انطلاق المصالحة الوطنية الأفغانية... نجاح نادر لحكومة كابول

انطلاق المصالحة الوطنية الأفغانية... نجاح نادر لحكومة كابول

25 فبراير 2016
الصورة
يتجوّل عناصر الجيش و"طالبان" معاً في بعض المناطق(عزيز سنا/الأناضول)
+ الخط -
لا شكّ أن الحكومة الأفغانية فشلت في مواجهة الكثير من الملفات الداخلية، لا سيما في ما يتعلق بالأمن والاقتصاد، بيد أنها نجحت إلى حدّ كبير في سياساتها الخارجية، تحديداً في تلك المتعلقة بقضية المصالحة الوطنية الأفغانية. وأعلنت وزارة الخارجية الأفغانية، أمس الأول الثلاثاء، عن تحديد الأسبوع الأول من شهر مارس/ آذار المقبل موعداً للحوار المباشر بين الحكومة الأفغانية والجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حركة طالبان.

وذكر بيان الخارجية الأفغانية، عقب الاجتماع الرباعي بين أفغانستان، وباكستان، والصين، والولايات المتحدة بشأن الحوار الأفغاني، في كابول، أن أعضاء الدول الأربعة المشاركين في الاجتماعات التحضيرية يطالبون الجماعات المسلحة بتعيين مندوبين لهم ليشاركوا في الحوار المباشر، لأنّ الحوار البناء هو الحل الوحيد لحلحلة الأزمة الأمنية الأفغانية.

ويُعدّ دخول الصين والولايات المتحدة على خط المصالحة، وقبولهما الإشراف على سير العملية، من أهم نجاحات الحكومة، التي تسعى وتأمل في أن تساهم فيها إيران والهند أيضاً. مع العلم أن هذه الفكرة قد أثيرت خلال زيارة وزير الخارجية الأفغاني، صلاح الدين رباني، إلى بكين في نهاية شهر يناير/كانون الثاني الماضي.

ولمّح بيان الخارجية إلى أن الاجتماع الرباعي الخامس سيعقد في إسلام أباد مباشرة بعد إجراء الحوار المباشر بين أطراف الصراع الأفغاني للتقييم واتخاذ قرارات بشأن المستقبل. ولم تؤكد حركة طالبان حتى الساعة ما إذا كانت ستشارك في الحوار وتلبي دعوة كابول. لكن مراقبين يرون أنّ مواقف "الحركة" الأخيرة تشير إلى أنها مستعدة للحوار.
 
وسبق أن أعلن الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيا، الثلاثاء، عن استعداده للحوار المباشر مع الحكومة الأفغانية شريطة عدم تدخل القوى الدولية في شؤون الصلح وأمور البلد بشكل عام. 

في غضون ذلك، أعلنت الحكومة الأفغانية، الثلاثاء، إجراء تغييرات أساسية في المجلس الأعلى للمصالحة الأفغانية. وعُيّن القائد الجهادي السابق، بير سيد أحمد جيلاني رئيساً جديداً للمجلس. كما تم تعيين عدد من علماء الدين والشخصيات الجهادية أعضاءً للمجلس.
وكان وزير الخارجية الأفغاني صلاح الدين رباني، أكد في افتتاح اجتماع كابول، أنّ دور باكستان هو الأهم في إنجاح المصالحة الأفغانية، داعياً جميع أطراف الصراع إلى الحوار.

ويأتي الهدف من إشراك كل هذه الدول في عملية المصالحة لإتاحة الفرصة لتنفيذ الخطة التي رسمتها الحكومة للتعامل مع الجماعات المسلحة، وهي "الحوار مع من يقبل الحوار، والعمل الميداني ضد من يعرض عنه". وتعتبر الحكومة الأفغانية أن حركة "طالبان" والجماعات المسلّحة تحصل على دعم متواصل من بعض دول المنطقة، وأن خطة الحوار والعمل الميداني ضد المسلحين في آنٍ واحد، وبمساهمة ورضا كل تلك الدول، هو الحلّ الأساسي للأزمة.

لعلّ سياسة الحكومة الأفغانية بإيجاد إجماع لدول المنطقة والقوى العالمية من جهة، وما تعرضت له حركة "طالبان" من التغيرات الداخلية بعد الإعلان عن وفاة زعيمها الراحل الملا عمر، في يوليو/تموز من العام الماضي من جهة أخرى، قد أجبرا حركة "طالبان" على مراجعة موقفها إزاء الحكومة الأفغانية والمصالحة معها.

