بشير بن بركة: لإسرائيل مصلحة في تصفية المهدي

بشير بن بركة: لإسرائيل مصلحة في تصفية المهدي

06 نوفمبر 2015
الصورة
بشير بن بركة نجل الزعيم المغربي المهدي بن بركة(Getty)
+ الخط -
مرت خمسون سنة على اختفاء والدكم الزعيم المغربي المعارض المهدي بن بركة ومازالت قضيته محاطة بالألغاز والغموض، وأيضاً، ما زالت هذه القضية تثير الاهتمام والفضول في المغرب وخارجه، كيف تفسر ذلك؟

الاهتمام بقضية المهدي يعود لأسباب متعددة أهمها شخصية المهدي بن بركة نفسه وإنسانيته وأفكاره والدور الذي لعبه في تاريخ المغرب خلال الاستعمار الفرنسي، وأيضاً في مرحلة الاستقلال وسعيه لبناء مغرب حضاري وديمقراطي. العامل الثاني في نظري يكمن في كون المهدي بن بركة واحداً من أهم الشخصيات الثورية اليسارية التي برزت في العالم الثالث في مستهل الستينيات من القرن الماضي وكانت أفكار المهدي وعمله النضالي العالمي تشكل أملاً لشعوب العالم الثالث وحركات التحرر الوطني المنخرطة في النضال ضد الاستعمار والإمبريالية. وقضى السنوات الثلاث الأخيرة من عمره في التحضير لمؤتمر قاري بالتنسيق مع كبار الزعامات الثورية واليسارية في العالم لحركات التحرر العالمي كان من المقرر عقده في هافانا عام 1966.

أيضاً يعود اهتمام الرأي العام بقضية المهدي بن بركة لكون عملية اختطافه واختفائه جريمة سياسية تورطت فيها عدة أنظمة وأجهزة مخابرات مختلفة. وشكلت هذه الجريمة وما تزال
فضيحة أخلاقية مدوية من الناحية الإعلامية والسياسية والقضائية. فلهذا ما يزال الرأي العام يتابع قضية المهدي بن بركة باهتمام رغم أن كل التحقيقات التي قام بها القضاء الفرنسي لم تصل حتى الآن إلى نتيجة وذلك بسبب العراقيل الهائلة والمتعددة التي تضعها الأنظمة والأجهزة التي كانت وراء اختطافه واختفائه.
إذن، كل هذه المعطيات مجتمعة هي التي تجعل قضية المهدي بن بركة وأفكاره ومبادئه في حق الشعوب في الحرية والديمقراطية والعيش الكريم حية ونابضة في المغرب وخارجه.

ما أسباب غياب نتائج ملموسة من هذه التحقيقات، رغم تعاقب عشرة قضاة على هذا الملف من بينهم قضاة فرنسيون كبار؟

من المؤكد أن غياب نتائج ملموسة ليس مرده نقص ما في كفاءة هؤلاء القضاة الذين بذلوا جهوداً جبارة من أجل الكشف عن حقيقة اختفاء واختطاف المهدي وساهموا في تقدم التحقيقات في العديد من النقاط. لكن لحد الآن لم تصل التحقيقات إلى الجواب عن الأسئلة الأساسية التي تهمنا كعائلة وهي كالآتي: من قتل المهدي؟ وأين هي جثته؟ ومن هم المسؤولون عن قرار قتله؟
القضاة العشرة الذين تعاقبوا على الملف وآخرهم القاضي سيريل كابو لم يتمكنوا للأسف من التوصل إلى أجوبة شافية ودقيقة عن هذه الأسئلة بسبب العراقيل والحواجز التي وضعتها السلطات السياسية والقضائية للدول المتورطة في القضية ومنها المغرب وفرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. كل هذه الدول تعرقل عمل القضاة وترفض التعاون معهم والاستجابة إلى مطالبهم. ولهذا ما زلنا بعيدين عن الحقيقة رغم مرور 50 سنة على اختطاف المهدي.

