القضية اليمنية الجنوبية وحرب التحالف: أطماع الإمارات تزيدها تعقيداً

25 مارس 2019
الصورة
دعمت الإمارات قوات ضد الشرعية (كريم صهيب/فرانس برس)
أربع سنوات انقضت على انطلاق الحرب اليمنية مع دخول الحوثيين مدينة عدن العاصمة المؤقتة للشرعية، ومعها انطلقت "عاصفة الحزم" للتحالف بقيادة السعودية والإمارات، تحت شعار دعم الشرعية ومواجهة الحوثيين وحليفهم حينها، الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وهي سنوات كانت كفيلة بإحداث تغيرات دراماتيكية شاملة على المستوى اليمني، وعلى مسار القضية الجنوبية خصوصاً، تراوحت بين التعقيد، وتغيير أماكن اللاعبين والمشاريع، فضلاً عن تزايد اللاعبين الخارجيين.

لم تكن القضية الجنوبية في السنة الأولى من الحرب تحظى باهتمام محلي أو خارجي كبير، لكنها كانت فترة إعادة ترتيب الأوراق، وتغيير المشاريع والتحالفات، مع ترقب وتأنٍ لدى بعض القوى الجنوبية. وسعت أطراف إلى التقارب مع الشرعية، وهي أطراف كانت ضمن الحراك الجنوبي المنادي بالانفصال، مثل فصائل المجالس الثورية في الحراك، و"حركة النهضة" وأحزاب سياسية، وفقاً لما أملته الظروف حينها. في المقابل تقاربت أطراف أخرى من بعض دول التحالف، كحال فريق الرئيس الأسبق علي سالم البيض، الذي كان حليفاً لإيران، واقترب مع انطلاق الحرب من الإمارات. فيما تمسك الرئيس الأسبق، علي ناصر محمد، والقيادي البارز حسن أحمد باعوم، بعلاقتهما بإيران ومعارضة الحرب التي شنّها التحالف.
وفي السنة الأولى من الحرب، كان التركيز على تحرير الأرض وإخراج الحوثيين من الجنوب، وإعادة رسم التحالفات، نظراً لأن انفجار الوضع والتّدخل العربي العسكري، شكّل مفاجأة لجميع الأطراف، مع أن هناك من كان يتحرك لفرض سيطرة ميدانية، بدعم خارجي بعيد عن الشرعية، كحال الإمارات.

تحوّل مفصلي

وبدأت ملامح التحوّلات في القضية الجنوبية، مع سعي الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي إلى إشراك أطراف كانوا من أهم ركائز الحراك الجنوبي، في السلطة، وتهيئة شراكة حقيقية في الحكم، بل تقديم القيادات الجنوبية للواجهة وتزعم المشهد السياسي. وإلى جانب هادي المنحدر من الجنوب، كان هناك نائبه رئيس الوزراء خالد بحاح أيضاً من الجنوب، كما سُلمت وزارات سيادية لشخصيات من الجنوب، إضافة إلى أن العديد من قادة المعسكرات والمحافظين والقادة الأمنيين كانوا من الجنوب، وهو جوهر ما كان ينادي به الجنوبيون كمدخل لحل قضيتهم. ومع هذا التحوّل المفصلي، تراجعت الأصوات المنادية بانفصال الجنوب في تلك الفترة، بعدما بات الجنوبيون طرفاً أساسياً في الحكم وفي إدارة مرحلة الحرب، بل الطرف الأقوى، وفق ما يقول أكثر من مصدر سياسي تواصلت معه "العربي الجديد". وبحسب تلك المصادر، فإن هذا التحوّل كان يعقّد التدخّلات الخارجية التي سعت لاستخدام القضية الجنوبية كورقة ضغط سياسية في اليمن، إذ إن إشراك الجنوبيين في السلطة قطع طريق أصحاب المشاريع الخارجية من الأطراف المحلية والخارجية، في السيطرة واللعب على وتر القضية الجنوبية.

لكن ذلك لم يستمر طويلاً، فقد بدأ التحوّل من داخل التحالف عن طريق الإمارات، التي عملت على تشكيل قوات عسكرية بعيداً عن الشرعية وإجماع التحالف، ثم دفعت إلى تشكيل مكوّن سياسي جديد، من قيادات الصف الثالث والرابع في الأطراف الجنوبية الحزبية والمكوّنات الحراكية، من ضمن المنخرطين في صفوف الحراك الجنوبي، واستقطبت الكثير منهم، ودفعت بهم إلى الواجهة، وأغدقت عليهم الأموال والمناصب، بمن فيهم عدد من مسؤولي السلطة. ودفعت هؤلاء إلى استغلال القضية الجنوبية، ورفع شعار الانفصال، ومن بينهم الشيخ السلفي هاني بن بريك، وبعض السلفيين الذين كانوا يهاجمون الحراك ويعتبرون الوحدة واجباً والانفصال حرام، إضافة إلى اللواء أحمد سعيد بن بريك، وأحمد لملس، وهما كانا ضد الحراك الجنوبي وأنشطته.

هذا التطور حوّل المشهد الجنوبي بشكل كبير، لتعود التجاذبات السياسية وصراع الشارع واستخدامه من قِبل كل الأطراف، في محاولة من كل واحد لفرض أمر واقع. لكن الإماراتيين رفعوا الدعم لحلفائهم بفتح المجال أمامهم لتشكيل قوات عسكرية، قامت أبوظبي بالإشراف عليها وتدريبها، لبسط سيطرتها على مناطق الجنوب. وكانت البداية من عدن، واعتبرت هذه القوات أن كل من يعارضها عميل، وعمدت إلى خلق تهم لمعارضيها، مرة بالعمالة لإيران والحوثيين، وأخرى بالعمل لتحقيق "أجندات إخوانية قطرية تركية"، ووصل الأمر إلى اعتبار من يقف مع الشرعية ضد هذه القوات خائناً. حتى أن هذه الأطراف المدعومة إماراتياً، حاربت حلفاء السعودية، بل إن أبوظبي دعمت محاولة الانقلاب على شرعية هادي في عدن في 28 يناير/كانون الثاني 2018، بهدف تمكين حلفائها.

