باديو وغوشيه.. جدليات مستقبل الديمقراطية

25 فبراير 2018
الصورة
(مارسيل غوشيه)
+ الخط -

بدا كما لو أن الديمقراطية الليبرالية والنظام الرأسمالي قد حقّقا انتصاراً مطلقاً بعد سقوط جدار برلين وتفكّك الكتلة السوفياتية، حتى إن بعضهم بدأ يتحدّث عن نهاية التاريخ. اليوم، يجري الحديث في كل مكان عن أزمة راديكالية للديمقراطية وليس أدلّ على ذلك من الانتشار الكبير للحركات الشعبوية في الغرب الرأسمالي، وتحوّل السياسة بالنسبة لبعض المنتقدين، وعلى رأسهم عالم الاجتماع الألماني فولفغانغ شتريك في كتابه "شراء الزمن"، إلى رهينة للمؤسسات المالية العالمية.

نحاول في هذا السياق التطرق إلى أزمة الديمقراطية انطلاقاً من محاورات جمعت بين فيلسوفين فرنسيين معاصرين حول هذه القضية، هما مارسيل غوشيه (1946) وألان باديو (1937).

تتجلّى أهمية هذه الحوارات من وجهة نظر الفكر السياسي، ليس فقط في التشخيص المختلف الذي يقدّمه كل واحد منهما للأزمة، ولكن أيضاً في تعبيرهما عن موقفين مركزيين ما برحا يسيطران على الفكر السياسي منذ بداياته: الموقف الإصلاحي والموقف الثوري.

يرى باديو أن الستالينية قد زيّفت الفكرة الشيوعية بجعلها الدولة وصيّة على تحقيق هذه الفكرة. وهو يرى أن التجربة التاريخية للشيوعية، التي يتوجب أيضاً النظر إليها كتجربة متعدّدة، لا تقدّم لنا دليلاً قاطعاً حول انهيار الفكرة نفسها، مؤكّداً بأنه ليس هناك سبب يدعونا لتحويل هذه التجربة إلى محكمة تاريخية للتصوّر الشيوعي، مؤكّداً بأن الفترة الزمنية التي استغرقتها هذه التجربة التاريخية من 1917 وحتى 1989 هي أقل بكثير من الفترة التي استغرقتها محاكم التفتيش الإسبانية، التي رغم أنها قامت بما قامت به باسم المسيحية فإن ذلك لم ينزع المصداقية بشكل نهائي عن الديانة المسيحية.

ويرى باديو أن الشيوعية "فكرة أكبر من أن نعهد بها إلى الدولة". وهو يطالب بالعودة إلى الشيوعية الأولى، بدون أن يوضّح لنا ما يعنيه بهذه الشيوعية ولا طبيعة هذه العودة، ويرى ضرورة محاولة المواءمة بين فكرة الشيوعية وزمننا الراهن. بل إنه يرى أن راهننا أصبح مستعدّاً أكثر من أي وقت مضى لاستقبال الفرضية الشيوعية.

لنقف أوّلاً عند تعريفه لمفهوم الفرضية. يقول ألان باديو: "أعني الفرضية في معناها التجريبي مثل نموذج عام للفكر يمكنه أن يفتح الباب أمام تجارب واقعية، ويمكنه عبر ذلك أن يتمظهر باضطراد في الواقع وأن يتم التأكد من صحته".

وفي الآن نفسه يقدّم باديو تعريفاً معاصراً للشيوعية، فالشيوعية بالنسبة له تمثّل، أولاً، إمكانية أن نُخلّص المستقبل الإنساني من القبضة الرأسمالية. وثانياً، تقول الشيوعية بأن الدولة ليست قدراً أو شكلاً طبيعياً لا مفر منه. بل يمكننا ويتوجّب علينا تجاوز الدولة. وثالثاً أن تقسيم العمل (مع الفروقات التي يخلقها بين العمل الفكري واليدوي...) ليس ضرورة مطلقة لتنظيم الإنتاج الاقتصادي. وبلغة أخرى أن الشيوعية تهدف إلى توحيد هذه الأبعاد الثلاثة: تأميم صيرورة الإنتاج، وتجاوز الدولة، وتوحيد وتعدّدية العمل.

