انقلاب يناير 1992: تساؤلات مستمرة حول دوافع الجيش الجزائري

13 يناير 2019
الصورة
دخلت الجزائر دوامة عنف بعد يناير 1992(عبدالحق سنا/فرانس برس)
+ الخط -
على الرغم من مرور 27 سنة على قرار جنرالات الجيش في الجزائر وقف المسار الانتخابي والديمقراطي في البلاد، عقب فوز "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" بالجولة الأولى في أول انتخابات تعددية تشهدها الجزائر، فإن الجدل ما زال قائماً حول الدوافع الحقيقية التي دفعت العسكريين إلى التدخّل حينها ووقف المسار الديمقراطي، ومدى جدية المزاعم بإمكانية تعرّض البلاد إلى فوضى في حال استمر المسار الانتخابي، وعلاقة ذلك بالمآلات المأساوية التي وصلت إليها الجزائر في خضم عشرية من الدم والإرهاب والخراب.

في 12 يناير/كانون الثاني 1992، قدّم الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، استقالته من منصبه تحت ضغط من الجيش الذي كان يطالبه بإلغاء نتائج الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي جرت في 26 ديسمبر/كانون الأول 1991، ومنع إجراء جولة ثانية كانت مقررة في 16 يناير 1992. وكان قد سبق هذه الانتخابات عملية إرهابية في نوفمبر/تشرين الثاني 1991، حين هاجم مسلحون ثكنة للجيش في منطقة قمار بوداي سوف جنوبي الجزائر، وبعدها مسيرة شعبية حاشدة للتيار الديمقراطي في التاسع من يناير 1992، تحذر من "الحكم الشمولي" للإسلاميين وتهديد الحريات والديمقراطية، بسبب الخطاب المتشدد لـ"الجبهة الاسلامية للإنقاذ"، وحيال استقالة الشاذلي بن جديد والبرلمان الذي كان في وضعية حل، وبروز فراغ دستوري. هذه العوامل دفعت الجيش إلى اتخاذ قرار إلغاء الانتخابات وتوقيف المسار الانتخابي وتشكيل مجلس رئاسي يضم خمس شخصيات برئاسة محمد بوضياف، وهو أبرز قادة ثورة التحرير.

لم تكن هذه القرارات التي وُصفت بقرارات إنقاذ البلاد، تلقي فقط الجيش في قلب المعترك السياسي، لكنها كانت أيضاً تلقي البلد في دوامة عنف وفوضى سياسية غير مسبوقة. فقرر الجيش بناء عشرات المعتقلات في الصحراء، واعتقل فيها 30 ألفاً من مناضلي "الجبهة الإسلامية" التي أصبحت حزباً محظوراً منذ مارس/آذار 1992، فيما اضطر الآلاف من مناضلي الجبهة، تحت وقع الملاحقات الأمنية، إلى الهروب نحو الجبال، ووقعوا بين يدي المجموعات المسلحة التي بدأت مواجهة مفتوحة مع الجيش. وتشكّلت هذه المجموعات من تنظيمات عدة، كتنظيم "رابطة الدعوة والجهاد"، و"الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح"، و"الجيش الإسلامي للإنقاذ"، الذي فاوض لاحقاً بدءا من عام 1997 الجيش على مشروع الهدنة والوئام المدني، بعد أن انشقت عنه أخطر جماعة إرهابية، "الجماعة الإسلامية المسلحة"، التي تحوّلت لاحقاً إلى "الجبهة السلفية للدعوة والقتال"، ثم إلى تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" منذ عام 2007.

بعد قرار الجيش عام 1992 وقف المسار الديمقراطي، دخلت الجزائر في دوامة من العنف، خلّفت مقتل أكثر من 120 ألف شخص بحسب أرقام رسمية، و200 ألف قتيل بحسب أرقام غير رسمية، إضافة إلى 7400 مختفٍ، والآلاف من المصابين ضحايا الارهاب، و50 مليار دولار من الخسائر، وتخريب 4 آلاف مؤسسة إنتاجية، كما خسر خلالها تلك الفترة أكثر من نصف مليون جزائري أعمالهم، ناهيك عن التمزقات الاجتماعية والآثار النفسية المستمرة حتى الآن. وحيال هذه النتائج المدمرة، ما زالت الكثير من القوى تحمّل الجيش مسؤولية الزج بالبلاد في حرب داخلية مدمرة، وترفض تقديرات العسكريين الذين قالوا إنهم قاموا بعملية إنقاذ للجزائر من حكم شمولي كان يتهددها من الإسلاميين.

القيادي السابق في حركة "النهضة"، التي أدت دوراً سياسياً بارزاً في معارضة انقلاب الجيش في التسعينيات، عز الدين جرافة، يذهب في قراءة ما حدث من نتائج لانقلاب الجيش في يناير 1992 إلى أنه كان عملاً مدبراً من دوائر أمنية وعسكرية كانت تحاول استعادة السيطرة على البلد. وينفي جرافة، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن تكون التجربة الديمقراطية الفتية في الجزائر، هي التي أدت إلى الفوضى، بحسب ما زعم جنرالات الجيش في يناير 1992، قائلاً "ليست الديمقراطية هي من أنتجت العنف وبعده الإرهاب، بل تم التخطيط لذلك من قبل بعض الدوائر العسكرية والأجهزة الأمنية". ويضيف أن "الواقع السياسي الذي فاجأ الجميع في انتخابات 1990 و1991، هو ما دفع بالمعسكر الذي كانت تسيطر عليه نخبة مستغربة تابعة في غالبيتها للنفوذ الفرنسي، إلى اللجوء لخيار الانقلاب العسكري على الإرادة الشعبية وعلى الديمقراطية ذاتها، بعدما أخذت الموافقة من فرنسا في تلك الفترة، وهذا قادنا إلى العشرية السوداء"، متابعاً: "أعتقد ان العنف والإرهاب كان مخططاً لهما، لكنهما خرجا عن السيطرة، كما تم فقدان السيطرة على الديمقراطية والحراك السياسي قبل الانقلاب، والطرف الذي دفع الثمن غالياً هو الشعب ومن خلاله الدولة الجزائرية".


