المغرب: مطالب بتوسيع استفادة "معتقلي السلفية" من "المصالحة"

05 يوليو 2020
الصورة
برنامج "مصالحة" عاجز عن استيعاب كل السجناء السلفيين (جلال مرشدي/الأناضول)
+ الخط -

يعود من جديد السؤال حول مدى نجاعة المقاربة المغربية في طي صفحة معتقلي السلفية الجهادية، بعد أن كشف تقرير برلماني عن وضعية السجناء، ينتظر عرضه الأربعاء المقبل على لجنة العدل والتشريع في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، عن مطالب بتوسيع مجال الاستفادة من برنامج "مصالحة"، الذي يهدف لإعادة إدماج سلفيي المغرب ومصالحتهم مع "ذواتهم، ومع المجتمع، ومع النص الديني".
وبعد 3 سنوات من اتّباع المغرب برنامج "مصالحة"، كان لافتاً للانتباه الإشارات التي حاول معتقلو السلفية الجهادية بعثها، حينما طالبوا، خلال حديثهم مع أعضاء اللجنة الاستطلاعية التي أوفدها مجلس النواب إلى ثلاثة سجون في المملكة، بتوسيع هامش الاستفادة من المصالحة، مبدين استغرابهم من بقائهم قيد الاعتقال، "في الوقت الذي تم فيه إطلاق سراح قادة التيار السلفي". وفي فبراير/شباط 2012، شكّل الإفراج عن الشيوخ محمد عبد الوهاب رفيقي، حسن الكتاني، وعمر الحدوشي، الذين كانوا يعتبرون إعلامياً وأمنياً منظرين لتيار السلفية الجهادية، حدثاً تاريخياً، بحكم أنه تم بأول عفو ملكي، بعد الدستور الجديد لسنة 2011، كما خلّف أملاً كبيراً لدى باقي المعتقلين في السجون على خلفية الملف نفسه.

كشفت محاولات الدولة أن السجن ليس حلاً دائماً لمشكلة التطرف في البلاد
 


ومباشرة بعد هذا العفو، توالت المبادرات لإيجاد حل لبقية المعتقلين على خلفية قانون مكافحة الإرهاب، من قبل جمعيات حقوقية ومؤسسات وشخصيات حقوقية وسياسية. كما دخلت الدولة، بشكل غير رسمي، في حوار داخلي مع بعض رموز السلفيين المعتقلين، الذين تقدّموا بمبادرات "حسن نيّة" تحت مسمى "مراجعات"، أخذت صيغ بيانات ووثائق، ماضية في "المراجعة والمصالحة"، بهدف إطلاق سراح باقي المعتقلين على أساس "التوبة" عن الأفكار الجهادية والاندماج السليم في المجتمع والاعتراف بالثوابت الوطنية.
وكشفت محاولات الدولة، سواء الرسمية أو غير الرسمية، للدخول في مفاوضات مع معتقلي السلفية الجهادية من داخل السجون، عن إدراكها أن السجن ليس حلاً دائماً لمشكلة التطرف في البلاد. تبعاً لذلك، تحوّل تركيزها نحو تفكيك الخطاب المتطرف لدى الإسلاميين القابلين لإعادة التأهيل. وكانت المحصلة إطلاق المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بشراكة مع الرابطة المحمدية للعلماء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان في العام 2017، برنامج "مصالحة"، الذي يعمل على محاربة التطرف بالاعتماد على التربية الدينية، والمواكبة النفسية، وتنظيم ورشات عمل تعنى بالقانون ونشر ثقافة حقوق الإنسان، وتقديم تأطير سياسي-اقتصادي.

