الهزيمة غير الممكنة

28 ديسمبر 2017
+ الخط -
لم نفعل شيئاً سوى أن تملكتنا إرادةُ أن نكون أحراراً، اتخذنا قرارنا ومضينا في الطريق. فكان كلُّ ذلك الدمار، والدماء، واليتم، والثكل، والحرب المفجعة، نتساءل حقاً: هل حريتنا مخيفةٌ إلى هذا الحدّ الذي يتكالب فيه العالم كلُّه ضد وصولنا إليها؟! هل كنَّا عبيداً لهذه الدرجة التي لا تسمح لنا بسلخ رداء عبوديتنا؟! هل كان كلُّ مجرمي العالم يلعبون دور سادتنا الذين يتاجرون بنا في سوق نخاستهم منذ مئة سنة؟!

لا يهمّ، لا أعتقد أبداً أنَّ الإجابة عن هذه التساؤلات ستغير أيّ شيء، ما أؤمن به كعقيدة وغيب أنَّ تراجعنا عن قرارنا السابق صار صعباً جداً، أصعب ممَّا يتخيل كلُّ أولئك السادة.

إذا كان الباطل بهذه الصلابة تجاه إعادة الحقِّ لأصحابه، فليعلموا أنَّ أصحاب الحقِّ أصلب من أن يتركوا حقهم بعد كلِّ هذه الدماء.

سيقولون لنا: ستكون هناك دماءٌ جديدة، ربَّما أضعاف ما حدث لكم، ربّما تستسلمون من كثرة الموت عندما لا يتبقى من يحمل السلاح، ربَّما ينضبُ السلاح فلا تقوون على المقاومة.


سنجيبهم: لم يعد الأمر مهماً، الأرواح تزهق مرة واحدة، والدماء سُفكت في أول جرح نازف لأجل ما نؤمن به، لقد علِمْنا أنَّ الدماء في أماكنها ليست ذات قيمة إذا لم تمتلك إرادتها الكاملة، لا أهمية لأجساد تتثاقل على الأرض من أجل حياةٍ قصيرة مذلة، فلتكن قصيرة، لكن بكلّ العزّة والعزيمة الممكنة.

سنخوض معاركنا كلَّها في جميع الميادين، إنَّ المعركة أمرٌ اعتدنا عليه جيداً، وإنْ نضب السلاح فالثأر لا ينضُب، إنّه مدفون في عمق أرواحنا، صار جزءًا من جيناتنا التي نورثها للأبناء، سيولدون وهم يتمتمون بالثأر، سيتشكل في أعينهم حلمٌ بحجم الوطن، سيرون كلَّ حواجزه التي يجب عليهم تدميرها.

إنّ ألقَ الحرية في أعيننا والروح المتمردة في داخلنا يصعب عليهما أن يتوقفا قبل بلوغ غاياتهما العظيمة، لم يعد هناك أي طريقة للهزيمة، ستنشأ الأجيال وعلى شفاهها مطلبٌ واحد ولعنة واحدة. الحرية التي خُلقنا من أجلها، واللعنة على الطغاة والمتخاذلين ومن يتوقفون عن الكفاح. سيكون في جِيْدِ كلِّ طفلٍ ندبةٌ حمراءُ اللون تذكِّره بحجم الأمانة والدماء والوصايا.

سيكون الموت أسهل ما يمكن أن يحدث، وستغدو الحياة مجرد أداة لقهر الطغاة، وتحقيق الكرامة والعدالة، والتمرد على كلِّ المستبدين والظالمين.

إنَّنا ثابتون على هذه الأرض كالجبال، أقدامنا راسخة، وسواعدنا تعانق السماء، حتى يرضى الله. فلا يغرنَّكم ما يجري في كواليس السياسة وأقبية أمراء الحرب.

الوطن نحن أصحابه، ونحن ملّاكه الحقيقيون، جميعنا يملك صكوكاً تثبت ذلك، مختوماً عليها بقلاع مدمرة، ومدن منهارة، وممالك زائلة، ودماء طافحة، وأشلاء ممتدة ومتناثرة، وتاريخ من المحاولات البائسة لأمثالكم، ونحن باقون لا نفنى ولا ننتهي، ونُخلق من العدم.

لقد أبصرنا جمال الحرية الخالدة ولن نترك طريقها، لن تستطيعوا معرفة متى نخسر ومتى ننتصر، سنفاجئكم دوماً بقيامات جديدة تأخذكم إلى جحيمكم الموعود، ولن تستريحوا أبداً، ستتقلبون بين جحيم دنيانا، وعذابات آخرتكم.

لا تحاولوا أن تطيلوا ابتساماتكم المرتعشة، ستصحون يوماً على حقيقة هزيمتكم المفجعة، ونصرنا القريب، يومَ ننصب الراية في أعالي الجبال، ونكون نحن عمادها، يومها لن تنكسر ثانية، ولن نُهزم حتى ذلك الوقت، سنواصل القتال والنضال والعمل، فهو ما نجيده فقط، لم نعد نجيد البكاء ولا الرثاء ولا الحزن، صارت أشياء منسية بالنسبة إلينا، فيض الدماء قد محاها من حاضرنا وتاريخنا ومستقبلنا، ما نفعله هو تربية الثأر فحسب، نحن اللعنة التي دعا بها الآباء والأجداد عليكم، وسنصيبكم في مقتلةٍ لا تصحون بعدها.

إن ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين