برنامج السيسي للشباب... استنساخ عسكري لمشروع جمال مبارك

11 مايو 2017
الصورة
عسكريون يقدّمون محاضرات لشباب برنامج السيسي الشبابي (الإنترنت)
+ الخط -

حصدت العشرينية المصرية هاجر عبدالعزيز (اسم مستعار)، ثمرة مواظبتها لمدة ثمانية أشهر على حضور دورة تدريبية حصلت عليها عبر البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، إذ نالت وظيفة نادرة في قسم العلاقات العامة بوزارة البترول، على الرغم من حصولها على بكالوريوس تجارة بتقدير مقبول من جامعة حكومية، غير أن لقاء هاجر بالوزراء ومساعديهم وكبار مسؤولي الدولة ضمن فعاليات الدورة التدريبية، فضلاً عن استدعائها من قبل مسؤولي البرنامج من أجل مرافقة عبدالفتاح السيسي ضمن وفد الشباب المصاحب له في جولاته لافتتاح المشاريع القومية، فتح لها جميع الأبواب المغلقة أمام نظرائها من الشباب، بعد أن أصدر رئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة المستشار محمد جميل، قراراً حكومياً فى الكتاب الدوري رقم 5 لسنة 2017 الصادر في إبريل/ نيسان الماضي، تضمّن البدء في إلحاق خريجي البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة بالجهاز الإداري للدولة، سواء كانوا من العاملين به أو من غيرهم.

وتشعر هاجر بالفخر لكونها واحدة من 5600 من خريجي البرنامج منذ تأسيسه في سبتمبر/أيلول عام 2015، مؤكدة في تصريحات صحافية خاصة، اشترطت ألا تكشف عن هويتها الحقيقة، أن حصولها ونظراءها على فرص عمل مميزة يرجع إلى تأهيلهم بشكل مميز في البرنامج الذي يتضمن ثلاثة أقسام هي العلوم الاجتماعية والإدارة المحلية والعلوم الإدارية والقيادية والعلوم السياسية والأمنية، وهو ما يقتضي منهم "رفع درجة الانتماء الوطني بين الشباب، وتعريفهم على حجم الإنجازات التي حققتها الدولة في ولاية الرئيس السيسي" على حد قولها.

وبموجب الكتاب الدوري رقم 5 لسنة 2017، فإن خريجي البرنامج يعينون في وظائف مساعدي ومعاوني الوزراء أو بحسب نظام التعاقد مع العمالة المؤقته المقرر إصداره بقرار من الوزير المعني بالخدمة المدنية، بالإضافة إلى نظامي الندب والإعارة، ووفقاً ما وثقه معد التحقيق عبر مصادر متطابقة في مجلس الوزراء فإن رواتب معاوني الوزراء الشباب من خريجي البرنامج تصل إلى 18 ألف جنيه مصري (1000 دولار) ويتمتع هؤلاء بصلاحيات واسعة تتجاوز في بعض الأحيان الوزير الذي يعملون معه، إذ تسلّط الأضواء عليهم إعلامياً لإبراز جهودهم مثل ما حدث مع الدكتورة رنا زيدان، معاونة وزير الصحة ومسؤولة ما يسمى برنامج طيور الطب المهاجرة، وأنور محمود معاون وزير الإسكان، ومصطفى مجدي، الطالب بإحدى الجامعات الخاصة، والذي يكتب مقالات في عدد من الصحف الحكومية واشتهر نظراً لظهوره إلى جوار عبدالفتاح السيسي في حفل افتتاح المؤتمر الوطني للشباب بمدينة شرم الشيخ، بعد أن عمل خلال الفترة الماضية مع وزير التخطيط السابق أشرف العربي.

ولا تتوقف مزايا البرنامج عند حد الوظائف المميزة، إذ تحصل نخبة منتسبي البرنامج الرئاسي على فرصة مصاحبة عبدالفتاح السيسي في جولاته، وفق ما وثّقه معد التحقيق الذي نجح في الانتساب إلى البرنامج وحصل على دعوة لحضور حفل افتتاح مشروع الاستزراع السمكي في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وحفل افتتاح مشروع حي الأسمرات في مايو/ أيار الماضي، كذلك حصل على دعوة مجانية وجهت إلى عدد من أعضاء البرنامج لحضور المباراة النهائية لكأس الأمم الأفريقية الماضية في الغابون.


