انكفاء الدور المصري في غزة

انكفاء الدور المصري في غزة

16 أكتوبر 2018
+ الخط -

لاعتباراتٍ مفهومة، وأسبابٍ يطول شرحها، لن يُجازف أي طرفٍ من الأطراف المنخرطة في اللعبة المحتدمة، الآن، حول قطاع غزة، مصارحة مصر بحقيقة أن دورها المركزي الحاسم، في شؤون القطاع المحاصر وشجونه، قد آل إلى التراجع بعد طول تعثر، وأن استعادة مكانتها الإقليمية عبر بوابة غزة قد أخفقت من جديد، جرّاء وقوعها في سلسلة من المعالجات الخاطئة حيال ملفات الجوار الفلسطيني المعقدة، ولعل هذه اللحظة الغزّية الكاشفة للأدوار والأوزان وحسن الأداء تقدّم الدليل القاطع على صحة هذا الاستنتاج القابل للمناقشة أكثر.

فبعد البدء بتنفيذ خطة مبعوث الأمم المتحدة إلى المنطقة، نيكولاي ميلادنوف، والشروع بتطبيق حزمةٍ من الإجراءات الرامية  إلى تخفيف الحصار، وإيجاد فرص عمل، وتحسين الخدمات في القطاع، بمنأىً عن الرعاية المصرية الحصرية، لاسيما الرعاية في أوقات الحرب، فقدت الشقيقة الكبرى مكانتها لاعبا أول في غزة، وانكفأ دورها التاريخي الوازن، خصوصا بعد أن أصبحت هذه الخطة بمثابة اتفاق دولي غير مكتوب، أشرف على وضعها موضع التطبيق المتدرج، مبعوث الإدارة الأميركية لعملية سلام الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، وقبلت بها حركة حماس من غير تلعثم، كما نالت موافقة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر.

يصدر هذا الحكم المبكر هنا، وفي الذهن أن مصر تولت ملفيّ غزة المهمين؛ التهدئة مع إسرائيل والمصالحة مع السلطة الفلسطينية، لكنها في المحصلة العملية الملموسة أخفقت في تحقيق أي تقدّم من أي درجة كانت، الأمر الذي وضعها جانباً، لدى دخول العرّاب الأميركي على خط التهدئة، ومن ثمّة تركها على الهامش تلوذ بالصمت، وهي ترى هاتين الورقتين الذهبيتين تُسحبان من بين يديها، لصالح خصومٍ سياسيين تتحسّس القاهرة من وجود ظل لهم في محيطها اللصيق، وهو ما يُضاعف من ثقل الخسارة لدى من أمنت لها أقدار الجغرافيا كلية القدرة، التحكّم بالمسألة الغزّية من الألف إلى الياء من دون منازع.

ومع أن غرينبلات هو مايسترو خطة إنعاش غزة الحقيقي، الممسك بكل خيوطها الدقيقة من وراء ستارة شفيفة، وأن واشنطن هي القوة الدافعة من خلفها، لغاياتٍ تتعلق بصفقة القرن، بدأً من غزة، إلا أن "حماس" المبتهجة بهذه الخطة، أو قل هذا "النصر" ضد كل الخصوم السياسيين، وجهت الشكر حصراً إلى كل من إيران (؟!) وقطر وتركيا والمغرب، والأمم المتحدة، على صنيعهم هذا، ولم تنس الحركة القابضة على سلطة الأمر الواقع توجيه شكر مماثل لمصر، مجاملةً لحامل مفتاح معبر رفح، أو ربما لاتقاء غضبه المحتمل، إذا ما جرى إخراج القاهرة من اللعبة الغزّية بلا حبّة حمص واحدة.

ومما قد يفاقم من خسارة مصر، ويضاعف من حراجة موقفها، جرّاء مثل هذا المتغير المهم في المشهد الغزّي، إدراكها أولاً حقيقة أن "حماس" التي تُبادل جارتها الهواجس والارتياب ومشاعر عدم الثقة أصلاً قد خرجت الآن، أو هي في طريقها إلى الخروج عن الطوع، لصالح تحالفٍ إقليميٍّ مناهض، وثانياً تفريط القاهرة بعلاقتها الحسنة دائماً مع منظمة التحرير التي راقبت بتحسّب مآل مساعي المخابرات العامة المصرية، وهي تقدّم خيار التهدئة مع إسرائيل على حساب المصالحة مع السلطة الفلسطينية، الأمر الذي أدى إلى ما هو أكثر من فتور ظاهر للعيان، وأفضى تالياً إلى معارضة القيادة الرسمية، المعترف بشرعيتها، تلك المساعي المتخبطة، وإرجاعها إلى المربع الأول.

ولعل مصر، المستغرقة في متاعبها الداخلية، هي المسؤولة أساساً عن انحسار دورها في غزة على هذا النحو الدراماتيكي، كونها سلّمت ملف التهدئة والمصالحة لإدارة المخبرات العامة ذات الرؤية الأمنية المحدودة، وليس للخارجية مثلاً، ولم تجشّم نفسها عناء الانتقال من دور الوسيط إلى دور الحكم مرة، وظلت تبدل نصوص أوراقها التفاوضية لدى اعتراض هذا الجانب أو ذاك على بندٍ هنا وبند هناك، ولم تكسب ثقة "حماس" الممنوع على قيادتها السفر من مطار القاهرة إلى الخارج، ناهيك عن إثارتها شكوك السلطة الفلسطينية، وعجزها عن تعليل مغزى كل هذا التسامح غير المفهوم مع الفرع الفلسطيني لحركة الإخوان المسلمين الدولية.