اللحظة السحرية أميركية

07 سبتمبر 2020
الصورة

في مسارات الأمم وتاريخ الشعوب، توجد لحظات سحرية، تتغير عندها المصائر بشكل غير متوقع، وأحياناً غير مفهوم. يمر العالم حالياً بتلك اللحظة السحرية، حيث يمكن لأيٍ كان القيام بما يشاء، استغلالاً لحزمة المعطيات الإقليمية والعالمية التي جعلت مناطق الصراع والتنافس ساحاتٍ مستباحة. بنظرة سريعة على الأوضاع العالمية اليوم، يمكن بسهولة ملاحظة كم التحولات والمفاجآت التي تشهدها أقاليم عدة في العالم. على الرغم من أن بعضها لم يشهد مقدمات منطقية لتلك التحولات. مثلاً، قامت الهند بخطوة متقدّمة في النزاع مع باكستان حول إقليم كشمير، بإصدار قانون بضم مناطق في الإقليم للسيادة الهندية. ولولا حرص إسلام أباد على عدم التورّط في معركة تستنزف قدراتها، لنشبت مواجهة مسلحة مع نيودلهي. 
على الرغم من أن قضية ارتباط هونغ كونغ بالصين شبه محسومة منذ عودتها إلى الصين عام 1997، إلا أن بكين أصدرت تشريعاً يُخضع الجزيرة لمزيد من السيطرة الصينية، بغير مبرّر واضح، فاندلعت تظاهرات واحتجاجات عنيفة، جعلت الوضع في الجزيرة قابلاً للانفجار في أي لحظة.
في الشرق الأوسط، أعلنت الإمارات تطبيع العلاقات مع إسرائيل، على نحو مفاجئ. وبدأت تتوالى إشارات مشابهة من السعودية والبحرين والسودان. وعلى الرغم من أن التقارب العربي الإسرائيلي ليس جديداً، إلا أن إعلانه رسمياً بشكل مفاجئ في هذا التوقيت، من دون مقدّمات، هو الذي يثير التساؤل، خصوصاً في ذلك التوقيت تحديداً. ويثار التساؤل ذاته عن التحرّكات المستجدة في أكثر من ملف، منها ليبيا وسورية وشرق المتوسط. ففي هذه الملفات وغيرها، يبدو واضحاً أن الدول في الشرق الأوسط وخارجه تتصرّف بحُرّية وأريحية، وصارت حساباتها الذاتية هي المحدّد الأساس، إن لم يكن الوحيد. ويتجلى هذا بوضوح في التصعيد المتبادل بين تركيا واليونان في مياه المتوسط، وحالة التوتر الشديد الذي يكاد يتطوّر إلى مواجهة مسلحة بينهما.
وفي أفريقيا، فجأة اندفعت إثيوبيا نحو التصعيد، ليس فقط مع مصر والسودان، ولكن أيضاً مع الولايات المتحدة. رداً على تعليق الأخيرة مائة مليون دولار من المساعدات الأميركية لها، بسبب تعنتها في قضية سد النهضة.
القاسم المشترك بين تلك التطورات المهمة والمفاجئة هو العامل الأميركي، فالقطب الأميركي الذي لعب سنوات دور الأخ الأكبر للعالم، بدأ في عهد الرئيس السابق، أوباما، ينأى بنفسه عن النزاعات الإقليمية، ليس فقط في الشرق الأوسط، وإنما في مناطق مختلفة من العالم. ثم جاءت إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، لتعيد النظر في محدّدات أي تحرك خارجي، وتخضعه لمعادلة المكسب والخسارة فقط، وبالمعيار المادي لا غيره. باستثناء ما يتعلق بإسرائيل وأمنها الذي يفوق كل المحدّدات والمعايير.
وفاقم اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية وطأة هذا الغياب، حيث يعاني كل رئيس أميركي في هذه الفترة من عدم القدرة على اتخاذ أي قراراتٍ قويةٍ في السياسة الخارجية. ومع اقتراب الانتخابات، يصبح الرئيس في حالة ضعف عام، وحاجةٍ ماسّة إلى أي إنجاز خارجي، يرفع أسهمه في الانتخابات، وهو ما ينطبق بدقة على توسيع دائرة السلام العربي الإسرائيلي.
إذن، تلك اللحظة السحرية التي سمحت لقوى وأطراف متعدّدة في العالم بالمبادرة والاندفاع، والتحرّك في اتجاهات غير متوقعة، لحظة أميركية بالأساس، سواء بالغياب والحياد تجاه هونغ كونغ وتايوان وسورية وليبيا وكشمير. أو بالرعاية عن بعد، كما بالنسبة للسلام في الشرق الأوسط. وأخطر ما في هذه اللحظة أنها، قصرت أو طالت، تُفضي إلى تطورات وتحولات ربما يصعب تحجيمها وتطويق آثارها لاحقاً، بعد انتهاء مرحلة "اللحظة السحرية"، وفي ذلك حديث آخر.