النصب باسم العلم في مصر... جوائز علمية وهمية للكبار والصغار

24 سبتمبر 2018
الصورة
تزايد حالات ادعاء الفوز بجوائز علمية في مصر(Getty)
 
 
تفاقمت حالات النصب باسم العلم في مصر، بين الكبار والصغار المحتفى بهم من قبل الدولة والإعلام الذي يروج لحصولهم على جوائز عالمية وهمية من دون القيام بدوره في التحقق من مصداقية ما يزعمونه، عبر الرجوع إلى المصادر الأصلية في ظل عدم منطقية ادعاءات بعض هؤلاء الموصوفين من قبل صحف ووسائط إعلامية مصرية بـ"العبقري الصغير، المخترع الصغير، المخترع الشاب" وغير ذلك من الأوصاف المروجة لهؤلاء ممن يدعون اختراع مركبة فضاء وكلاب إلكترونية لكشف المتفجرات وحتى حفر قناة السويس بشعاع الليزر واستخراج الألماس من غاز الميثان! وحتى إمكانية علاج مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) بالكفتة، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جادة مع الادعاءات المتكررة وحالة "الفلتان والتجهيل المتعمّد" كما يؤكد مشاركون في إعداد هذه المادة.

من بين هذه الحالات الطفل المصري وليد محمد العبادي، الذي حظي إعلاميا ورسميا بلقب "العبقري الصغير" بعد أن تداولته وسائط إعلامية مصرية أجرت حوارات صحافية معه ونقلت عنه حصوله على لقب أصغر بروفسور في العالم من إيطاليا ضمن فعاليات ما روج له الإعلام المصري بأنه مسابقة "أصغر بروفسور في العالم تحت سن 15 عاما" في أغسطس/آب من عام 2015، بالإضافة إلى حصوله على المركز الأول في مسابقة "أرشميدس" في موسكو خلال دورتها الواحدة والعشرين التي عُقدت في مطلع أغسطس/آب الماضي، من دون القيام بالدور المنوط بوسائل الإعلام من تدقيق المعلومة عبر مصادرها الأصلية، الأمر الذي أدى إلى تكريمه واستضافته عشرات المرات في وسائل الإعلام المصرية التي تداولت المعلومات ذاتها حتى تم تكريمه من البرلمان وكثير من الهيئات الرسمية المصرية، بينما لا يوجد أساساً مسابقة إيطالية تحمل ذلك الاسم، كما أن الطفل لم يُسافر إلى روسيا، الأمر الذي يظهر عبر غياب اسمه موقع مسابقة أرشميدس أو أي مشاركة مصرية خلال دورتها الأخيرة.
 
 
 

أما رامي إسماعيل، الطبيب الذي قدمته الوسائط ذاتها بوصفه أصغر جراح قلب في مصر ومساعد الدكتور مجدي يعقوب، البروفيسور المصري البريطاني وجراح القلب البارز، فذاع صيته على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تلك اللقاءات التلفزيونية والألقاب المبهرة، لكنّ بياناً رسمياً صادراً عن مؤسسة مجدي يعقوب لأمراض القلب في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2012 حمل نفي مؤسسة مجدي يعقوب لأمراض وأبحاث القلب ومركز أسوان بأن: "المدعو رامي اسماعيل لم يسبق له العمل أو التدريب بأي شكل أو صفة مع د. مجدي يعقوب أو فريقه، سواء داخل مصر أو خارجها، والمؤسسة إذ تؤكد حرصها على تشجيع الأطباء الشباب ومنحهم فرصاً للتفوق والإبداع، فإنها تؤكد أيضا وبقوة أن ذلك ينبغي أن يتم في الأطر الأكاديمية والتدريبية السليمة المتعارف عليها عالميا، وتحت الإشراف والتوجيه الدقيقين بما يضمن سلامة المرضى وحسن تنشئة الطبيب حديث التخرج، إذ إن أمراض وجراحات القلب هما تخصصان دقيقان يستدعيان دراسة وتدريب لمدد طويلة بعد التخرج (أكثر من 8 سنوات عادة) لاكتساب الحد الأدنى من التدريب والمعرفة اللازمين لتقديم الخدمة الطبية الآمنة".



وعقب دعوة المؤسسة المرضى إلى تحري الدقة في اختيارهم من يلجأون إليهم لتلقي العلاج، أكدت أنها ستقوم باتخاذ الإجراءات النقابية والقانونية ضد كل من تسول له نفسه بالاتجار بآلام المرضى والنصب عليهم، ليتضح بعدها أن رامي إسماعيل
ممارس عام غير حاصل على أية دراسات عُليا في جراحة القلب، إذ أيدت هيئة التأديب في نقابة الأطباء في يناير/كانون الثاني من عام 2017 الحكم الصادر سابقاً في يوليو/تموز من عام 2014 بإيقاف الطبيب إسماعيل وفق ما جاء في مذكرة هيئة تأديب الأطباء الابتدائية التابعة لنقابة أطباء مصر المحررة في فبراير/شباط من العام الماضي، الأمر الذي أكده الدكتور أحمد حسين، عضو مجلس نقابة الأطباء مع لـ"العربي الجديد" قائلا: "أصدرت نقابة الأطباء قراراً بوقف الطبيب المذكور عن مزاولة مهنة الطب لمدة عام، وشطب اسمه من جداول النقابة، بعد الكثير من الكذب الذي روجه على شاشات الإعلام، كما رفضت الهيئة التأديبية التماسه بإلغاء الوقف، وتم إرسال القرار إلى وزارة الصحة منذ قرابة العام".




