بريطانيا في عنق زجاجة بريكست

22 فبراير 2019
الصورة
من الصعب الجزم ما إذا ما كان سيل التمرّد في جسم حزب العمال البريطاني سيتوقف أم سيستمر، بعد انشقاق ثمانية نواب عن الحزب، ودعوتهم إلى تأسيس تيارٍ مستقل، يَجمع معارضي الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) من حزبي المحافظين والعمال، بعد فشل الحزبين في الوصول إلى خريطة طريق واضحة لترتيب خروجٍ آمن وسلس. يمكن فهم استقالات النواب الثمانية احتجاجاً على قيادة زعيم الحزب، جيرمي كوربين، وخياراته بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ورفضه تبنّي خيار البقاء أو إجراء استفتاء ثانٍ صراحةً، إلا أن تذرّع المستقيلين بما يُسمّى ارتفاع منسوب "معاداة السامية" في الحزب، يظل محط تساؤل واستغراب، وفيه رائحة ابتزازٍ رخيص، سيما وأن الحزب وزعيمه وافقا، مُكرهين، في سبتمبر/ أيلول الماضي، على تبنّي تعريف التحالف الدولي للمحرقة (الهولوكوست) الذي يعتبر اللاسامية "مفهوماً معيّناً عن اليهود، يمكن من خلاله التعبير عن الكراهية ضدهم، من خلال التعبيرات اللفظية أو الجسدية ضد اليهود، أو ضد ممتلكاتهم، أو ضد مؤسساتهم الدينية".
ربما تكون حركة الانشقاق في صفوف نواب حزب العمال الطلقة الأخيرة في جعبة التيار "البليري" (نسبة إلى رئيس الوزراء الأسيق توني بلير) في الحزب الذي لم يتوقف عن استهداف كوربين، منذ انتخابه لزعامة حزب العمال عام 2015، بفوز ساحق على جناح بلير، ممن يسمّون أنفسهم "الطريق الثالث"، ويتباهون بدعمهم إسرائيل، ويحظوْن بدعم المنظمات الصهيونية والسفارة الإسرائيلية في لندن. وليست هذه الحال جديدة على كوربين، فقد خاض الرجل غمار الانتخابات في 2015 تحت عاصفةٍ من التشويه والتشهير، وموجات متلاحقة من الابتزاز الشخصي. ويُخفي "سيف اللاسامية" الموجّه إلى حزب العمال غاياتٍ وأجنداتٍ متباينة لثلاثة أطراف، تستهدف الحزب وقيادته اليسارية، يتقدّمها اللوبي الصهيوني الذي طالما تذمّر من مواقف حزب العمال، منذ غياب توني بلير الذي عُرف بمواقفه الداعمة لإسرائيل. وقد بدأ هجوم منظمات اللوبي الصهيوني على الحزب بوضوح في العام 2014، بعد تصويت مجلس العموم البريطاني، بأغلبيةٍ عُماليةٍ، لصالح الاعتراف غير المُلزم بالدولة الفلسطينية. ومنذ تلك اللحظة، أعلنت شخصياتٌ وجماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل كثيرة عن وقف دعمها المادي وتأييدها حزب العمال في الانتخابات العامة لعام 2015. وتصاعد غضب المنظمات المؤيدة لإسرائيل منذ صعود جيرمي كوربين إلى قيادة الحزب، وهو المعروف بمناصرته قضية الشعب الفلسطيني، وانتقاداته الصريحة لإسرائيل.
أما الطرف الثاني الذي وجد في "اللاسامية" سيفاً للانقضاض على كوربين، وتياره اليساري الراديكالي داخل حزب العمال، فيضم منافسي الرجل من "البليريين"، حيث يسعى هؤلاء إلى استعادة قيادة الحزب، وتقويض كوربين وتياره، وإعادة الحزب نحو "يسار الوسط" بعد تخليصه من هيمنة النقابات المهنية، وبقايا الحرس القديم. ويرى هؤلاء أن قيادة كوربين تتبع سياساتٍ فشلت في مواجهة تحدي "بريكست"، وتكرّس نهجاً يهدّد بتقويض الاقتصاد البريطاني، سعياً منه إلى تحقيق أهدافٍ أيديولوجية".
وتتكامل أضلاع المثلث الضاغط على حزب العمال بحملات التحريض التي يخوضها حزب المحافظين ضد حزب كوربين، للهروب أولاً من حالة الاحتقان التي يعيشها حزب المحافظين ذاته بسبب "بريكست"، وفشل زعيمته، تيريزا ماي، في تحقيق أي تقدّم في المفاوضات مع الإتحاد الأوروبي. وثانياً، انتهاز الفرصة لإضعاف حزب العمال، منافس المحافظين الأقوى على الساحة السياسية، تمهيداً لانتخابات عامة مبكّرة، ظلت الخيار الأفضل لإخراج البلاد من عنق زجاجة "البريكست".
بصرف النظر عن وجاهة الأسباب التي ساقها النواب المنشقون عن حزب العمال لتبرير أو توضيح ما فعلوه، فالأكيد أن حالة الاحتقان أو الانغلاق التي تعيشها السياسة البريطانية، على مستويي الدولة والقوى السياسية، تُنذر بما هو أسوأ، سيما وأن تمرّداً آخر يحدث في صفوف حزب المحافظين، بدأ بانشقاق ثلاث نائبات، وانضمامهن للكتلة المستقلة، بينما يُهدّد نوابٌ آخرون بالخروج على قيادة رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، إذا ما فشلت في عقد صفقة خروج مقبولةٍ مع الاتحاد الأوروبي.
AE03ED80-FBD8-4FF6-84BD-F58B9F6BBC73
نواف التميمي