اليمين المتطرف في الدنمارك والسويد... تقدم الأحزاب الأكثر تشدداً

26 مايو 2017
الصورة
الأحزاب اليسارية الدنماركية تدعو إلى مواجهة اليمين المتطرف(العربي الجديد)
+ الخط -

يتذكر المواطن الدنماركي من أصول فلسطينية محمد عبد الكريم، بمرارة يومه الأخير في الصف التاسع، إذ كتب زملاؤه عنه في "الكتاب الأزرق" الخاص بتدوين أحلام الطلاب المستقبلية، أنه سيصبح سائق تاكسي.

"ليس في قيادة التاكسي ما يعيب" هكذا قال محمد، لكن الصورة النمطية التي دوّنها زملاؤه عنه هي التي آلمته، الأمر الذي استطاع أن يتخلص منه سريعا ويصر على الالتحاق بجامعة كوبنهاغن ليخوض معترك الحياة حتى نجح في تأسيس شركته الخاصة.

وتمثل حالة محمد نموذجا متكررا، وفقا لما يؤكده أندرس كلاين، الناشط العامل في تأهيل الشباب في بلدية مدينة آرهوس وسط الدنمارك، "إذ يعاني الشباب المهاجرون من صورة نمطية مسيئة تتزايد مع صعود الشعبوية في المجتمعات الاسكندنافية".

تصاعد قوة اليمين المتطرف

منذ عام 2001 يشعر الأسقف الدنماركي المعروف، كيلد هولم، بالقلق من تزايد قوة اليمين المتطرف في آرهوس، حيث يعيش عشرات آلاف المواطنين من أصول عربية، وهو ما جعله يصف أداء حزب الشعب الدنماركي الذي تأسس في عام 1995 بزعامة بيا كيرسغوورد، بـ"الشعبوية" قبل أن ينتشر الوصف خلال الأعوام الأخيرة مع تصاعد قوة اليمين المتطرف في كل أوروبا، إذ تصف النائبة كيرسغوورد التي نجحت في رئاسة البرلمان، الدنمارك بأنه "بلد مسيحي"، ومن أجل تثبيت "الهوية الدنماركية" تدعو السياسية الدنماركية إلى إطعام جميع الأطفال في المدارس الأكلة الشعبية "فراكديلا" المكونة من لحم الخنزير وهو ما تعده دليلا على اندماج الأطفال المهاجرين وتثبيتا لهويتهم الدنماركية على حساب هويتهم الأصلية، "إذ لا يوجد في بلدنا مكان للحم الحلال" كما اعتادت القول.

وأدت ما تسمى بـ"أزمة تدفق اللاجئين" والتي أججتها وسائل الإعلام اليمينية في أوروبا، إلى "اصطفاف سياسي في مختلف دول القارة العجوز، استفاد منه اليمين المتطرف الاسكندنافي"، وفقا لما رصدته الأخصائية الاجتماعية والنفسية في آرهوس ييتا سفينسون.


تقدم الأحزاب الأكثر تشدداً

بالنسبة لعضو قيادة حزب اللائحة الموحدة اليساري، هانس يورغن فإن أحزاب اليمين المتشدد تولد من رحم الأزمات، ولا تتراجع إلا لمصلحة أحزاب أخرى أكثر تشددا، وهو ما يبدو في حالة حزب الشعب الدنماركي اليميني، والذي حصد 21% من الأصوات في انتخابات 2015، ليصبح الحزب الثاني بعد الاجتماعي الديمقراطي، بينما تراجعت شعبية الحزب في الاستطلاعات التي تجريها وسائل الإعلام الدنماركية لتصل إلى 17% خلال العام الجاري، في ظل تقدم مفاجئ لحزب آخر، أكثر تشددا، وهو حزب "البرجوازية الجديدة"، فيما يتقدم كذلك "حزب الدنماركيين" ذو الأيديولوجية النازية، والذي تأسس في 2011، على يد منظره الشاب دانيال كارلسن، والذي يعتقد بأن الحزب سيحصد 16% في الانتخابات المقبلة، بينما ترى دراسة معهد "غالوب" لاستطلاعات الرأي الصادرة في أغسطس/آب الماضي أن الحزب الذي يدعو إلى ترحيل كل المهاجرين القادمين من العالم الثالث "خلال 30 عاما قادمة" إلى بلدانهم، سيحصد ما نسبته 12% من أصوات الناخبين.



