظام الدولي، إلا أن الموقف الروسي الذي عبر عنه وزير الخارجية سيرغي لافروف بدا، مع ذلك، أقلّ حدة، وأكثر تواضعاً، فقد تلقت روسيا، خلال السنوات الأخيرة، ضربات موجعة أعادتها سنواتٍ إلى الوراء، على الرغم من كل مظاهر القوة الخادعة التي تدّعيها. فقد أدى انهيار أسعار النفط، اعتباراً من منتصف العام 2014، إلى انخفاض احتياطي روسيا من العملات الصعبة إلى أكثر من النصف بقليل، كما تراجع حجم الصندوق السيادي الروسي من 150 مليار دولار تقريباً عام 2012 إلى نحو 38 مليار دولار اليوم، ويتوقع أن يتبخر تماماً خلال هذا العام، بسبب سياسة دعم الروبل الذي انهارت قيمته خلال ثلاثة أعوام من العقوبات الغربية على خلفية ضم القرم. وقد انخفضت ميزانية الدفاع نتيجة ذلك إلى 52 مليار دولار في 2015، ما عطل كثيرًا من برامج تحديث القوات المسلحة الروسية. ولم يخف استعراض القوة الذي نفذته ضد قوات المعارضة السورية محدودة الإمكانات القصور الذي يعتري قدرات روسيا العسكرية، وشهد عليها سقوط صواريخ عابرة داخل الأراضي الإيرانية، كانت متجهةً إلى حلب من قواعد جنوب روسيا، وتحطم طائرات فشلت في الإقلاع عن ظهر الحاملة الروسية اليتيمة "الجنرال كوزنتسوف"، خلال معركة حلب.
بعكس ميونخ 43، بدت روسيا في النسخة 53، وكأنها اكتشفت حدود قوتها، وتسعى نحو صفقةٍ مع الغرب، تجنّبها الانجرار إلى رحلة استنزافٍ طويلةٍ، تمحو ما كسبته خلال العشرية الماضية.