لطالما تحدثتَ عن منفذي عملية الاختطاف وأشرت بأصابع الاتهام بالخصوص إلى الجنرالين الراحلين محمد أوفقير وأحمد الدليمي، لكنك أيضاً تصر على أن أصل الجريمة قرار سياسي بالأساس؟

طبعاً اختطاف واختفاء المهدي بن بركة هو نتيجة لقرار سياسي. أما بالنسبة للشق الجنائي فهو يتعلق بالذين تم تكليفهم بتنفيذ هذا القرار السياسي هي أجهزة القمع المغربية التي كانت لها تجربة كبيرة في قمع نضالات الشعب المغربي وعلى رأسها وزارة الداخلية التي كان يشرف عليها آنذاك الجنرال محمد أوفقير وجهاز الأمن الوطني الذي كان يشرف عليه الجنرال أحمد الدليمي، بالإضافة إلى المخابرات السياسية وعلى رأسها الجهاز المعروف آنذاك باسم "كاب رقم واحد" ومن المؤكد الآن أن عدداً من الأعضاء البارزين في هذا الجهاز بالإضافة إلى أوفقير والدليمي كانوا متواجدين في باريس في الفترة التي تمت فيها عملية الاختطاف. وبعضهم أدين من طرف القضاء الفرنسي بتهمة اختطاف بن بركة ومنهم من ما يزال على قيد الحياة.
ومن أبرز هؤلاء الجنرال حسني بن سليمان رئيس جهاز الدرك المغربي حالياً. ففي فترة الاختطاف عام 1965 كان بن سليمان برتبة كابتن وكان يشتغل في مكتب وزير الداخلية الجنرال أوفقير بالرباط وكانت كل المكالمات الهاتفية حول عملية الاختطاف بين الرباط وباريس تمر عبره. فنحن نقول بأنه بحكم موقعه آنذاك فهو لديه معلومات حول مصير المهدي، وما نطالب به عبر القضاء الفرنسي هو الإدلاء بهذه المعلومات فقط. ونحن لا نتهمه أبداً بالتورط أو المشاركة في الاختطاف لأنه لم يكن في باريس.
هناك أيضاً شخص آخر عُرف باسم العربي الشتوكي واسمه الحقيقي ميلود التونسي وكان القضاء الفرنسي حكم عليه عام 1967 بالمؤبد غيابياً بعد إدانته بالمشاركة في عملية الاختطاف. وهذا الشخص ما يزال على قيد الحياة ويعيش في المغرب ولكنه يرفض التعاون مع القضاة للكشف عن الحقيقة وملابسات عملية الاختطاف.
زد على ذلك أن السلطات المغربية ترفض حتى الآن عمليات تفتيش وحفر في مواقع يشتبه القضاء الفرنسي بأن جثة المهدي أو جزءاً منها على الأقل قد يكون مدفوناً فيها.

تقصد المكان المعروف بـ PF3؟

نعم تماماً، وهو مكان يبعد بحوالى مائة متر عن موقع السفارة الأميركية بالرباط حالياً. ونحن نعرف أنه من السهل على السلطات المغربية أن تقوم بحفريات في هذا المكان حتى نتأكد من الروايات التي تؤكد بأن جثة المهدي وجثث فرنسيين شاركوا في عملية اختطافه وهربوا إلى المغرب قد تكون مدفونة في هذا الموقع.

مؤخراً عدلت فرنسا من الاتفاقية القضائية بين فرنسا والمغرب وبسبب هذا التعديل صار من المستحيل ملاحقة مسؤولين مغاربة بدون إذن من السلطات القضائية المغربية، هل هذا التعديل سيؤثر على مجرى التحقيق المتواصل منذ 50 عاماً؟

نعم، هذا التعديل قد يعقد من مهمة قاضي التحقيق الفرنسي ويعرقل طلباته الاستماع إلى شهود
مغاربة في القضية. لكن في الحقيقة السلطات المغربية كانت دوماً ترفض بشكل منهجي ومنظم منذ عقود طويلة التعاون بشفافية مع طلبات القضاء الفرنسي قبل أن يتم تعديل اتفاقية التعاون القضائي بين فرنسا والمغرب. على أي هناك مسار قضائي طويل ومعقد، لكننا نعتقد بأن القرار السياسي هو وحده الذي يمكن أن يسرع الوتيرة القضائية ويكشف حقيقة ما وقع.


