المقترح الإسرائيلي لأزمة سد النهضة: نقل مياه النيل للأراضي المحتلة

21 أكتوبر 2019
الصورة
تروّج إسرائيل لإمكانية الاستفادة من مياه النيل(محمد الشاهد/فرانس برس)
بدأت دوائر مصرية رسمية التمهيد لحلول قاسية لأزمة سد النهضة، بدون الإشارة إلى ماهيتها، وسط بروز اسم إسرائيل كوسيط من الممكن أن تقبل به إثيوبيا في ظل علاقات وطيدة بين أديس أبابا وتل أبيب، بخلاف علاقات تعدّ الأعلى مستوى مع النظام المصري بين الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي والاحتلال.
الحديث عن الحلول القاسية لا يقف عند إمكانية توسط إسرائيل لتسوية الأزمة كما بدأت دوائر إعلامية تعمل في صحف وقنوات مملوكة لأجهزة الدولة بالترويج، لكن الجانب الأخطر قد يصل إلى وصول مياه النيل إلى الأراضي المحتلة باتفاق ثلاثي بين القاهرة وأديس أبابا وحكومة الاحتلال.
ذلك السيناريو وصفته مصادر رسمية خاصة تحدثت لـ"العربي الجديد" بأنه لم يعد مستبعداً تماماً؛ بل إنه ربما بات السيناريو الأقرب في ظل الموقف الصعب الذي تمرّ به مصر في تلك الأزمة؛ نظراً لرفض إثيوبيا التصور المصري الخاص بملء خزان السد مع إثيوبيا، وفشل كافة المفاوضات مع استمرارها في مواصلة عملية البناء واقترابها من عملية التشغيل الرسمي للسد في 2021.
وأضافت المصادر أن "مسار المفاوضات يبدو أنه كان مدروساً ومخططاً له بعناية فائقة تتجاوز قدرات صانع القرار الإثيوبي؛ بحيث ينهك الجانب المصري في مفاوضات ماراثونية لا جدوى منها سوى أنها تتيح لأديس أبابا الوقت للانتهاء من عملية البناء وفقاً للمخططات والتصميمات التي حددتها هي، لتجد مصر في النهاية نفسها أمام سد مكتمل على أرض الواقع في وقتٍ تكون قد فقدت فيه القاهرة الوسائل كافة لتغيير مسار السد". وبحسب المصادر "حتى الحل العسكري الذي تروّج له دوائر رسمية مصرية أخيراً يأتي من باب تخفيف الغضب الشعبي في الشارع المصري".
وفي السياق، قال مصدر فني رفيع المستوى لـ"العربي الجديد" إنه "كانت هناك في السابق هواجس بشأن مشروعات للري والمياه تم تنفيذها في سيناء، خصوصاً في ظل مشروعات مماثلة كانت موجودة"، مضيفا "على سبيل المثال الحديث عن سحارات سرابيوم (تفريعة تحت الأرض لنقل مياه النيل إلى سيناء) في الوقت الراهن بات مريباً". وأوضح أن الهدف الذي تم من أجله الترويج لمشروع سحارات سرابيوم كان خدمة المخطط القومي لتنمية سيناء، وهو ما يتعارض فعليا على أرض الواقع مع إخلاء مساحات شاسعة من السكان الأصليين وتهجيرهم إلى أماكن أخرى كما حدث في رفح على سبيل المثال، بخلاف تجريف مساحات زراعية واسعة تحت مبرر الأسباب الأمنية لملاحقة العناصر الإرهابية هناك".
ويتابع المصدر "بخلاف ذلك كان هناك مشروع قائم وهو ترعة السلام والذي كان الهدف الأساسي له هو زراعة سيناء"، مشيراً إلى أن "الحديث عن الربط بين سيناء وصفقة القرن (خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية) أمر آخر لا يمكن استبعاده من معادلة حل أزمة سد النهضة في ظل التعامل مع طرف مثل الإسرائيليين الذين لديهم تطلعات وأهداف مستقبلية كبيرة، خصوصاً في ظل توغلهم في أفريقيا ومشروعات الزراعة والري والمياه هناك".


وكشف المصدر أنه في وقت سابق كان وفد إسرائيلي في زيارة إلى القاهرة والتقى مسؤولين رسميين في وزارتي الزراعة والري، وخلال المناقشات قال مسؤول إسرائيلي إن "مياه النيل من الممكن أن تكون وسيلة لترسيخ السلام بين الشعوب".
