انفصال كردستان بريكست كردي

29 سبتمبر 2017
+ الخط -
مرّ الاستفتاء على انفصال إقليم كردستان عن العراق بنجاح، وبات الطريق مفتوحاً، من الناحية النظرية، نحو طي صفحة الشراكة بين العرب والأكراد في مشروع الدولة الاتحادية التي تشكلت وفق دستور عام 2005، والذي تم وضعه تحت إشراف المحتل الأميركي، من أجل تنظيم "العملية السياسية"، بما يحفظ حقوق جميع المكونات العراقية.
يضع نجاح خيار الاستفتاء العلاقات بين بغداد وأربيل ضمن مسار جديد، لكنه لا يعني، في أي حال، أن قاطرة الانفصال باتت على السكة، ولا ينقصها كي تتحرّك غير الاتفاق على الجلوس حول طاولة مفاوضاتٍ من أجل التوصل إلى تفاهماتٍ عن شؤون الطلاق، فالمسألة تبدو معقدةً، وتتجاوز مستوياتها الثنائية إلى البعدين الإقليمي والدولي، في هذا الوقت الدقيق جداً الذي تعيش فيه الحرب ضد "داعش" فصلها الأخير في كل من العراق وسورية.
سؤال اليوم التالي، وماذا بعد الاستفتاء؟ بات مطروحاً على طرفي المعادلة العراقية، كما على الأطراف الإقليمية والدولية. ويختلف هذا السؤال، في أهميته، عن كل الأسئلة التي كانت مطروحة قبل الاستفتاء، وبات مطلوباً من كل طرفٍ أن يقدم إجابة شافية، ترقى إلى طبيعة المرحلة الجديدة من جهة، وبما يناسب مصالحه ورؤيته من جهة ثانية.
خارطة المواقف التي ارتسمت قبل الاستفتاء لن تكون بالضرورة نفسها التي ترتسم الآن، ومن المنطقي أنها سوف تتغير، تبعاً للمصالح التي ستتشكل بعد إنجاز الاستفتاء. كانت الأطراف تعمل للحيلولة دون إجراء الاستفتاء، ومن حول هذا كانت تتشكل مصالح. واليوم بعد أن جرى الاستفتاء، لن تبقى المصالح على حالها، بل سوف تتحرّك، ومثال ذلك ما كان يجمع بغداد وطهران وأنقرة قبل الاستفتاء لن يصمد كلياً بعد الاستفتاء، على الرغم من أن الدول الثلاث تتصرف الآن على أساس تحالفٍ يربطها من أجل منع الانفصال. وينسحب الأمر ذاته على الولايات المتحدة وأوروبا التي سوف تتعامل مع نتائج الاستفتاء، بغض النظر عن الاعتراف به. وهناك وجهة نظر يتردّد صداها في الإعلام الغربي، ومفادها أن الاستفتاء قد حصل وانتهى الأمر، وسيكون مطلوباً من الجميع التعامل مع الأمر الواقع الذي جاء به هذا الاستحقاق، وقد بدأت الكواليس الدبلوماسية في هذه الدول تتحدث عن ضرورة اتباع طريق الواقعية في التعامل مع الخطوة الكردية، وهناك ضغوط على الطرفين، العراقي والكردي، بضرورة التهدئة وعدم الانجرار إلى التصعيد.
في حال نجاح مسعى التهدئة، فإنه سوف يقود إلى خطواتٍ لاحقةٍ، تفتح باب المساومة والجلوس على طاولة المفاوضات التي سوف تلعب فيها الولايات المتحدة دور المايسترو.
في المدى المنظور، تبدو المسافة شاسعة بين مواقف بغداد وأربيل، وخيار الحكومة العراقية هو الاستمرار في الإجراءات العقابية لسلطات أربيل. وبدأت بطلب تسليم النقاط الحدودية والمطارات، وبرّرت ذلك على أنه إجراءات دستورية، وتبين أن بغداد تمتلك قدراً لا يستهان به من الأوراق للضغط على الأكراد، وعكست نبرتها صرامةً وعدم قبول أي تسوية أو حل وسط، والسقف الذي تضعه أمام الأكراد لا ينزل عن إلغاء نتائج الاستفتاء، وأن تتراجع القيادة الكردية عن مشروع الانفصال.
في هذا الوقت، تتصرف قيادة إقليم كردستان ببرودة أعصاب، وتبدو مطمئنة إلى أن إجراءات بغداد لن تكون قابلةً للتطبيق من جهة. ومن جهة أخرى، هي تراهن على موقفٍ دولي يساعدها في مواجهة بغداد وأنقرة وطهران، كما أنها تتصرف من موقع اعتمادها على وقوف الشارع الكردي من خلفها. ولذلك رفضت المهلة التي حددتها بغداد لتسليم المطارات والنقاط الحدودية والتي تنتهي مساء اليوم، إلا أنها لم تكشف عن خطةٍ بديلة، ويبدو وضعها شبيهاً بوضع الحكومة البريطانية التي ذهبت إلى استفتاء بريكست، ولم تتوصل بعد أكثر من سنة إلى خريطة طريق للخروج من الاتحاد الأوروبي.