اللامرئية التاريخية

02 ديسمبر 2019
الصورة
("تمثيل"، لوحة لـ بول كلي، 1921)
+ الخط -

أستعير مفهوم اللامرئية من الفيلسوف الألماني آكسيل هونيث (1949)، والذي يستعمله في سياق اجتماعي لتحليل ظاهرة اجتماعية، لأبيّن بأن هذه الظاهرة - أو هذه اللامرئية الاجتماعية كما يسمّيها - لها جذور تاريخية، وأن الأسود في رواية "الرجل اللامرئي" (The invisible man) لـ رالف إليسون، التي سينطلق منها في بداية حديثه عن اللامرئية الاجتماعية، هو أسود غير مرئي اجتماعياً، لأنه بلا تاريخ، أو لأنه لم يُسمح له، مثل قارّته أفريقيا التي ينحدر منها، أن يكون جزءاً من التاريخ. إنه جزء لا يتجزّأ من تلك اللامرئية التاريخية التي يؤسّس لها التاريخ الكوني على الطريقة الهيغلية.

لقد وضع الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل نصّاً بعنوان "سيبيريا الروح"، يعلّق فيه على نص للكاتب المجري لازلو فولدنيي بعنوان "دوستويفسكي يقرأ هيغل في سيبيريا ويجهش بالبكاء"، وممّا قاله، أن الوحشية التي اكتشفها دوستويفسكي تكمن في أن التاريخ، والذي كان يعرف بأنه ضحية له، تجاهل وجوده، وسيستمر ألمه دون أن يلحظه أحد، وأسوأ من ذلك هو أنّ ألمه لا يخدم أي هدف في صيرورة التاريخ الإنساني.

إن ما يقترحه هيغل، يقول الناقد الأرجنتيني، هو بنظر دوستويفسكي شبيه بما قاله كافكا لماكس برود: "هناك الكثير من الأمل، لكن ليس بالنسبة لنا". إن تحفظ هيغل أكثر فظاعة، برأي فولدينيي، من التصوّر المثالي عن وجودنا باعتباره خديعة: "يتم اكتشافنا، ولكن لا تتم رؤيتنا". ذاك ما أسمّيه بالأعين المحضة للفيلسوف.

منفياً إلى سيبيريا، كان دوستويفسكي يعمل على كتابه "مذكّرات من بيت الأموات"، حين أحضر له صديق كتاب هيغل "محاضرات في التاريخ الكوني". في هذا الكتاب سيذكر هيغل سيبيريا، ولكنه يذكرها عرضاً وفي كلمات قليلة، فقط ليقول لنا لماذا لن يهتم بسيبيريا في تاريخه الكوني. يكتب متحدّثاً عن القارة الآسيوية في البداية: "يتوجّب أوّلاً أن نحذف المنحدر الشمالي الذي هو سيبيريا. إنها لا تمثّل موضوعاً لتأمّلنا. فطبيعة البلد لا تسمح له بأنه يكون مكاناً للثقافة التاريخية أو يمثّل موضوعاً خاصاً في التاريخ الكوني".

وكما يكتب فولدينيي، يمكننا أن نتصوّر اندهاش دوستويفسكي وهو يقرأ هذه السطور، متعجّباً كيف أن الثقافة الأوروبية التي نُفي بسببها إلى سيبيريا لا تعير اهتماماً لمصيره وألمه. إنه يتألّم في سيبيريا، لكن سيبيريا لا مكان لها في التاريخ الكوني. وهذا بالضبط ما أعنيه باللامرئية التاريخية، ويمكن أن نقول ذلك أيضاً، وفقاً لهيغل، عن أفريقيا، فإنسانها لم تكتمل إنسانيته بعد، فكيف له إذن أن يشارك في التاريخ الكوني بالنسبة له؟

إن طرد دوستويفسكي من التاريخ الكوني، ولنقل إن طرد الألم من التاريخ الكوني سيدفع الروائي الروسي للاعتقاد بشيء اسمه المعجزة، بحاجتنا إلى ما هو وراء العقل وأعينه المحضة، وسيدفعه أيضاً للتعرّف على القانون القاسي الذي أسّس للحداثة، ليرى بأن "التاريخ يغلق جوهره أمام الآخرين الذين طردهم من قبل".