وأوضح المصدر أنه "عند مطالبة المسؤول الإسرائيلي بمزيد من التوضيح، قال إن المياه المهدرة من النيل من الممكن أن تصل إلى القدس وتحقق منافع مشتركة عبر مشروعات يمكنها تحقيق هذا الغرض"، لافتاً إلى تطرق المسؤول الإسرائيلي وقتها إلى تفاصيل فنية لم نكن نعلم مصدرها بشأن ترعة السلام وعدم جدواها بسبب ارتفاع درجة الملوحة بها بشكل يؤثر على جودة وكفاءة المياه التي تمرّ عبرها.
وبحسب المصدر لم يؤخذ الكلام على محمل من الجدية، إلا أنه مع تعقُّد المشاورات بشأن سد النهضة وتعنّت أديس أبابا باتت الأمور تتكشف بعض الشيء، فيبدو أن هناك سيناريو موضوعاً لتكون نهايته الوصول إلى هذا الحل، وتساءل "لا أدري إن كان صناع القرار المصريون يشاركون في هذا السيناريو بإرادتهم الكاملة أم بحسن نية؟".
من جهته، قال دبلوماسي غربي في القاهرة، شارك في ورشة عمل سابقة بشأن حروب المياه في أفريقيا نظمها الاتحاد الأوروبي، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك تقارير عدة دبلوماسية وفنية تؤكد نقل مياه النيل إلى إسرائيل في مرحلة من المراحل عبر آلية مشتركة، خصوصاً بعدما ساوت دراسات بين قيمة النفط والمياه كموارد يمكن استغلالها لتحقيق عوائد تدعم الاقتصاد المحلي".
وبحسب الدبلوماسي الغربي فإن "الحضور الإسرائيلي في إثيوبيا، والذي يصل إلى حد الشراكة في قطاعات عديدة أهمها مجالات الاستثمار الزراعي ومجال المياه، له خطط تطلعية كبيرة"، مضيفاً "هناك 23 شركة إسرائيلية تعمل في مجالات لها علاقة بسد النهضة عبر 7 عقود موقعة بين حكومتي أديس أبابا وتل أبيب، ومؤخرا سمحت الحكومة الإسرائيلية لإثيوبيا بالحصول على منظومة صاروخية متطورة لتأمين سد النهضة، وربما لتضييق آفاق الحل أمام صانع القرار المصري من خلال جعل الخيار العسكري أكثر صعوبة"، مشيراً إلى أن "منْح إسرائيل تلك المنظومة الصاروخية لإثيوبيا كان بتسهيلات كبيرة".
ويقول الدبلوماسي الغربي، الذي شارك في إعداد أوراق بشأن مسألة المياه والسدود في أفريقيا، إن "آلية التفاوض التي اتبعتها إثيوبيا مع مصر وضع أسسها فريق تفاوضي في الخارجية الإسرائيلية ومنهم وزير الخارجية السابق شاؤول موفاز، رئيس الأركان السابق، وديفيد كمحي أحد القيادات البارزة السابقة في الموساد الإسرائيلي".
وأوضح الدبلوماسي الغربي أن الأمر لا يقتصر بالنسبة إلى إسرائيل على سد النهضة أو إثيوبيا فقط بل إن تل أبيب عبر مراكز أبحاثها أعدت خطة شاملة لمنظومة المياه والسدود في أفريقيا بشكل يجعلها صاحبة الكلمة العليا ويمكنها من الاستفادة القصوى من المياه الأفريقية.
ويبلغ طول سحارة سرابيوم التي من المقرر أن تكون وسيلة تنفيذ المخطط الإسرائيلي لنقل مياه النيل للأراضي المحتلة 420 متراً، بهدف نقل المياه أسفل قناة السويس.
وتُعد السحارة أكبر مشروع مائي ينفذ في منطقة الشرق الأوسط، وتتكون من 4 بيارات ضخمة لاستقبال ودفع المياه، ويبلغ عمق البيارة الواحدة 60 متراً، ويبلغ قطر السحارة الداخلي ما يقرب من 20 متراً، مع 4 أنفاق أفقية طول النفق الواحد منها 420 متراً محفورة تحت قناة السويس الجديدة، ويبلغ قطر النفق الواحد 4 أمتار، وعمقه 60 متراً تحت منسوب سطح المياه، وأسفل قاع القناة بعمق 16 متراً تحسباً لأي توسعة أو تعميق مستقبلاً. ويبلغ طول النفق 420 متراً لنقل مياه نهر النيل من ترعة الإسماعيلية كمصدر رئيسي لتبدأ رحلتها من غرب القناة القديمة بترعة السويس، وتمتد بطول سحارة سرابيوم تحت القناة القديمة لتعبر الجزيرة "تجمع بين القناتين القديمة والجديدة"، وتمر بسحارة سرابيوم الجديدة لتصل إلى شرق القناة الجديدة ناحية ترعة الشيخ زايد جنوباً وترعة التوسع شمالاً.