لكن الفيلسوف الليبرالي مارسيل غوشيه يرى أن ما يقترحه باديو لا يختلف عما جاءت به الماركسية الكلاسيكية. مؤكّداً أنه من الخطورة اعتبار أن الماركسية التاريخية خطأ، وأنه تتوجّب العودة إلى ماركسية حقيقية. بل إنه يرى، أنه وبغضّ النظر عن التحقّق التاريخي للماركسية فإنه تتوجّب مساءلة الحقيقة الماركسية، باعتبار أنها قدّمت العديد من الفرضيات الخاطئة، ومنها أن ماركس يغلق علينا في فكرةِ أولوية الاقتصاد، أو ما يتعلّق بقَدَرية علاقات الإنتاج التي عبرها ينظّم البشر علاقتهم ببعضهم وبالطبيعة

كما أنه ينتقد فكرة ماركس عن تجاوز الدولة، معتبراً أنها فكرة علموية مرتبطة بما يسميه ماركس بعلم التاريخ، الذي يتوجب حسب غوشيه التشكّك فيه والحذر منه. فكل علم للتاريخ يطلب اختزاله في خطاطة معينة. إن الواقع برأيه يكذّب باستمرار المزاعم العلمية.

ينتقد غوشيه موقف باديو الراديكالي الذي يطلب خروجاً نهائياً من الرأسمالية، مؤكّداً بأن ما يطرحه لا يتمثّل في قطيعة نهائية مع الرأسمالية ولكن في ضرورة تحقيق سيطرة سياسية على الاقتصاد، أي من داخل النظام الديمقراطي نفسه، ولكنه نظام يتطلب الآن تغييراً عميقاً.

وإذا كان باديو يعتبر ـ مستعملاً لغة جاك لاكان ـ أن الرأسمالية تمثّل الآخر الأكبر للديمقراطية، وأن الديمقراطية تخضع لسلطتها وتؤبّدها، إلا أن غوشيه يرى في ذلك مرحلة تاريخية، وليس جوهر الديمقراطية، معترفاً بأن السياسة اليوم تخضع لأيديولوجية نيوليبرالية أصبحت شاملة.

ويرى أن هذا التطوّر يقوم على تفكيك مزدوج للسياسي: أولاً، إن السياسي أُقصي من الخارج بسبب قدوم العولمة، التي تتجاوز القواعد التي تقوم عليها الدولة ـ الأمة، وثانياً، إن السياسي عاجز من الداخل بسبب التعبير عن الحقوق الفردية اللانهائية، التي تتحقّق على حساب السلطة الجمعية.

إن الأزمة التي تمرّ منها الديمقراطية لا تنزع المصداقية عن شكلها، بل إنها أزمة تفرغها من المعنى. فالديمقراطية أضحت في مجتمعاتنا الغربية مجرّد كلمة تخفي من ورائها الخطاطة الفردية والسلطة الاقتصادية ـ المالية. مؤكّداً بأن الحل يكمن في استعادة السياسة دورها، الذي تمت التضحية به لمصلحة اقتصاد منفلت من عقاله، ومؤكداً على ضرورة القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية، شبيهة بتلك التي عرفها بداية القرن العشرين أو المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

يمس تعقيب ألان باديو على موقف مارسيل غوشيه وقراءته للأزمة العديد من الجوانب، منها اعتبار غوشيه أن العولمة حدث جديد على تاريخ البشرية، فباديو يرى أن تلك العولمة بدأت مع المشروع الاستعماري وأن المشروع الماركسي متمثلاً في الاتحاد السوفياتي ومشاريع التحرّر الوطني هي من وقفت ضدها لزمن طويل قبل أن تعاود نشاطها مع انهيار الاتحاد السوفياتي.

لكن أهم خلاف بين الفيلسوفين يتعلق لا ريب بموقفهما من المِلكية الخاصة، فبالنسبة لباديو، فإنه بدون تجاوز للملكية الخاصة لا يمكننا تجاوز الأزمة ولا النظام الذي يؤبدها، معتبراً أن الكلمة المفتاح لعصرنا هي الخصخصة.

المساهمون