فوز وهمي


واقعة أخرى تورطت فيها القوات المسلحة إذ أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة على صفحته الرسمية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حصول الفريق البحثي لكلية الطب بالقوات المسلحة على المركز الأول بمسابقة igem العالمية للبحث العلمي والهندسة الوراثية، والتي أُقيمت في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأميركية، وهو ما لم يحدث بحسب ما وثقه معد التحقيق عبر الموقع الرسمي للمسابقة التي انتهت فعالياتها في نوفمبر الماضي، فمن بين 29 جائزة تمنحها إدارة المسابقة، خلا اسم كلية الطب في القوات المسلحة منهم جميعاً، بينما ذكر الموقع أن فريق الكلية حصل على هدية شرفية من إدارة المسابقة كجميع المشاركين البالغ عددهم 107 فرق.
 

 
 


رئيس الأكاديمية الطبية العسكرية

واقعة أخرى شهدها مجال الطب، بطلها اللواء دكتور أحمد حسن فوزي التاودي، الذي يشغل منصب رئيس الأكاديمية الطبية العسكرية منذ عام 2014، وهي أكاديمية تهدف إلى تدريب وتأهيل الأطباء والصيادلة وهيئة تمريض القوات المسلحة، وفق ما عرفت الأكاديمية نفسها على موقعها الرسمي، لكن المفاجأة أن رئيس هذه الأكاديمية تم الحكم عليه نهائياً بالوقف عن ممارسة مهنة الطب لمدة 6 أشهر في إبريل/نيسان من عام 2015، إلى جانب حكم سابق من المحكمة العسكرية ضده في فبراير/شباط من عام 2012 أي قبل تعيينه في المنصب بأكثر من عامين.

ووفق وثائق رسمية حصل عليها "العربي الجديد"، دانت المحكمة العسكرية العُليا التاودي في فبراير من عام 2012، لتسببه في إحداث عاهة مُستديمة لمُجند وغرمته مبلغ 300 جنيه (17 دولارا أميركيا)، وتلا ذلك قرار من الهيئة التأديبية لنقابة أطباء مصر في فبراير عام 2015 بوقفه عن ممارسة مهنة الطب، وهو ما أيدته محكمة استئناف القاهرة بشكل نهائي في 24 إبريل من 2016، إذ قضت الدائرة 128 تعويضات بثبوت الخطأ في حقه، والحكم لصالح المجني عليه بمبلغ خمسين ألف جنيه (2800 دولارا أميركيا) تعويضا ماديا وأدبيا، وذلك عقاباً له على خطئه الطبي وإهماله في حق المجند شنودة رايق سعيد ناروز، والذي أجرى له عملية استئصال دوالي بالساق اليُسرى، بمستشفى القصاصين العسكري، على نحو مُخالف للأعراف الطبية المعمول بها بأن قام بقطع الشريان الرئيسي للساق وربطه بالمنطقة الأربية وعدم عرضه على أحد الأقسام المتخصصة في جراحة الأوعية الدموية، وهو ما أدى إلى انتشار الغرغرينة بالقدم اليسرى مما استوجب بترها"، وفق ما ورد في نص حكم المحكمة، الذي لم يُنفذ حتى الآن، ليبقى الحكم طي الكتمان من دون أن يعرف أحد به، وليستمر اللواء التاودي في المنصب الطبي العسكري الرفيع المفترض أن يؤدي إلى تطوير الأطباء والصيادلة وهيئة تمريض في القوات المسلحة، بينما أدين وفق حكم نهائي أرسل إلى وزارة الصحة، وفق تأكيد مصدر طبي رفض ذكر اسمه.
 

 
 


الجهل سيد الموقف

تشي الوقائع التي وثقها معد المادة، بما وصل إليه حال العلم والتعليم في مصر، إذ تفاقمت حالات النصب العلمي، بين الكبار والصغار المحتفى بهم من قبل مسؤولي الدولة، بالإضافة إلى تجاهل الخبرات العلمية المؤهلة مهنيا وفنيا فيما يستمر الإعلام الرسمي بالترويج لنماذج تنصب باسم العلم، وتحويلهم إلى رموز وعباقرة حاصلين على جوائز عالمية الأمر الذي يمكن من خلاله فهم أسباب احتلال مصر المرتبة 129 من بين 135 دولة في مؤشر جودة التعليم الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بينما حلت في المرتبة رقم 95 من بين 124 دولة مصنفة في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2018 الذي تصدره سنويا جامعة كورنيل، والمعهد الفرنسي لإدارة الأعمال (إنسياد)  والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو)، وهو ما يحذر منه الأكاديمي طاهر الدمرداش، أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة الملك عبد العزيز سابقاً، ومدير إحدى شركات الطاقة النظيفة في مصر حالياً، من خطره قائلا "عملية الترويج المكثفة لهؤلاء داخل المجتمع ومن ثم افتضاح أمرهم يؤدي إلى فقدان الثقة في العلم والعلماء الحقيقيين، حتى يصبح الجهلة والمدّعون رموزا ومصدرا للمعلومة الأمر المفيد للأنظمة الديكتاتورية".

وعلى الرغم من وجود علماء حقيقيين فإنهم لا يحظون بالتقدير والترويج الذي يصل له هؤلاء كما يرى الدمرداش، الأمر الذي يشجع آخرين على تكرار النصب باسم العلم بكل أريحية ومن دون خوف من افتضاح أمرهم، في ظل هيمنة المصادر الحكومية على الساحة الإعلامية، ويتابع قائلا "لا أعرف سبباً مباشراً لما يحدث، ولكنا أصبحنا في وضع مُحبِط ومؤسف للغاية، الجهل سيد الموقف، وحتى لو أراد النظام الحالي إصلاح الوضع، لن يستطيع الآن، إذ تترسخ تلك العملية".