ماذا عن دور المخابرات الإسرائيلية في قضية اختطاف واختفاء المهدي بن بركة، وهل لديك معلومات جديدة بخصوص هذه النقطة؟

نعم أستطيع أن أوكد لك بأن المخابرات الإسرائيلية لها يد في هذه القضية. ونحن نعرف ذلك منذ عام 1965 عندما نشرت صحيفة إسرائيلية اسمها "بول" لأول مرة مقالاً عن مساهمة المخابرات الإسرائيلية إلى جانب المخابرات المغربية في اختطاف بن بركة. ورغم أن هذا يبدو قد متناقضاً مع المواقف الرسمية المغربية فقد كان هناك تعاون وثيق بين المخابرات الإسرائيلية والمغربية في عدة ملفات وليس فقط في قضية المهدي. وقد علمنا مؤخراً أن المخابرات المغربية كانت تتنصت وتسجل اجتماعات القمة العربية ومداولاتها المغلقة التي انعقدت في 13 سبتمبر/أيلول عام 1965، حوالى شهرين قبل اختطاف بن بركة، وسلمت التسجيلات إلى الموساد الإسرائيلي. وعندما طلبت المخابرات المغربية مساعدة الموساد في قضية المهدي بن بركة تمت الاستجابة لهذا الطلب. على أي حال هناك تصريحات عديدة لضباط سابقين في الموساد نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية أكدوا فيها أن مكتب الموساد في باريس ساهم وساعد السلطات المغربية في خطف المهدي بن بركة وإخفاء معالم الجريمة بتذويب الجثة في إحدى الغابات بضواحي باريس من خلال استعمال مادة حمضية خاصة. لكن ليست لدينا تفاصيل دقيقة حول مكان دفن الجثة، وطلبنا من قاضي التحقيق الفرنسي سيريل باكو أن يطالب السلطات الإسرائيلية بتأكيد أو نفي هذه الرواية، وبالفعل بعث قاضي التحقيق الفرنسي مؤخراً طلباً رسمياً حول هذه النقطة للقضاء الإسرائيلي لكنه لم يتوصل بأي رد.

هل كانت لدى إسرائيل مصلحة خاصة في تصفية المهدي بن بركة؟

طبعاً، كانت لإسرائيل مصلحة كبيرة في تصفية المهدي لأنه كان في قائمة كبار أعداء الكيان الصهيوني. يجب أن لا ننسى بأن بن بركة كان من أوائل الزعماء العرب الذين وضعوا مبكراً القضية الفلسطينية في إطارها السياسي الحقيقي كمعركة من أجل التحرر الوطني. وفي ربيع عام 1965 أي شهوراً قليلة قبل اختطافه ألقى بن بركة محاضرة مهمة في القاهرة بعنوان "التغلغل الصهيوني في إفريقيا" فضح فيها بشكل خاص محاولات التمدد الصهيوني في عدد من دول إفريقيا السوداء عبر المال والسلاح وكانت نتيجة هذه المحاضرة فورية، إذ أن عدداً من الدول الإفريقية التقدمية الوليدة وحركات التحرر في إفريقيا التي كانت تكن احتراماً خاصاً لبن بركة ودوره في لم شمل حركات التحرر الوطني في العالم الثالث قطعت علاقاتها مع إسرائيل وأظن أن هذا لوحده يشكل سبباً كافياً كي يفكر الموساد في تصفية بن بركة.

مر 50 عاماً على عملية اختطاف واختفاء والدكم وأنت شخصياً نذرت نفسك إلى جانب أفراد العائلة للبحث عن حقيقة ما وقع والكشف عن المتورطين فيها، كيف تعيشون هذا القدر العائلي؟

أولاً نحن لا نريد أن تكون حياتنا منذورة فقط لهذه القضية ولا نرغب في أن نبقى سجناء فيها. نحن نعاني مثل كل العائلات التي تعرضت لظاهرة الاختفاء القسري. في الحقيقة، نحن كعائلة المهدي بن بركة نعيش حياة مزدوجة. هناك الحياة العادية والمهنية، لكن هناك أيضاً حياة نضالية مستمرة من أجل معرفة الحقيقة. من حقنا أن نعرف من كان وراء اختفاء والدنا ودمر عائلتنا. كل أفراد العائلة مسكونون بهذا الجرح الغائر وأنا مجرد ناطق باسم العائلة، وسأظل أسعى لمعرفة الحقيقة حتى آخر يوم في حياتي.

هل وجهتم أي نداء إلى السلطات المغربية في هذا الشأن؟

السلطات المغربية صراحة لا تحتاج إلى نداء شخصي من طرفي، خاصة أن الأمر يتعلق بشخصية وطنية قامت بدور مهم في تاريخ المغرب الحديث واستقلاله وبنائه. أيضا لا يمكن أن نتجاهل العلاقة الودية والأخوية والثقة المتبادلة بين المهدي بن بركة والملك المغربي الراحل محمد الخامس، جد العاهل المغربي محمد السادس، قبل الاستقلال وبعده.

المساهمون