الفن المغربي.. تسعة طوابق في باريس

08 اغسطس 2014
الصورة
"العالم تحت الضغط"، بتول سحيمي
+ الخط -

يستعد "معهد العالم العربي" بباريس لاستضافة تظاهرة ضخمة حول الإبداع المغربي المعاصر تنطلق فعالياتها في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر المقبل. وتتضمن التظاهرة معرضاً كبيراً يتوخى تقديم الفن المغربي المعاصر في مختلف تجلياته وتياراته والتركيز على الفنانين الأحياء من مختلف الأجيال.

تهدف هذه التظاهرة الضخمة - التي لم يستقر بعد رأي المنظمين على عنوانها النهائي - إلى إبراز المناحي المتنوعة والمختلفة للإبداع المغربي المعاصر، على مستوى الفن التشكيلي، بالتوازي مع معارض أخرى وفعاليات متنوعة مخصصة للأدب والسينما والموسيقى والرقص والتصوير والعمارة والتصميم.

وفي مبادرة غير مسبوقة، سيخصّص المعهد بنايته كاملة بطوابقها التسعة ومكتبتها وأروقتها وباحتها الواسعة، حيث سيتم نصب خيمة مغربية ضخمة لاحتضان فعاليات هذه التظاهرة التي تعد الأهم من نوعها في فرنسا، كما أنها التظاهرة الأولى التي يُقدّم فيها الإبداع المغربي المعاصر بهذا الحجم خارج بلاده.

التظاهرة ثمرة تعاون وتنسيق دام أكثر من عام بين إدارة المعهد و"مؤسسة المتاحف المغربية". وقد جرى اختيار الأعمال التي ستُقدَّم في المعرض بعد جولة قام بها المندوبون الثلاثة المشرفون على تنظيم التظاهرة؛ وهم الفرنسي جون هوبير مارتان والمغربيان موليم العروسي ومحمد المطالسي، في المدن والأقاليم المغربية، للاطلاع على راهن النتاج الفني المغرب وحقيقة انشغالات الساحة الفنية المغربية.

وفي قلب هذه التظاهرة، معرض فني ضخم يسعى إلى إبراز المنجز الفني المغربي المعاصر مع التركيز على التحولات التي تعيشها الساحة الفنية المغربية في العقدين الأخيرين.

حدّد المنظمون الأعمال التي ستشارك في المعرض من خلال مجموعة معايير يجملها موليم العروسي في حديث مع "العربي الجديد" بالآتي: "لقد حددنا وجهتنا وقلنا سنتعامل مع كل الفنانين الذين سجلوا حضورهم بطريقة أو أخرى، وحاولوا أن يعرضوا أعمالهم للجمهور في أماكن معروفة بمعاييرها وكتب عنهم نقاد مشهود لهم بالثقة. جمّعنا متْناً مهمّاً وحللناه على أساس أن نستخلص منه الاهتمامات الأساسية للفنانين المغاربة الشباب على الخصوص. لأن التظاهرة ككل وضعت تحت علامة المغرب المعاصر".

اهتمام خاص إذن بالمبدعين الشباب في هذا المعرض وانفتاح على التجارب الجديدة في التصوير الفوتوغرافي والتجهيزات وفن الفيديو والفن الرقمي والأدائي؛ سيما أن هذه التجارب لها وقع خاص عند المشاهد الفرنسي والغربي.

التظاهرة حُسمت أيضاً في نقطة أخرى تتمثّل في استبعاد أعمال الفنانين الراحلين، وإن كانت لهم مكانة أساسية في المنجز التشكيلي المغربي، والاقتصار على أعمال الفنانين الأحياء فقط.

وستزاوج التظاهرة بين أعمال فنانين طبعوا الساحة الفنية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مثل محمد مليحي وفريد بلكاهية وعبد الكبير ربيع، وفنانين آخرين من الداخل والخارج مثل نجية مهادجي وأحمد الباز ومنير فاطمي ويونس رحمون.

وتعرّضت هذه التظاهرة قبل بدئها والإعلان الرسمي عن لائحة المشاركين فيها إلى انتقادات شديدة اللهجة، خاصة من طرف نقابة التشكيليين المغاربة التي أصدرت بياناً نارياً جاء فيه: "هذه التظاهرة زاغت عن مسارها المبدأي، إذ أوكلت مهمة انتقاء المشاركين لشخصين لا يواكبان جميع مستجدات وتحولات الإبداع التشكيلي المعاصر في المغرب من حيث اتجاهاته وأساليبه المتعددة؛ ما أدى إلى الاقتصار المنهجي على بعض الحساسيات الفنية التجريدية بعينها مع إقصاء باقي الممارسات الإبداعية الأخرى".

غير أن العروسي نفى لـ "العربي الجديد" هذه الاتهامات مؤكداً أن المعرض منفتح في اختياراته على انشغالات الساحة الفنية المغربية، معتبراً في الوقت نفسه أن الأمر يتعلق بتحامل شخصي من طرف رئيس هذه النقابة الفنان عبد اللطيف الزين الذي لم تُدرج أعماله في هذا المعرض: "لقد دأب الرجل على هذه الانتقادات في كل تظاهرة لا يُدعى إليها، ويسعى دائماً إلى تعكير الجو. لقد راسل رئيس المعهد بطريقة فيها من الاستجداء ما جعلني أخجل". كما أكد العروسي أن هناك فنانين مميزين لم يُدرجوا في هذا المعرض لعدم توافق أعمالهم مع المعايير المحدّدة، من دون أن يمس هذا الغياب بمنجزهم ومكانتهم الفنية.

والملاحظ أن المشرف العام على التظاهرة جون هوبير مارتان ركز كثيراً في ترويجه لهذه التظاهرة عبر وسائل الإعلام الفرنسية، على العلاقة بين الملك محمد السادس، راعي هذه التظاهرة، والحيوية التي تعرفها الساحة الفنية منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، مقارناً بشكل دعائي ومجحف بينها وبين حركة "الموفيدا" الإسبانية التي شكلت ما يشبه الثورة الثقافية في الثمانينيات في إسبانيا: "في المغرب ظهرت طفرة جديدة تسمى "نايضة" في الساحة المغربية، بعد اعتلاء الملك محمد السادس عرش المغرب، بدأت في الموسيقى وغمرت الفنون التصويرية، وستكون حاضرة بقوة في هذا المعرض".

وفيما تتسارع وتيرة التحضير لفعاليات هذا المعرض، علمت "العربي الجديد" أن جاك لانغ رئيس المعهد ووزير الثقافة الفرنسي السابق، والمهدي قطبي رئيس "مؤسسة المتاحف المغربية" سيكشفان اللائحة الرسمية للفنانين المشاركين في هذه التظاهرة بداية الشهر المقبل في مؤتمر صحافي سيقام في المعهد.

وسيشكل هذا الإعلان لا محالة اختباراً لمدى تطابق الأعمال المقترحة في هذا المعرض مع الأهداف المعلنة، ومدى نجاحه في رهان تقديم فكرة شاملة عن المنجز الفني المغربي في مختلف تجلياته خاصة التجارب الشبابية الجديدة المفتوحة على المستقبل.