سيكتشف دوستويفسكي بأنه لا توجد ثقافة سكتت عن الألم كما فعلت ثقافة التنوير. يذكّرنا ذلك بالملاحظة التي عبّر عنها غيورغ زيمل، وهو يندهش من سكوت الفلسفة عن الألم الإنساني. ويرى دوستويفسكي بأن سكوت حقبة التنوير عن الألم، لم يجعلها تتجاوزه، بل ظلّت متجذّرة فيه. سيندهش أيضاً من ادعاء هيغل دراسته وبعمق لكل تلك الأرواح الضائعة. فجاء كتابه "مذكّرات من بيت الأموات" تمرّداً على الوجود بأكلمه، كما يكتب فلودينيي، ولكن خصوصاً على التصوّر العلماني للتاريخ كما عند هيغل، والذي اعتقد بأنه سيتم التخلّص من الألم على هذه الأرض بشكل نهائي.

سيكتب هيغل في "أصول فلسفة الحق" بأن التاريخ الكوني يتموقع خارج العدالة والفضيلة والظلم والعواطف الكبيرة والصغيرة والذنب والبراءة، أي خارج كل ما نسمّيه بالحياة. وهذا هو استدلاله لماذا لا يمكن لكل الشعوب أن تنتمي إلى التاريخ الكوني. كتب فلودينيي: "إن الحرية العقلية، ليست بحرية"، ويُردف متابعاً بأن "إلهاً يخضع للعقل هو ليس إلهاً للحرية، بل إله للسياسة والغزو والاستعمار. إن العلمانية هي دين هذه الأزمنة الحديثة، والتاريخ، وفقاً للنظرة الهيغلية، هو تاريخ العلمانية.

وكان من حق دوستويفسكي أن يحس بأن هيغل لا يطرد سيبيريا (ومع سيبيريا دوستويفسكي نفسه) من التاريخ، بل إنه يحاول مثل مبشّر أن يقنع مجموع البشرية أن لا ترى كتاريخ، إلّا ما تسمح به الرقابة التي يفرضها نظامه العقلاني.

يقول دوستوفسكي: "لن ينبس (هيغل) إلّا بكلمات قليلة حول سيبيريا، وتفسير ذلك واضح: قبيل ذلك سيتعرّض هيغل لأفريقيا، والتي ستسقط هي أيضاً من التاريخ. إن طرد أفريقيا سيُنجزه في تلذّذ، وفي إلهام شاعري، إلى حد أن دافعه الخلّاق ستخور قواه في النهاية. وما قاله عن أفريقيا يصدُق أيضاً على سيبيريا. الإقصاء والرفض لهما في الحالتين معاً والسبب ذاته: الخوف مما هو غير معقول بالنسبة للعقل الأوروبي، الفزع مما يتعذّر فهمه، والتهيّب من الظلام".

يضيف الكاتب الروسي: "لكن الأكثر فضحاً لذلك هو حماس هيغل غير المنتظر. فهو حين يرفض أفريقيا وسيبيريا، فإنه يرفض شيئاً أحس بلسعته من الداخل (...) إن هيغل لا يستغل أحاسيسه فقط، بل إنه ينكر أناه المظلمة، كل الأشياء المرعبة والقبيحة والمثيرة للاشمئزاز، والتي لم يكن ليضطر إلى رفضها بهذه القوة، لو لم يقف على جذورها في قلبه ذاته. إن الحماس الذي يصف به الأعمال الوحشية المستمرّة في أفريقيا، كما يزعم، وكتابته التي لا تعرف الكل عن حالات جديدة وحكايات طريفة وقصص مرعبة، دون أن يكتشف شيئاً من الفرح والجمال أو الدهشة في هذه القارة، إن ذلك يؤكّد في مرحلة أولى بأن هيغل لم يكن يهاب أفريقيا (كان يحس نفسه بأمان في برلين)، بل إنه كان في حرب مع غرائزه. إن الفيلسوف الذي كان بعيداً بسنوات ضوئية، سيصنع في ما بعد، وبهدف العلاج الذاتي، فلسفة للتاريخ، ومعها تفسيراً للوجود. ومع ذلك فقد نقول بأنه من الممكن أن فيلسوفنا لم يكن يأمل بشيء في داخله، إلّا بما قاله رامبو وجينيه لاحقاً: إنني زنجي".

المساهمون