احتدام الصراع بين قوات وجنود ومكوّنات جنوبية-جنوبية، كانت له آثار كبيرة على الشارع والأطراف السياسية، وأوجد انعطافاً جديداً في مسار القضية الجنوبية، فقد عملت الإمارات على إخراج الكثير من القيادات الجنوبية من السلطة، في مقدمتهم خالد بحاح، في مقابل تقارب أطراف جنوبية من الشرعية، نظراً للمكاسب التي حققتها القضية في إدارة الدولة والسيطرة على الأرض.

يقول المتحدث السابق باسم "مقاومة عدن"، الناشط السياسي علي الأحمدي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، "إذا نظرنا للقضية الجنوبية من زاوية الشراكة في السلطة والتي تم الانقلاب عليها في 1994، نستطيع القول إن القضية الجنوبية، حققت تقدّماً ونقله نوعية، وأصبح لدى الجنوبيين بمختلف أطيافهم حضور كبير في السلطة، وباتت أغلب المناطق الجنوبية تحت سيطرة قوات من أبنائها، وبقي فقط إعادة مؤسسات الدولة ودحر الانقلاب لضمان تثبيت هذه المخرجات، والتي تم التوافق عليها في مؤتمر الحوار". ويضيف "لكن من زاوية البُعد الداخلي للقضية الجنوبية، فإن الأمور تعقّدت أكثر، مع توسع الانقسام والاستفراد وادعاء الأحقية بتمثيل الجنوب، مما أعاد تكريس الانقسام القديم، ووضع الجنوب واستقراره على المحك، وفتح المجال لمزيد من التدخل الخارجي، ودعم أطراف على حساب أخرى، مما ضرب اللحمة الجنوبية".

مواجهة الإمارات
وشهد العام 2018 واحدة من أهم التحوّلات الجنوبية، ففي الوقت الذي حاولت فيه أبوظبي تمكين حلفائها بقوة السلاح، وإقصاء كل الأطراف الأخرى، فإن المكوّنات المقابلة عملت على مواجهة هذا الإقصاء، في الشارع وعلى المستوى السياسي والعلاقات الداخلية والخارجية، وفق ما يقول مصدر سياسي جنوبي رفيع، لـ"العربي الجديد". ويؤكد أن تلك المقاومة سواء الرسمية أو الشعبية أو حتى العسكرية، أفشلت مساعي الإمارات لتمكين حلفائها، وإقناع المجتمع الخارجي بأن حلفاءها يمثلون وحدهم الجنوب وقضيته، لتُوجَّه اتهامات لأبوظبي بتشكيل كيان مناطقي، ما خلق ردة فعل رافضة لدى أطراف خارجية، مضيفاً "حاولت أبوظبي إصلاح هذا الخلل من خلال استقطاب قيادات من مناطق أخرى، وإدخال وجوه جديدة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، من خلال الإغراءات، لكن محاولات الانقلاب في عدن، أوجدت فجوة بين الشارع في مناطق جنوبية عدة، وبين الإمارات وحلفائها في المجلس الانتقالي، نظراً لتزايد مخاوف الجنوبيين من عودة الصوت الواحد، والفكر الواحد، والتصفيات لكل المعارضين".

ويرى المصدر أنه "نظراً لاستخدام الإمارات قيادات صغيرة، كان من الطبيعي أن تفشل في التقدّم مع هذا المكوّن، لذلك سعت لاستخدام القوة العسكرية لفرض حلفائها، ما أدى إلى تعقيد الوضع العام للقضية الجنوبية، وضرب محاولات تكوين رأي جنوبي يمثّل القضية في أي مفاوضات، فسعت الإمارات إلى تسويق المجلس الانتقالي في الخارج، حتى أصبح الاهتمام في تكوين العلاقة الخارجية، أهم من القضية الجنوبية".

وفشلت كل اللقاءات والدعوات في توحيد موقف الأطراف الجنوبية، وأدى اختلاف الجنوبيين حول من له الأحقية في تمثيل القضية إلى رفض المجتمع الدولي مشاركة أي طرف جنوبي في المفاوضات السياسية. ووسط هذا المشهد، سعى كل طرف من الأطراف الجنوبية للاستقواء بالخارج لمواجهة الداخل، ما ساهم في توتير وانقسام الشارع. وفي الوقت الذي استخدمت فيه الإمارات علاقاتها الدولية لفتح الطريق أمام حلفائها، وتقديم مشروعهم وإقناع الأطراف الدولية بها، وهو الأمر نفسه الذي يقوم به حلفاء إيران في الجنوب، سعت الشرعية هي الأخرى إلى اللعب على خطين متوازيين، دعم حلفائها وتمكينهم في مراكز الدولة، وشرح ما تحقق من خطوات لصالح الجنوبيين خلال السنوات الأخيرة، سواء في الشراكة في إدارة الدولة، أو حتى في تمكين الجنوبيين من حكم مناطقهم.

وعلى الرغم من الحضور الكبير للقضية الجنوبية في بداية العام 2019 وتحقيق الكثير من المكاسب، إلا أنها لم تشهد وضعاً أكثر سخونة بين الأطراف الجنوبية مما هي عليه الآن، ما بات يهدد أي مكاسب حققها الجنوبيون على مختلف الأصعدة، في ظل تزايد التدخلات الخارجية، والتنافس الشديد بين القوى الجنوبية.