كما بدا التغيير واضحاً في موقف الحركة أخيراً بعد مشاركتها في اجتماعات العاصمة القطرية الدوحة، التي انعقدت بهذا الخصوص في 22 يناير/كانون الثاني الماضي، بإشراف مؤسسة "بغواش". لم تلمّح الحركة إلى استعدادها للحوار المباشر مع الحكومة فحسب، بل إن الشروط التي وضعتها للمصالحة باتت طبيعية جداً، ويُمكن التباحث بشأنها. على رأس تلك الشروط، شطب أسماء قادة الحركة من قائمة المطلوبين، وإجراء تغيير في الدستور.

اقرأ أيضاً: جبال العاصمة الأفغانية تقتل سكانها ببطء

أما فيما يتعلق بالحوار المباشر بين "طالبان" والحكومة الأفغانية، فتشير تسريبات صحافية إلى زيارة اثنين من أعضاء مكتب الحركة السياسي في الدوحة، وهما المولوي شير محمد عباس ستانكزاي، والمولوي دين محمد، لإسلام آباد، بعد الاجتماع الرباعي الثالث لكل من أفغانستان وباكستان والولايات المتحدة والصين، الذي عُقد في السادس من شهر فبراير/شباط الحالي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

لم يخرج ما دار من حديثٍ بين الطرفين إلى العلن خلال الاجتماع، ولكن جميع الأطراف أعلنت بعده أن الحوار المباشر بين الحكومة الأفغانية و"طالبان" سيبدأ قريباً، وقد يتم الإعلان عنه نهاية الشهر الحالي.

في هذا السياق، قال الرئيس الأفغاني أشرف غني أحمد زاي، في كلمة له بمناسبة ذكرى انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان في 15 من الشهر الحالي، إن "الشعب الأفغاني سيسمع قريباً أخباراً سارة بشأن المصالحة الأفغانية"، داعياً مرة أخرى الجماعات المسلحة إلى "الحوار البنّاء".

الأهم هنا أن الحكومة الأفغانية لم تكتفِ بالحوار مع "طالبان" كجماعة، إنما تعمل في أقاليم مختلفة في جنوب أفغانستان، لإغراء قيادات ميدانية بشتّى الوسائل والسبل لعقد حوار معهم، وإقناعهم بالتخلي عن العمل المسلح والانضمام إلى مسيرة المصالحة.

في هذا الصدد، تستعين الحكومة الأفغانية بشيوخ القبائل وعلماء الدين والجيوش القبلية الموالية للجيش الأفغاني، كما تُخصّص أموالاً طائلة في هذا الشأن. وقد تكللت الجهود بنجاح نسبي في بعض المناطق، منها على سبيل المثال مديرية خوجياني الجبلية في إقليم ننجرهار، شرقي البلاد، حيث توصل الطرفان إلى اتفاقية تمّ بموجبها وقف إطلاق النار بينهما.

كما ينصّ أحد بين بنود الاتفاقية على عدم تعرّض "طالبان" لكل من يعمل في الجيش والشرطة. وقد شارك في الجلسة، التي عقدت الأسبوع الماضي بهذه المناسبة في منطقة وزير، عدد كبير من شيوخ القبائل وعلماء الدين. كذلك بث ناشطون تسجيلات مصورة لجنود الجيش الأفغاني ومسلّحي "طالبان" في كل من إقليم أورزجان ونيمروز، وهم يتجولون مع بعضهم البعض. وفي أحد تلك التسجيلات يتحدث جندي في الجيش الأفغاني وهو يقف مع أحد مسلّحي "طالبان"، قائلاً "توصّلنا إلى اتفاق مع المسلحين ألا نتعرّض لبعضنا البعض، وألا نقتل بعضنا البعض لمصالح أجنبية".

كذلك هي الحال في إقليم هلمند، أحد الأقاليم الأفغانية التي تشهد معارك ضارية بين "طالبان" والجيش الأفغاني حالياً. ويقول الجنرال عبد الجبار قهرمان، المشرف على الوضع الأمني في الإقليم، إن حلّ المعضلة الأمنية في الإقليم ليس الحرب، ولا يمكن القضاء على ظاهرة التسلّح من خلال الخيار العسكري، وأن الحكومة بدأت بإجراء حوار مع القادة الميدانيين في الإقليم، وقد توصلت إلى حل مع بعض هؤلاء.

إلى ذلك، تتهم "طالبان" الحكومة الأفغانية بسعيها لتوزّع الحركة وخلق انشقاقات بداخلها. ويقول المتحدث باسم الحركة، ذبيح الله مجاهد، في تعليق له على انشقاق جماعة جديدة من الحركة، بقيادة المدعو المولوي عبيد الله هنر، إن "الاستخبارات الأفغانية تعمل باستمرار لتفكيك قوة الحركة من خلق تصدعات داخلية في صفوفها، وإن جماعة هنر أحدث الجماعات التي شكلت نتيجة جهود الاستخبارات الأفغانية".

الجماعة الجديدة لم تكتف باتهام "طالبان" وزعيمها الملا أختر منصور بـ"العمالة للاستخبارات الباكستانية ضد مصالح البلاد"، بل أعلنت وبصورة منظمة العمليات المسلحة ضد الحركة في كل من إقليم بكتيكا جنوب البلاد، وغزنة في وسطها. وقد أدت المعارك الضارية بين الطرفين، على مدى الأسبوع الماضي، في إقليم بكتيكا، إلى مقتل أكثر من 100 مسلّح، معظمهم من "طالبان". كما قُتل 30 مسلّحاً، بينهم قيادي مهم في "طالبان" يدعى شمس الله، في معارك بين الحركة وأنصار الملا هنر، في إقليم غزنة.

في هذه الأثناء، بثّت الجماعة المنشقّة تسجيلاً مصوّراً لزعيمها الملا عبيد الله هنر، يصف فيه زعيم الحركة الملا أختر منصور، بأنه "يعمل لصالح استخبارات أجنبية وضد مصالح أفغانستان". يتوعّد هنر وعدد من علماء الدين في التسجيل، من وصفهم بـ"أعداء البلاد"، مؤكدين أن "لهم أنصاراً في عدد من الأقاليم في جنوب البلاد، وأنهم على أهبة كاملة للعمل ضد حركة طالبان، التي وصفها هنر بجماعة الملا أختر منصور".

وسبق أن انشقت عن الحركة جماعة أخرى، بعد الإعلان عن وفاة الزعيم الراحل لطالبان الملا عمر مجاهد، بقيادة المقرّب من الأخير، المولوي محمد رسول. وقد دارت معارك شرسة بين أنصار تلك الجماعة وحركة "طالبان"، في إقليمي أورزجان وزابل في جنوب البلاد، وتتهم "طالبان" كذلك الاستخبارات الأفغانية بـ"تمويل تلك الجماعة".

وبغضّ النظر عن اتهامات "طالبان"، وأسباب تلك الانشقاقات، غير أن الحكومة الأفغانية تستغلّ، من دون شك، حالة الانقسام التي تعرضت لها الحركة بعد الإعلان عن وفاة الملا عمر في يوليو الماضي، وتسعى إلى استخدامها لصالحها، من خلال إشعال فتيلة حرب داخلية بين فصائل وجماعات الحركة، وإغراء القادة الميدانيين بذريعة أو أخرى.

في المقابل، تسعى "طالبان" إلى الحفاظ على وحدة صفها، وتطلب من جميع القياديين فيها عدم الالتفات إلى مساعي الحكومة. كما أنها أعلنت مراراً أن مكتب الدوحة لديه صلاحية التفاوض مع الحكومة الأفغانية وغيرها. وقد شكّلت لجنة لعلماء الدين بقيادة الملا محمد، لتصفية الخلافات مع الجماعات والقادة المنشقين عنها.

وعلى الرغم من كل تلك الجهود، ما تزال الخلافات الداخلية في صفوف "طالبان" متواصلة وتقوى يوماً بعد آخر. كما تتخوّف الحركة من أن الجماعة التي لم تقض على قوتها القوات الدولية والأفغانية طيلة السنوات الماضية، قد تقضي عليها الخلافات الداخلية خلال أشهر.

اقرأ أيضاً أفغانستان: قتلى بمعارك بين فصائل متصارعة داخل "طالبان"

المساهمون