في السويد أيضا يلاحظ المراقبون تقدما واضحا لحزب "ديمقراطيي السويد" اليميني المتشدد، والذي تدرج منذ تأسيسيه في عام 1988 من حزب يتبنى الأيديولوجية المحافظة إلى حزب قومي متشدد، في حين يصنفه المحللون السياسيون السويديون اليوم في خانة الأحزاب الشعبوية، وسجل الحزب في عام 2010 نجاحا في دخول "الريسداغن" (البرلمان) بنسبة 5.7 في المائة، بزيادة 3 في المائة عن عام 2006.

وفي إبريل/نيسان الماضي أظهرت استطلاعات رأي سويدية تقدم شعبية الحزب لتصل إلى حوالي 22 في المائة، ليصبح ثاني الأحزاب البرلمانية بعد "الاجتماعي الديمقراطي"، وهو ما يراه الأكاديمي في جامعة جنوب الدنمارك بينت أبيلغوورد، "نتيجة طبيعية للخطاب الانعزالي التخويفي للحزب والذي يركز على أن أوروبا ستسقط بسبب الإثنيات الأخرى ذات الأصول غير الأوروبية".

من جهتها ترى الباحثة الاجتماعية ييتا سفينسون أن "التقدم الذي طرأ على شعبية الأحزاب الشعبوية في اسكندنافيا سببه تزايد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية. وغياب مشروع أحزاب الوسط الديموقراطية الاجتماعية وتناغم بعض هذه الأحزاب مع اليمين حتى لا تخسر أصوات الناخبين، وتتابع موضحة "السلطة ليست دائما من أهداف الشعبويين الآنية، إنهم يزحفون ببطء ويفرضون على الأحزاب التقليدية تبني مواقف متطرفة يحدث هذا في السويد والدنمارك والنرويج. المواطن أحيانا يتساءل عن الفرق بين اليمين المتشدد ويمين ويسار الوسط، خصوصا في مسائل التشدد مع اللاجئين والمهاجرين".


من المسؤول؟

يحمل عضو قيادة حزب "اللائحة الموحدة" اليساري الدنماركي هانس يورغن فاد، اليسار ويسار الوسط مسؤولية انتشار أطروحات اليمين المتطرف، إذ تسامحت قيادات هذه الأحزاب مع الخطاب والممارسات التمييزية والإجحاف الذي تعرض له الدنماركيون من أصول مهاجرة.

ويربط يورغن بين "سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، وازدهار الأحزاب اليمينية التي ركزت على عدو جديد هو الإسلام"، ويتفق أندرس كلاين، الباحث السياسي في آرهوس، مع يورغن قائلا: "لا يفهم الشباب لماذا يجب عليهم تغيير أسمائهم من محمد إلى سورن وغيره للحصول على جواب على طلب توظيف. ولا يفهم لما يُرفضون ويُسمّون "مهاجرين" وهم الجيل الثاني في مجتمعهم الذي لا يعرفون غيره".

ويضيف كلاين: "أتعامل مع شبان وشابات رائعين يملكون مؤهلات وطاقات يفتقدها كثر من الأوروبيين، ورغم ذلك وبكل تبجّح يجري التمييز ضدهم. تصاعد التطرف لا أقول إنه سيؤدي بنا إلى حرب أهلية في مجتمعنا، لكنه سيحمل ذروة شقاق واصطفاف مجتمعي سيخرب نسيجنا وضياع رفاهية وتقدم مجتمعاتنا الاسكندنافية ما لم تقلع عن "نحن وهم".