وبعد 3 سنوات من العمل ببرنامج "مصالحة"، ارتفع عدد المعتقلين على خلفية قضايا الإرهاب والتطرف الذين خضعوا للبرنامج، عام 2019 إلى 75 مشاركاً ومشاركة، مقابل 25 سنة 2017 و50 في 2018. فيما عمدت المندوبية العامة لإدارة السجون في 16 سبتمبر/أيلول الماضي، وللمرة الأولى، إلى إطلاق، برنامج "مصالحة" الخاص بالمعتقلات على خلفية قضايا الإرهاب والتطرف، والذي عرفت دورته مشاركة 10 معتقلات.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه المندوبية العامة لإدارة السجون أن برنامج "مصالحة يشكل تجربة فريدة من حيث مضامينه وأهدافه وطريقة تنفيذه"، يرى المؤسس والباحث في مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث عمر العمري، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هناك قصوراً بنيوياً في البرنامج يجعله عاجزاً عن استيعاب كل السجناء المعتقلين في قضايا التطرف الديني، إذ يستجيب فقط لطلبات محدودة، لأن الطاقة الاستيعابية لتأطير هؤلاء السجناء لا تتعدى العشرات. وأشار إلى أن "المشرفين على البرنامج، وهم علماء دين وحقوقيون وخبراء، يمكنهم فقط تأطير ما بين 20 إلى 30 سجيناً في دورة واحدة، وهي تتضمن مواد تكوينية متعددة، وتتطلب زمناً معيناً. فكيفية عمل هذا البرنامج لا تجعله مؤهلاً لأن يستجيب لكافة المعتقلين، وقد يتجاوز عددهم الألف حسب بعض الاحصائيات". وبحسب العمري، فإن عدم الاستجابة لبعض الطلبات يحكمه كذلك الهاجس الأمني من احتمال عودة بعض السجناء للعمل الجرمي بعد استفادتهم من العفو العام، لافتاً إلى أن برنامج "مصالحة" عمل تفرَّد به المغرب، وأبان عن نجاعته في مكافحة التطرف الديني داخل السجون، إلا أنه يبقى عاجزاً عن تلبية كل طلبات السجناء للاستفادة من برامجه، ما يجعل بعض السجناء يحتجون ضده وينتقدونه.
كما يتجلى قصور البرنامج، وفق الباحث المغربي، في طابعه "الاختياري"، فهو يعالج فقط الطلبات التي يتقدّم بها السجناء بصفة طوعية. ويقول "في ظل هذا الوضع تطرح أسئلة من قبيل: ماذا عن باقي السجناء المحكومين في جرائم إرهابية خطيرة وليست لديهم رغبة مثلاً في الاستفادة من المصالحة؟ من يحاور هؤلاء، ومن يستطيع أن يقنعهم بالقيام بمراجعات فكرية من أجل التخلص من تطرفهم العنيف وغلوهم الديني؟ ومنهم من ستنتهي فترة عقوبتهم وسيخرجون للحرية، وهم لم يخضعوا لأي تكوين أو تأهيل يساعدهم على الاندماج السليم في المجتمع". لذلك يبقى برنامج "مصالحة"، بحسب العمري، قاصراً في معالجة قضايا التطرف الديني داخل سجون المغرب، ما يقتضي التفكير في تطويره، أو إحداث برنامج جديد، أو إضافي من أجل أن يستوعب كافة المعتقلين على خلفية القيام بأعمال إرهابية أو عنيفة باسم الدين.

يتجلى قصور برنامج مصالحة في طابعه الاختياري
 


وبينما سجل التقرير البرلماني للمهمة الاستطلاعية أن بعض السجناء يستغربون من استثنائهم من الاستفادة من برنامج "مصالحة" والعفو العام، خلافاً لقادة التيار السلفي الجهادي، الذين كانت لهم مسؤولية معنوية في إصدار فتاوى تحريضية على الجهاد والعنف باسم الدين، يؤكد الباحث المغربي ضرورة الأخذ بعين الاعتبار المعاناة النفسية لهؤلاء السجناء، الذين يعتقدون أن تجاوزات معينة طاولتهم، ما يقتضي المعالجة العاجلة لكافة طلبات الراغبين في الاستفادة من برنامج "مصالحة" الحالي، بل هناك ضرورة ملحّة أيضاً لتطوير هذا البرنامج لاستهداف كافة المعتقلين على خلفية قضايا الإرهاب والعنف الديني، وتوسيع مجال عمله وطاقته الاستيعابية، وإشراك فاعلين جدد غير المتواجدين حالياً، لا سيما إشراك فاعلين من قبل المجتمع المدني.
من جهته، يبدي أحد أبرز شيوخ السلفية سابقاً، رئيس مركز الميزان للوساطة والدراسات والإعلام، محمد عبد الوهاب رفيقي، اتفاقه مع ما طرحه معتقلو السلفية من دعوة إلى توسيع دائرة البرنامج لتشمل أعداداً أكبر من المستفيدين، مشيراً، في حديث مع "العربي الجديد "، إلى أن من الملاحظات المطروحة اليوم محدودية المستفيدين من العفو مقابل المستفيدين من البرنامج. ويرى رفيقي ضرورة توظيف ما وصفها بالمبادرة الجيدة (برنامج مصالحة) لحل الكثير من الإشكاليات المرتبطة بملف المعتقلين السلفيين في المغرب، وذلك من خلال توسيعها لتشمل عدداً أكبر، معتبراً أن من شأن التفاعل السريع مع مثل هذه الدعوات، مع الالتزام بالضوابط الأمنية، أن يشجع الكثير ممن تبقى من المعتقلين على الانخراط في مسارات المصالحة ومراجعة الكثير من الأفكار التي يحملونها.

المساهمون