ولا يزال الكثير من ضحايا المأساة الوطنية يتطلعون إلى محاكمة تاريخية لجنرالات الجيش المتورطين في المأساة، خصوصاً أن عدداً من الملفات والآثار المترتبة عنها ما زالت قائمة، كملف المفقودين وضحايا الاعتقالات الإدارية والتعسفية، حتى وإن كان قانون المصالحة الوطنية الذي أصدره الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في سبتمبر/أيلول 2005، أمّن حصانة للعسكريين وعناصر الأجهزة الأمنية من أي محاكمة ممكنة. لكن جنرالات الجيش الذين كانوا يمسكون بزمام البلد في 1992، وقرروا وقف المسار الانتخابي، لم يُبدوا أي اعتذار أو مراجعة تاريخية لهذا القرار الذي أدخل البلد في دوامة العنف، بل إن غالبيتهم، على غرار الجنرال الراحل محمد العماري والجنرال خالد نزار الذي أصدر مذكراته، يعتبرون أنهم اتخذوا القرار الصحيح في ذلك الوقت، لمواجهة "تطرف الجبهة الإسلامية للإنقاذ". بينما عدد من ضباط الجيش والمخابرات الفارين في الخارج، يؤكدون في كتاباتهم أن قرار وقف المسار الانتخابي وإطلاق "الإرهاب"، كان عملية مدبرة من العسكر.
ويلفت المحلل السياسي احسن خلاص، إلى أن أياً من "جنرالات يناير" لم يبدِ تراجعاً عن قرار وقف المسار الانتخابي، قائلاً "هذا التوقيف ما يزال يثير الجدل، الضباط الذين تحمّلوا مسؤولية القرار لم يتراجعوا يوماً عن قرارهم ذلك، وحتى مشروع الوئام المدني والمصالحة الوطنية التي تبنّوها في عهد الرئيس بوتفليقة، غلب عليها الطابع الأمني أكثر منها تسوية سياسية للأزمة الأمنية".

وبعد هذه التجربة المريرة والدامية التي قام بها الجيش بالتدخّل ووقف المسار الانتخابي، يُطرح سؤال بارز للنقاش في الوقت الحالي في الجزائر، حول علاقة الجيش بالقرار السياسي، وما إذا كان الجيش قد قطع نهائياً مع عهد التدخّل في الشؤون السياسية. ففي يوليو/تموز 2003، أعلن القائد السابق لأركان الجيش، الفريق محمد العماري، انسحاب الجيش بشكل نهائي من الشأن السياسي، وتبع ذلك بدء بوتفليقة خطة تغيير التركيبة القيادية للجيش، وأحال أغلب الجنرالات المتورطين في انقلاب يناير 1992 و"العشرية السوداء" على التقاعد، وأبعدهم من المؤسسة العسكرية، تزامناً مع دفعه بكوادر وجيل جديد من القيادات العسكرية إلى الصف الأول في الجيش.

وتشير البيانات والتصريحات التي تطلقها قيادة الجيش في السنوات الأخيرة، خصوصاً عشية الاستحقاقات الانتخابية، إلى مؤشرات على "توبة العسكر" عن الفعل السياسي. لكن الكثير من المراقبين يعتقدون أن الجيش الذي خرج من قلب دائرة صناعة القرار السياسي، وأبعد عن كاهله المسؤوليات السياسية، بفعل التجربة المريرة في التسعينيات من جهة، وبفعل الشخصية الكاريزماتية لبوتفليقة الذي رفض منذ استلامه السلطة في إبريل/نيسان 1999 أن تقاسمه أي جهة السلطة السياسية، إلا أنه (الجيش) لم يبتعد بالكامل عن التأثير في التوجّهات والخيارات السياسية الكبرى. ويعتقد المحلل السياسي احسن خلاص أن "الجيش الجزائري بعيد عن النأي بالنفس عن السياسة، على الرغم من شعارات الاحترافية المرفوعة منذ أكثر من 10 سنوات، ولن ينأى ما دام المعطى الأمني محورياً في العملية السياسية وما دامت هناك تهديدات وأطراف مستترة".

لم تتح الظروف السياسية في الجزائر إحداث مراجعة هادئة لمجريات قرار يناير 1992، وتدخّل الجيش والجنرالات في العمل الديمقراطي، لكن بعض الكتابات والمواقف الأخيرة لعدد من القيادات العسكرية التي انسحبت من الجيش في وقت لاحق، وأبدت صحوة ضمير حيال ما حدث في يناير 1992 ومخرجاته الدامية، قد تتيح ذلك في السنوات المقبلة، من باب الاعتبار بالتاريخ أكثر منه من باب المحاكمة السياسية.

المساهمون