اليمن وإيران... حرب من طرف واحد

اليمن وإيران... حرب من طرف واحد

30 اغسطس 2014
الصورة
صالح زار طهران سنة 2000 ( فرانس برس/Getty)
+ الخط -

تشهد العلاقات اليمنية الإيرانية تدهوراً مستمراً منذ اندلاع الأزمة مع جماعة أنصار الله (الحوثيين) في شمالي اليمن، قبل عشر سنوات. تدهور لم يمنع إيران من التأثير الفاعل في الملفات اليمنية الحساسة، عبر الأطر غير الرسمية. ويكاد ينعدم التواصل الرسمي حالياً بين البلدين. فالنشاطات الدبلوماسية محدودة للغاية، وصنعاء ما تزال ترفض استقبال سفير جديد لطهران منذ نحو عامين. كما أن المسؤولين اليمنيين لا يترددون في توجيه الاتهامات لإيران، بالعبث بأمن اليمن، والتدخل في شؤونه.

تحضر إيران بقوة في الملفات الأمنية والسياسية. توجه إليها اتهامات أنها الراعي الإقليمي الأول لجماعة الحوثي المسلّحة، وبعض فصائل الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال. وتتهم أيضاً، بالقيام بأنشطة معادية عبر خلايا "تجسُّسية"، أعلنت الجهات اليمنية القبض على إحداها في العام 2012، واعترفت بالعمل منذ سبع سنوات، بإشراف قائد سابق بالحرس الثوري.

وقد تكون سفينة الأسلحة "جيهان"، التي أعلن الجانب اليمني عن ضبطها في أوائل العام 2013، من أبرز الملفات التي رفعت حدة التوتر بين البلدين، خلال العامين الماضيين، فالسفينة كانت تحمل أسلحة شديدة الخطورة.

وسارع الرئيس اليمني عبدر به منصور هادي، قبل أيام إلى التأكيد على أن "إيران تتدخل في شؤون اليمن بشكل كبير جداً، وتسعى لمقايضة صنعاء بدمشق"، وسط تصعيد جماعة الحوثي احتجاجاتها ضد الحكومة، ونصبها مخيمات لمسلّحيها، على مداخل صنعاء.

هادي، الذي كان يتحدث لقيادات "هيئة الاصطفاف الشعبي"، ونقل حديثه أحد الحاضرين، أشار أيضاً إلى وجود "مستشارين إيرانيين لعبد الملك الحوثي وأربع قنوات تلفزيونية بدعم من إيران، موجهة ضد اليمن".

كما تحدث عن "1600 طالب من أتباع الحوثي يدرسون في إيران". وأشار هادي إلى أن "ضابطين في الحرس الثوري حاولا إنشاء مصنع صواريخ في اليمن". ولا تعتبر هذه الاتهامات الأولى من نوعها، فقد اتهم هادي إيران أكثر من مرّة بالتدخل في الشأن اليمني، لكن تصريحاته هذه المرّة كانت أكثر حدة، إذ اتهم طهران بالسعي للسيطرة على صنعاء بواسطة الحوثيين، وما أثار استغراب المراقبين، أنه لم يتخذ خطوات تقتضيها نوعية الاتهامات.



الدخول الإيراني عبر بوابة الجماعات المسلّحة والانفصالية، يجعل الوصف الأقرب للعلاقات، بين البلدين "حرب من طرف واحد"، هو إيران، باعتبار أن أقصى ما يفعله اليمن توجيه العتاب والاتهامات.

تاريخ مثخن

تستدعي محاولة استقراء العلاقة بين صنعاء وطهران، العودة قروناً من الزمن، لقراءة التراكمات النفسية لهذه العلاقة. البداية من استعانة القائد اليمني الحميَري، سيف بن ذي يزن بـ"فارس" لدحر الأحباش من اليمن، قبل بعثة النبي محمد. تلك الاستعانة التي انتهت بمقتل ذي يزن على يد الجنود الفرس أنفسهم، وعرفت سلالة الجنود تلك بـ"الأبناء" حيث حلت في اليمن وأقرها الخليفة، أبوبكر على حكم صنعاء ما أشعل سلسلة من حروب الردة السياسية اعتراضاً على قرار يثرب.