واجهة مدنية للرجل الثاني في الاتحادية

يدير البرنامج فريق مدني على رأسه الدكتور طارق شوقي الأمين العام للمجالس التخصصية التابعة لرئاسة الجمهورية، وعميد كلية العلوم والهندسة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، والدكتورة دينا برعي مستشارة التقييم وعميدة كلية التعليم المستمر بالجامعة الأميركية في القاهرة، وفي الواجهة يأتي الدكتور خالد حبيب أستاذ الدراسات العليا بالجامعة الفرنسية ESLSCA ومستشار التطوير المؤسسي والتنمية البشرية للمشروع، والذي يعرفه الإعلام الموالي للنظام على أنه مصمم البرنامج، والمهندسة سارة البطوطي ممثلة الشباب في البرنامج كما يعرفها الموقع الرسمي للبرنامج على الإنترنت.

لكن مصدراً آخر داخل مؤسسة رئاسة الجمهورية كشف لـ"العربي الجديد" أن ضابط المخابرات الحربية أحمد شعبان، والذي ترقى نهاية العام الماضي من رتبة رائد إلى مقدم، ويعمل معاوناً للواء عباس كامل مدير مكتب السيسي في قصر الاتحادية الرئاسي، هو الجهة الحقيقية التي صممت المشروع ومن خولته السلطة للإشراف عليه.

أضاف المصدر الذي رفض الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن شعبان هو من قام باختيار كافة الأعضاء المُشرفين على البرنامج، ومنحهم فرص الظهور التلفزيوني، فضلاً عن تخصيص مساحات لكتابة مقالات رأي في كُبريات الصحف الخاصة والحكومية للترويج للبرنامج، ومن بينهم الدكتورة رشا علام، مدير المكتب الإعلامي لرئيس الجمهورية، والتي تتولى مسؤولية الترويج للبرنامج.

وتابع المصدر أن المقدم شعبان الذي بات نافذاً بقوة في صناعة القرار داخل مؤسسة الرئاسة، استعان بكوادر أكاديمية في واجهة البرنامج المعروف اختصاراً بـ (PLP) من أجل تسويق وترويج المشروع، بينما يظل هو المسيطر على كُل ما يتعلق بالبرنامج، بعد أن تحوّل إلى الرجل الثاني في الاتحادية بعد اللواء عباس كامل مدير مكتب عبد الفتاح السيسي في المخابرات الحربية ثم في وزارة الدفاع ثم في رئاسة الجمهورية، مشيراً إلى عمله كذلك على خلق ما سمي بـ "مبادرة شباب الإعلاميين" من مجموعة شبابية من العاملين في الإعلام المصري الموالي للنظام، تم تسويقهم في الإعلام بصفتهم "أصحاب رؤى إصلاحية"، ودعوتهم إلى جلسات مُغلقة مع الرئيس، وحتى تعيين اثنين منهم بالمكتب الإعلامي.



لكن دينا برعي، مستشارة التقييم في البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب تؤكد أن "صاحب فكرة البرنامج هو الرئيس عبد الفتاح السيسي"، قائلة في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد": "البرنامج يتبع رئاسة الجمهورية، والرئيس صاحب فكرته، وليس له اتجاه سياسي ولا يتبع أي تنظيم سياسي وليس هدفه السيطرة على السلطة أو احتكار المناصب".

وتضيف "نجح البرنامج في تدريب 2500 شاب وشابة خلال أول عام على انطلاقته عبر 10 دورات، مدة الواحدة منها 8 أشهر، فيما ارتفع عدد الدورات اعتباراً من العام الثاني ليصل إلى 12 دورة سنويا، خصوصاً بعد زيادة أعداد المتقدمين للبرنامج من كافة أنحاء الجمهورية من مختلف المستويات الاجتماعية، من دون تمييز أو تفضيل لأحد سوى بالمعايير المُحددة التي تشمل في المقام الأول مدى استعداد المتقدم لاستيعاب المناهج التي تقدّمها الدورات".


محاضرات عسكرية

خاض معد التحقيق تجربة حضور الدورات التدريبية التي ينظمها البرنامج للمشاركين، بعد اجتياز مرحلة التسجيل عبر الموقع الإلكتروني، والمقابلة الشخصية التي جرت في مبنى المجالس التخصصية التابعة لرئاسة الجمهورية بالقاهرة، بحضور سارة البطوطي، والتي قدمت نفسها قائلة إنها عضوة بالمجلس التخصصي للتنمية المجتمعية التابع لرئاسة الجمهورية، وموظفان من مؤسسة الرئاسة اكتفيا بتعريف نفسيهما بأنها يعملان بالرئاسة، ووجّهت البطوطي الأسئلة مستفسرة عن المؤهل الأكاديمي والانتماء السياسي، وأسئلة غير مباشرة عن الأوضاع السياسية مثل ما رأيك في تظاهرات 30 يونيو؟.



وفي أولى محاضرات "العلوم السياسية والأمنية"، والتي قدّمها اللواء أركان حرب محمد صلاح الدين حسن، مدير كلية الدفاع الوطني، تحدّث فيها عن حروب الجيل الخامس التي تُشكل تحدياً للدولة المصرية، وعن حتمية دعم المؤسسة العسكرية في حروبها الدائمة تجاه المؤامرات التي ينفذها ممولون داخل وخارج البلاد، بينما تضمّنت محاضرات العلوم الإدارية مُشاركة للواء مختار محمد علي، مدير الكلية العسكرية لعلوم الإدارة لضباط القوات المسلحة، والذي تحدث في محاضرته عن أهمية الانضباط والالتزام داخل المؤسسة العسكرية، والذي ينبغي الاستفادة منه في كافة مناحي الحياة العلمية.

وحصل معد التحقيق على صور حصرية تُظهر حصول عدد من أعضاء البرنامج على دورة الدراسات الاستراتيجية والأمن القومي بكلية الدفاع الوطني في أكاديمية ناصر العسكرية العليا.


إعادة استنساخ مشروع مبارك الابن

خلال عهد الرئيس السابق محمد حسني مُبارك، أطلق الحزب الوطني (المنحل بموجب حكم المحكمة الإدارية في إبريل/ نيسان 2011)، "سلسلة معسكرات تدريبية لمجموعات شبابية منتمية للحزب في كافة المحافظات، وشملت جلسات حوار مع أعضاء لجنة سياسات الحزب، ونجل الرئيس جمال مبارك، كما جرى تنظيم لقاء مفتوح مع الرئيس مبارك بشكل سنوي"، كما يقول محمد كمال، أمين لجنة التدريب والتثقيف في الحزب الوطني وأستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد"، مشيراً إلى أن هذه الجلسات إحدى الوسائل المُقترحة وقتها من قِبل الماكينة السياسية للحزب، من أجل فتح قناة تواصل بين القيادة السياسية والشباب. وتابع كمال "في العهد السابق كانت الدولة لها حزب، وكانت المعسكرات تشمل تنظيم جلسات للحوار والتثقيف السياسي، بينما في العهد الحالي الدولة ليس لها حزب بشكل رسمي، وابتكرت ما سمته اصطلاحاً بالبرنامج الرئاسي للشباب حتى تسدّ ثغرة عدو وجود حزب للدولة".

وشملت المعسكرات الشبابية للحزب الوطني لقاءات مع قيادات بالحزب مثل جمال مبارك الأمين العام المساعد وأمين السياسات السابق للحزب الوطني الديمقراطي، وكبار المسؤولين مثل وزير الشباب، وأمين المجلس القومي للشباب، وفق ما أضافه كمال في إفادته، مشيراً إلى "أن الحزب الوطني وصل عدد أعضائه من الشباب إلى 60% من منتسبيه، ما استدعى تصميم برامج تمكين سياسي تستهدف إعداد القيادات الشابة يتم تدريب الشباب عليها في المعسكر السنوي الرئيسي للحزب في أبو قير بالإسكندرية، فضلاً عن زيادة تمثيل الشباب في إدارة الهيئات الشبابية، وهو الأمر نفسه التي تقوم به مؤسسة رئاسة الجمهورية عبر البرنامج الرئاسي في الوقت الحالي".