قواسم مشتركة

تحصي الباحثة السويدية المتخصصة في اليمين السياسي آنا صوفيا أندرشون قواسم مشتركة في خريطة عمل أحزاب اليمين الشعبوي القومي في اسكندنافيا، مؤكدة أن هذه الأحزاب تنزل إلى الشارع وتذهب إلى حيث لا تذهب الأحزاب التقليدية، بحيوية ونشاط أكبر وتؤجج المشاعر القومية، كما تشكك بجدوى الاستمرار في منظومة الاتحاد الأوروبي رغم أنها تعتاش على مساعدة هذا الاتحاد المالية للأحزاب. وتركز هذه الأحزاب على صورة الأوربيين باعتبارهم عرقاً أبيض وتستثني منهم العرقيات غير الأورربية، وهو ما يبدو في الملصقات الانتخابية التي تتحدث عن تركيبة العائلة، كما تعادي هذه الأحزاب النخب الثقافية والأدبية باعتبارها "نخباً يسارية ضد الشعب، وتقود مؤامرات بالتعاون مع أصحاب السلطة السياسية"، وتبحث عن أكباش فداء لمشاكل الدول الاسكندنافية وتحملها للمهاجرين والمسلمين واليهود والمثليين وأصحاب الاحتياجات الخاصة، وتغوص خطابات هذه الأحزاب في الخرافات والأساطير والتاريخ الوطني، إذ تتفاخر بالأسلاف وقوتهم (الفايكنغ والإله أودين).

داخل اليمين المتطرف

من أجل معرفة كيفية تفكير المنتمين إلى الأحزاب القومية، سعى معد التحقيق إلى لقاء أحد قيادات حزب "ديمقراطيي السويد"، والذي اشترط عدم الكشف عن هويته، معرفا نفسه بـ"كارل".

وينتمي القيادي الأربعيني إلى عائلة يسارية، لكن اكتظاظ العاصمة استوكهولم ومدن كبرى مثل غوتيبورغ ومالمو بالمهاجرين جعله يغير من أيديولوجيته السياسية وينتمي إلى حزب قومي، إذ يضخم "كارل" أعداد مسلمي بلده، قائلا: "المسلمون في السويد يتزايد عددهم ومساجدهم، نحن لن نسمح بأن يصبحوا 30 في المائة. بلدنا لا يمكن أن يصير متعدد الثقافات".

قلق كارل من "التعددية الثقافية" لا ينطبق على المواطنين من أصل أوروبي، وهو ما يراه باحث الاجتماع السويدي غوتيبورغ بيورن روستلوند، نتيجة غياب النقاش العام حول خطورة الحركات والأحزاب المتطرفة منذ بدأت في التطور واكتساب المزيد من الأنصار، ما أكسبها جرأة وشعبية كبيرة، حتى باتت تجتذب فئات جديدة كل يوم.


كيف يمكن مواجهة اليمين المتطرف؟

ترى القيادية في حزب الشعب الاشتراكي الدنماركي بيا ديور أولسن ضرورة التنسيق بين أحزاب اليسار ويسار الوسط والتخلص من المساومات الانتخابية من أجل وقف تمدد اليمين المتطرف على حساب هذه الأحزاب التي سيطرت على الشارع السياسي الاسكندنافي بقوة خلال العقود الماضية، مع الضغط على حكومات اليمين من أجل وقف سياسات التقشف في قطاعات خدمية تؤثر على توجهات الناخب وتدفعه أكثر نحو التطرف، إذ تحمل أحزاب اليمين المتطرف اللاجئين والمهاجرين مسؤولية التقشف ما يؤجج من المشاعر القومية لدى الاسكندنافيين.



وتؤمن يوسوفينا فوك مقررة شؤون الدمج في البرلمان الدنماركي عن حزب "البديل" (يسار وسط)، بأهمية التنسيق بين رافضي هذه الأيديولوجيات المتطرفة في مختلف الدول الأوروبية وانتهاج سياسة منفتحة على الشباب من أصل مهاجر ومعاملتهم على قدم المساواة مع بقية المواطنين، دون تفريق على أساس الاسم أو العرق، بينما يدعو عضو البرلمان الدنماركي عن حزب المحافظين ناصر خضر، الشاب الدنماركي من أصول إسلامية، إلى عدم الاستسلام للعنصرية والتمييز والانعزال، إذ تخدم هذه السياسات اليمين المتطرف وتزيد قوته السياسية.