انهضْ يا شعبي انهض

22 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
عام 2005، إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، نزلت إلى وسط بيروت مظاهراتٌ مليونيةٌ تطالب برحيل الجيش السوري عن لبنان. نزل اللبنانيون طوائفَ وجماعاتٍ ومؤيدين لزعماء سياسيين انتفضوا على سلطة الاحتلال، فتركوهم ينوبون عنهم في التعبير عمّا اعتبروه استباحةً فاجرةً للسيادة اللبنانية، ومصادرة كلية لمستقبل البلاد.
اليوم، منذ 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، يتظاهر اللبنانيون ضد هؤلاء الزعماء، بلا قادة ولا قرار مسبق ولا تنظيم، وهم إذ يفعلون، إنما ينتفضون ضد رموز طائفيتهم وطوائفهم، لكونها ذاك القمقم الضيق الصغير الذي حُشروا فيه منذ تاريخ مديد، فانتزع منهم الكرامة والقرار والمستقبل وهناءة العيش وحق تقرير المصير.
للمرة الأولى، يتحرّك الشعبُ اللبنانيّ بصفته شعبًا، وليس مجموعة طوائف وجماعات وأحزاب. وللمرة الأولى، يعي أنه لن ينجو إلا بإسقاط هؤلاء الذين صادروا إرادته، وتاجروا بلقمته وشرّدوا أولاده، بوقاحةٍ وجلافةٍ ما بعدها وقاحة. لقد اكتفى اللبنانيون من الاستخفاف بعقولهم، من تخويفهم وتهديدهم وإذلالهم، واختطاف لقمة عيشهم وامتهان كراماتهم. "لقد طفح الكيل"، ردّدها الكبير والصغير من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، ومن الجبل إلى الساحل، و"كلهم (يجب أن يسقطوا ويُحاسَبوا) يعني كلهم". لقد اجتمعوا وكأنهم يعيدون اكتشاف ذواتهم للمرّة الأولى، يتناظرون، ويتخاطبون ويتصافحون ويتعرّفون إلى وجوه بعضهم بعضا: أهلا بالدرزي والسنّي والمسيحيّ والشيعيّ وقد خرج على سلطة طائفته، وهتف ضد زعاماته وأحزابه. أهلا بنا نصبح مواطنين متضامنين ضد طغمةٍ فاسدةٍ، قاتلة، عفنة، منحرفة، تراوغ وتهادن وتحتقر وترفع الإصبع وتهدّد بالسلاح.
فليفهموا، نحن لسنا خائفين. لم يعد لدينا ما نخسره، يا إخوان، وها إننا نشتمكم ونسخر منكم، ونطالب بمحاسبتكم أمام الكاميرات. نهاجم مكاتب نوّابكم وأحزابكم، ونوقف نساءنا بين قوى الأمن وبيننا لكي لا ترسلوا زعرانكم كالعادة، ليندسّوا ويخرّبوا مظاهراتنا السلميّة المتّسمة بالغناء والرقص والاحتفال. نحن لا نهابكم، لا بل إننا نلعنكم وننبذكم وننذركم أنه لم يعد لديكم بيننا مكان. باقون نحن في الشارع حتى تسقطوا، فلا تهدّدوننا بأن الآتي أعظم، إذ ليس أعظم من أن تبقوا على قلوبنا وقلوب أولادنا، لتسوقونا إلى الذبح كقطعان. أعيدوا إلى البلاد ما نهبتموه، إلى خزينة الشعب ما سلبتموه وبدّدتموه وهدرتموه. لقد مضى زمن التآمر علينا بالمحاصصة وتقاسم الصفقات ونهب الثروات واستصغار عقولنا والضحك عليها باستخدام لغة وعودٍ لن تفوا بها يوما...
أبناء لبنان ينهضون للمرة الأولى في تاريخهم، "شعبا" موحّدا يعبّر عن وجعه وقرفه وضيقه، مدركا أخيرا أن شدّته هي هي، في الضفّة المقابلة وفي كل مناطق لبنان. إنها انتفاضةُ وعيٍ سياسيّ مستجدّ، واسع الرؤية، متعدّد الزوايا، مركّب الذكاء، أنتجه وعيٌ طبقيٌّ حادّ وواقعٌ اجتماعي واقتصاد منهار. "ثورة، ثورة، ثورة"، و"الشعب يريد إسقاط النظام"، كتلك التي هتف بها إخوتهم في سائر البلدان العربية، تونس ومصر وليبيا والسودان وسورية والعراق و... أجل مثلها، حتى وإن كان الخوف مما سيلي (وهو كان في معظم الأحيان سيّئا) واقفا لهم بالمرصاد.
اليوم، يقول اللبنانيون لمن يعبّرون بصدق عن خوفهم من الآتي، أو لمن يهددّونهم بالفراغ والإفلاس والانهيار: أجل، يا إخوان، كلنا خائفون، إنما دعونا نفرح اليوم بما يجري، لأنه غير مسبوق. فللمرة الأولى، يتحرّك الناس ضد الطغمة الطائفة السياسية الحاكمة وعصاباتها، ليفهموها أخيرا أنها ما عادت تحكم. لقد انتهت أيامها، ولّت، ولو رجعت، إذا رجعت، فستفعل خائفةً مذعورةً من غضبنا ومحاسبتنا.. أما ماذا بعد؟ فسوف يأتي كل شيءٍ في وقته، لأن الجاري الآن ما كان متوقعا أبدا، صح؟
عددٌ قليل من الساعات يفصلنا عن المهلة التي أعطاها سعد الحريري لنفسه، ونحن نكتب مقالنا هذا مساء الأحد 20 أكتوبر. انسحاب وزراء "القوات اللبنانية" وحدهم ليل السبت يعني أن رئيس الوزراء لا ينوي تقديم استقالته، وأنه سيكتفي وحلفاؤه بتقديم ورقةٍ إصلاحيةٍ استرضاءً للناس. عسانا نكون خاطئين.
يبقى السؤال: ماذا لو رُفضت الورقة الإصلاحية لانعدام الثقة، وهو في مكانه، واستمرّت المظاهرات؟ في مطلق الحال، ما تمّ قد تمّ ولا رجوع عنه. وعيًا وعَينا، وشَعبًا صرنا، عزّل نزلنا إلى الشارع، وبحناجرنا هتفنا: "كلّن يعني كلّن".. حماك الله يا لبنان.