ويقر خالد حبيب الموصوف إعلامياً بمصمم البرنامج، بما قاله الدكتور كمال، مؤكداً في تصريحات صحافية، أن أهداف البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب ربما تتطابق مع البرامج المقدمة من معهد إعداد القادة في عهد الرئيس مبارك، لافتاً إلى أن الفساد أعاق محاولات التطوير في عهد مبارك.



بينما يمضى مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية في جامعتي القاهرة والأميركية، بعيداً في وصف ما يقوم به النظام الحالي عبر البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب، على أنه استنساخ لمحاولات الأنظمة السابقة في تأسيس لجان من أجل تجنيد شباب يدينون لها بالولاء، مثل منظمة الشباب الاشتراكي في العهد الناصري، ومعسكرات الحزب الوطني برعاية نجل مبارك، لافتاً إلى أن الفارق بين معسكرات الوطني المنحل وبرنامج السيسي الشبابي يتمثل في أن معسكرات الحزب الوطني كان فيها قدر أوسع من الحرية، ومساحة أوسع للنقاش، خلافاً لجلسات الحوار بين الرئيس والشباب المنبثقة عن البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب، إذ يتعامل منتسبو هذه البرامج مع الرئيس والنظام بقدسية وأبوية عالية.

ووصف السيد، المؤتمرات الوطنية للشباب، وبرنامج تأهيل الشباب للقيادة، بأنه يأتي ضمن مسعى من السلطة الحالية لتسويق مسألة اهتمام "السيسي" بالشباب، وإشراكهم في اتخاذ القرار، موضحاً أن الواقع كاشف لحجم تناقضات السلطة التي أقصت كافة الأصوات الشبابية المستقلة، وخلقت مناخاً عاماً من الخوف.

ويتفق عمر عاشور، أستاذ العلوم السياسية بجامعة إكستر في بريطانيا، مع الرأي السابق، موضحا أن "صورة النظام الحالية داخلياً وخارجياً قمعية بامتياز، إذ يسجن الشباب، ويقتل المعارضين وبينهم شباب كذلك، ومن أجل ذلك تم استنساخ هذه البرامج الشبابية لتجنيد مئات الشباب الموالين، وإظهار ذلك في وسائل الإعلام الموالية، ومن ثم العالمية، لتسويق اهتمام الرئيس بالشباب، في محاولة لتحسين صورة النظام في الغرب بشكل أساسي"، ويستشهد عاشور على ذلك "بما جرى في المؤتمر الوطني للشباب الذي عُقد بمدينة أسوان مؤخراً، بالتزامن مع زيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى مصر، وقائمة العفو الثانية عن عدد من الشباب المحبوسين والتي سبقت زيارة السيسي إلى واشنطن".

ويتوقع عاشور بروز عدد من هؤلاء الشباب الذين يتم تأهيلهم في البرنامج الرئاسي، وحصولهم على فرص قيادية كبيرة داخل جهاز الدولة، ضمن المنظومة التي تعمل على خدمة الرئيس والسلطة الحاكمة والدعاية لها، موضحاً أن معيار الولاء السياسي هو المُحدد الرئيسي لاختيار هذه المجموعات الشبابية للمُشاركة في هذه البرامج، أو في جلسات الحوار للمؤتمرات التي ترعاها رئاسة الجمهورية، مدللاً على ذلك باستبعاد شباب الأحزاب السياسية المُعارضة للسلطة من هذه الجلسات، وهو ما يتوافق مع ما كشفه خالد حبيب في تصريحات صحافية بأنه يتم عمل تحريات أمنية عن الراغبين في الانتساب إلى البرنامج، قائلاً "تم عمل مراجعة أمنية للمتقدمين، ومن ينتمي إلى كيانات إرهابية يتم استبعاده".