النكبات

14 يونيو 2019
الصورة
إبراهيم الحسون/ سورية

يضع أمين الريحاني عنوانَين غريبَين لكتاب واحد. أمّا الأول فهو "النكبات" وهو العنوان الرئيسي، وأمّا الثاني، الفرعي، فهو "خلاصة تاريخ سورية منذ العهد الأوّل بعد الطوفان إلى عهد الجمهورية بلبنان".

ووجه الغرابة أن يكون قد وضع تاريخ هذه البلاد في دائرة النكبات من جهة، والكتاب سيرةٌ بالدم والحديد لتاريخ هذه البلاد المسكينة، وأن يكون هذا التاريخ المنكوب المدمَّر ممتدّاً إلى تلك العصور الغابرة التي يقدّرها هو نفسه بنحو خمسة آلاف عام، حتى اليوم الذي كتب فيه الريحاني هذه السيرة في نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين.

وسوف يَعجب المرء من أن تكون النكبات قد عمّرت في تاريخ هذا البلد خلال كل هذه القرون، وأن تكون قد تحملت هذا التاريخ العجيب من القهر والاستعباد والسلب والنهب وظلّت قادرة على الحياة.

وقد ردّ أصل تلك النكبات التي ألمت بسورية، وهو يعني سورية الطبيعية التي عُرفت ببلاد الشام، وتشمل سورية الحالية ولبنان وفلسطين والأردن، إلى أمرَين: الأوّل هو توالي الحكّام المستبدّين عليها واحداً بعد آخر، والثاني هو تردُّد الغزاة على أرضها جماعات بعد أخرى أيضاً. وبسبب أولئك وهؤلاء ما أكلت "سورية" في هذا التاريخ الطويل المُظلم "غير النبوت"، وهي العصا الطويلة التي تغرز المسامير في رأسها و"خبز العبودية"، كما يقول الريحاني في هذا الكتاب.

وبسبب صغر حجم الكتاب، وهو يزيد عن مئة وخمسين صفحة بقليل، فقد أرسل الكاتب المعلومات بما يشبه البرقيات... فصول قصيرة مكثّفة محشوّة حشواً بأخبار الملوك والقادة من بين كل من تعاقب على حكم هذه البلاد، سواء كان من أهلها، أو من الغزاة الذين اجتاحوها. وفي كل فصل من هذه الفصول يورد الكاتب أبرز ما قدّمه أولئك من فنون الدمار.

ما الذي فكر فيه أمين الريحاني قبل أن يكتب هذا الكتاب؟ مخاطبة الحكّام العرب كي يحكموا بلدانهم بالعدل، بعد استعادة سيرة المستبدّين الذين نكبوا سورية منذ أقدم العصور؟ أم تذكير الناس بأن الغزاة ما كانوا يوماً حريصين على دماء أهل هذه البلاد ولا على أرزاقهم وأموالهم؟

ولعلَّ الرسالة التي وجّهها الريحاني في مطلع الكتاب إلى الملوك والرؤساء العرب تدل على المنحى الذي حاول بعض المفكّرين العرب أن يوجّهوا كلماتهم فيه، وهو منحى إصلاحي يعتقد أن صاحب السلطة العربي قد يستمع إلى صاحب الفكرة العربي.

وإذا ما بحثنا في عصر الريحاني، وفي العصر الذي سبقه، فإننا قد نلتقي بالمزيد من الكتّاب العرب في عصر النهضة العربية، ومن جاء من بعدهم، غير أمين الريحاني، ممّن اعتقدوا أن بوسع الرسائل التي يرسلونها إلى الحاكم أن تساعد في تغيير وجهة الحكم.

لم يعش الريحاني كي يرى أين وصلت سيرة النكبات بعد الزمن الذي ذكره، وقد وجدنا كاتباً آخر هو قسطنطين زريق يكتب بعد ضياع فلسطين في 1948 كتاباً سمّاه "النكبة"... كان استمراراً للسيرة ذاتها التي لم تنته فصولها بعد.