انتخابات بطعم الحرب في ليبيا

20 يونيو 2014
أزمة وقود مفتعلة في طرابلس (الأناضول/حازم تركية/getty)
+ الخط -

أيام قليلة تفصل ليبيا عن موعد الانتخابات النيابية في 25 يونيو/حزيران الجاري. انتخابات تجري على وقع المعارك في الشرق الليبي، حيث يقود اللواء المنشق، خليفة حفتر، عملية عسكرية تحت شعار محاربة "الارهاب"، فيما تعيش العاصمة طرابلس، أزمات معيشية وأخرى أمنية، يرى البعض أنها مفتعلة، لدفع الناخبين إلى مقاطعة الانتخابات، على قاعدة أنّ عدم إجرائها يفيد الحكومة الحالية برئاسة عبد الله الثني للبقاء، حسبما يقول خصومها.

شرق ساخن

لا يزال الشرق الليبي، وتحديداً كبرى مدنه بنغازي، يعيش معركة "عملية الكرامة" التي يقودها حفتر بدعم إقليمي ضمني، تزوّدها بالأساس مدينة المرج، شرق بنغازي، بمقاتلين متحمسين، غير أنّهم عديمو الخبرة في خوض معارك عسكرية، إذ لم يُعرف عنهم مشاركتهم في المعارك ضدّ كتائب نظام العقيد معمر القذافي. لذلك، لا يتوقع أن تحقق حملة حفتر نجاحاً على المدى القريب. وكان المتحدث العسكري باسم حفتر، محمد الحجازي، قد أعلن أن العمليات العسكرية ستعلق في 25 يونيو/حزيران بهدف السماح بإجراء الانتخابات بمدينة بنغازي. غير أن هذا التصريح على الصعيد العملي، غير ذي قيمة، إذ يمكن إجراء الانتخابات بأكثر من مركز انتخابي في بنغازي، حيث تنحصر عمليات حفتر في مناطق الهواري والقوارشة وسيدي فرج فقط، بينما باقي مناطق ودوائر بنغازي الانتخابية ليست معرضة للهجمات. كما لا تظهر حماسة لدى حفتر إزاء تنظيم الانتخابات فعلاً، بدليل التصريح الملتبس الذي أطلقه حفتر نفسه، وأوحى فيه أنه سيسمح بإجراء الانتخابات "في حال أراد الشعب ذلك".

إضافة إلى ذلك، فقد أغلق محتجون مؤيدون لحفتر في مدينة البيضاء شرق بنغازي، فرع المفوضية العليا للانتخابات منذ أكثر من أسبوع، ومن المحتمل ألا تجري انتخابات مجلس النواب في المدينة التي تُعَدّ معقل كتابة دستور ليبيا الجديد من قبل "هيئة الستين". ويبدو مستحيلاً إجراء انتخابات في مدينة درنة، في ظل رفض جماعات مسلحة عديدة لهذه الانتخابات، لأسباب "عقائدية". ودرنة هي المدينة الشرقية الوحيدة التي لم تجرِ فيها انتخابات "هيئة الستين" لكتابة الدستور، بعد تفجير أربعة مراكز اقتراع وإغلاق آخر بقوة السلاح.

وليست هناك توقعات مغايرة لباقي مدن الشرق الليبي، وخصوصاً المرج، أحد أهم الحواضن الاجتماعية لعملية حفتر العسكرية، وكذلك مدينة طبرق الحدودية، التي تحتضن قوى اجتماعية قبلية تؤيد "عملية الكرامة".

أزمة الغرب وطرابلس

تتعرض العاصمة الليبية طرابلس، منذ أيام، لأزمات حادة في إمدادات الوقود والغاز وانقطاع يصل لساعات طويلة للكهرباء، مما يعيد مشهد الطوابير على محطات الوقود واسطوانات الغاز، إلى ذاكرة الأشهر الأولى للثورة، عندما كانت طرابلس محاصرة من قبل قوات القذافي.