يشير مؤرخون يمنيون إلى أن الخليفة عمر بن الخطاب، استعان بمعارضي الوجود الفارسي باليمن، في معركة القادسية، التي أسقطت عرش كسرى، ما دفع متعصبي الأسرة الساسانية المطاح بها في "المدائن"، إلى حمل حقد دفين على اليمن واليمنيين.

واستطاع "الأبناء الفرس" بعد ذلك، الاندماج التام في المجتمع اليمني، وصاروا جزءاً منه لكن دولة الإمامة الزيدية، استقوت بفارس غير مرّة، في حقب متباعدة، وخصوصاً أثناء الصراع الصفوي العثماني على منطقة الشرق الأوسط.

وبعدما أطاحت ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962، بدولة الإمامة في صنعاء، وقفت إيران الشاه ضد الحكم الجمهوري، الذي قام على أنقاض الإمامة، وتأخّر اعتراف طهران بنظام الجمهورية في شمال اليمن لسنوات. ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، مطلع الثمانينيات، وقفت صنعاء مع بغداد ضد إيران ــ الخميني، وأرسلت ألوية للمحاربة الى جانب الجيش العراقي. في المقابل عزّزت طهران علاقاتها بنظام جمهورية اليمن الجنوبي، الذي كان آنذاك ضمن "جبهة الصمود والتحدي" المتقاربة مع إيران.

تقارب لم يكتمل

وبتوتر العلاقات اليمنية السعودية على هامش أزمة الخليج الثانية 1990، بدأت العلاقات بين صنعاء وطهران تتحسن تدريجياً، إذ سارعت طهران إلى سد أماكن الفراغ التي خلّفتها الرياض في اليمن، وكان هذا التحسّن يتم برضى من الرئيس اليمني السابق، علي عبدالله صالح. نتيجة هذا التقارب، أمكن لتنظيم الشباب المؤمن (أنصار الله لاحقاً) أن يتشكّل، برعاية حكومية، على مقربة من الحدود مع السعودية.

وتؤكد مصادر محلية أن "سفير طهران في صنعاء، كان يقوم بزيارات متوالية إلى صعدة، وفي هذه الفترة أيضاً. وقد تم ابتعاث العديد من أفراد الشباب المؤمن، وغيرهم للدراسة في قُم ومشهد". وتكلّل التقارب اليمني الإيراني، بزيارات متبادلة بين رئيسي البلدين، علي عبدالله صالح لطهران عام 2000، ومحمد خاتمي لصنعاء عام 2003.

وكان لتداعيات الغزو الأميركي لبغداد 2003، تأثير سلبي على علاقة صنعاء بكل من طهران وتنظيم الشباب المؤمن، الذي آلت قيادته إلى النائب البرلماني، حسين بدر الدين الحوثي، وتطور الخلاف مع السلطات إلى توجيه حملة عسكرية على معقل الحوثي، في صعدة صيف 2004.

منذ ذلك الحين حتى اليوم، شهدت العلاقات بين طهران وصنعاء تدهوراً بطيئاً، ولكنه لم يصل إلى حد القطيعة، رغم ضخامة الاتهامات التي تسوقها صنعاء ضد طهران. وقد شهدت الخمس السنوات الأخيرة معطى جديدأً في سجل الاتهامات اليمنية لطهران، دعمها لنائب الرئيس اليمني السابق، علي سالم البيض الذي يتزعم تياراً قوياً في الحراك الجنوبي يسعى للانفصال. وأعاد الاتهام الموجه لطهران بدعم انفصال جنوب اليمن، إلى الأذهان، مقولة وردت على لسان وزير خارجية إيران زمن الخميني، قطب زاده، الذي صرح لصحيفة "النهار" اللبنانية، في عددها الصادر بتاريخ 4 أغسطس/آب 1980، بأن "عدن وبغداد تابعتان لنا".

وخلال السنوات العشر الأخيرة، بقي موضوع إيران، مادة يستخدمها قادة صنعاء تارة لتخويف السعودية، وطوراً للتقرُّب منها. كل ذلك، بهدف انتزاع دعم سعودي ضد "المد الإيراني في المنطقة". وينطبق هذا الأمر على "صالح" و"هادي" على حد سواء، وإن كان التناقض بين التصريحات والأفعال، هو السمة الأبرز حتى الآن، في سياسة الرئيس هادي تجاه إيران وأصدقائها الحوثيين.

المساهمون