وضع لا يشجع الناخبين على اختيار نوابهم في ظل أزمات طالت معيشة المواطن اليومية، وخصوصاً أن رئيس المفوضية العليا للانتخابات، عماد السايح، أعلن أن 1.4 مليون ناخب فقط سجّلوا أسماءهم في سجلات الناخبين، من أصل 3.4 ملايين شخص يحق لهم التصويت.

وتشهد طرابلس هذا الوضع المعيشي اليومي في ظل عدم وجود أي نوع من هذه الأزمات بمدينة مصراتة الواقعة على بعد 200 كيلومتر فقط شرق العاصمة طرابلس، وهو ما جعل معلقين على الوضع الليبي يشبهون ما يحدث في طرابلس من أزمات بعضها مفتعل، بالفترة التي سبقت انقلاب الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو/تموز 2013.

وقد بدأت الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مقاطعة الانتخابات النيابية، يقودها دائرون في فلك حزب "تحالف القوى الوطنية" بقيادة محمود جبريل المقيم في دولة الإمارات منذ أكثر من عام. وتهدف هذه الخطوة إلى إعطاء أكبر فرصة ممكنة لحكومة تسيير الأعمال بقيادة عبد الله الثني للاستمرار أطول فترة ممكنة، في ظل اتهامات بالفساد توُجَّه إليها وسابقتها برئاسة علي زيدان، وهو ما قدّم ديوان المحاسبة تقريراً مطولاً بشأنه للمؤتمر الوطني العام.

وتمثل حكومة الثني تحالفات عدة داخل المؤتمر الوطني وخارجه، إذ حاربت كتلة "الرأي المستقل" بقيادة الشريف الوافي، بالتحالف مع رجال أعمال مقربين من حزب "التحالف الوطني"، من أجل إسقاط حكومة أحمد معيتيق المنتخبة من قبل المؤتمر الوطني دستورياً. كما ترتبط هذه الحكومة بكتائب مسلّحة، في مقدّمتها "كتيبة الصواعق" و"القعقاع"، التي يُقال إن زعماءها يرتبطون بعقود بملايين الدولارات مع علي زيدان.

ويخشى هؤلاء جميعاً ألا تستمر حكومة الثني في حال نجاح الانتخابات المقبلة، واختيار حكومة جديدة، وبالتالي خسارة ميزانية تبلغ 58 مليار دينار يمكن توزيعها وفق منطق المحاصصة والفساد الإداري بين الشركاء.

الجنوب الغامض

يعاني الجنوب الليبي من انعزال كبير داخل ليبيا، فلا تُذكر مدنه إلا في إطار حروب قبلية أو مجموعات مسلحة عرقية بهدف السيطرة على منافذ التهريب الممتدة عبر تشاد والنيجر والجزائر، أو في تصاريح كبار المسؤولين الفرنسيين عند استخدامهم للجنوب كبوابة لسيطرة فرنسا على العمق الأفريقي وتصدير حجج تتعلق بانتشار الإرهاب.

ومن المرجَّح أن تنجح الانتخابات البرلمانية في الجنوب، نتيجة الهدوء النسبي الذي يشهده بعد دخول قوات درع الجنوبية إليه، وهي قوات نظامية أغلبها من مصراتة.

في نهاية المطاف، ليس أمام الليبيين في هذه الظروف إلا خياران؛ الأول سلمي يضمن فك الاشتباك الحاصل بين كل المجموعات المسلحة والسياسية، وهو إنجاح الانتخابات، وهذا يتطلب بعد إنجاحها جهداً مضاعفاً يتطلب حواراً وطنياً شاملاً. أما الخيار الثاني فهو الحرب، وهي ستكون بدورها طويلة وستستنزف ما تبقى من مقدرات البلد البشرية والمادية، وسيلعب الآخرون الإقليميون أدواراً كبيرة في زيادة شرخ التقسيم.