الفنانون ومتلازمة التهليل للنظام السوري

الفنانون ومتلازمة التهليل للنظام السوري

03 يناير 2020
الصورة
عباس النوري أيضاً ممنوع من الظهور (فيسبوك)
+ الخط -
يقتصر دور الإعلام في سورية، كما هو الحال في جميع الدول ذات الأنظمة الشمولية، على تقديم رؤية أحادية الجانب، تصوّر الواقع من منظور خاص، لتخدم مصالح النظام الحاكم وتهلل له. ولا يقتصر هذا الدور على ما يقدمه الإعلام في النشرات الإخبارية وبرامج التحليل السياسي، التي يجتمع فيها جميع الفرقاء على رأي واحد، بل يتعداه إلى كل ما يُعرض من البرامج الترفيهية المُعدّة لملء ساعات الفراغ؛ فغالبية المسلسلات التي يتم بثها ليست سوى معالجة درامية لرواية النظام الإعلامية. وحتى الساعات المخصصة للمقابلات والحوارات الفنية، فلا تخلو من الأبعاد السياسية، إذ بات التهليل للجيش هو لازمة يرددها جميع الفنانين في المقابلات التلفزيونية والإذاعية التي يعدها الإعلام السوري.

ورغم أن البرامج الفنية في التلفزيون السوري لم تخرج يوماً ما من طور البدائية، إلا أنها شهدت العام الماضي انتكاسة جديدة، تمثلت في قرارات أصدرتها وزارة الإعلام، بحظر بعض الفنانين السوريين ومنعهم من إجراء مقابلات إعلامية، كما حدث مع الفنانين عباس النوري، وعابد فهد، وأمل عرفة؛ وهو أحد الإجراءات التأديبية التي اتخذها النظام بعدما خرج بعض الفنانين السوريين عن النص، واستخدموا صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة لا تتوافق مع سياساته الإعلامية. إذ قام بعض هؤلاء العام الماضي بكتابة رسائل مناجاة علنية وجّهوها للرئيس الأسد، فتم الرد عليهم سريعاً، كما حدث مع شكران مرتجى مثلاً. كما قام بعض الفنانين بكتابة بعض المنشورات التوافقية، لجذب جمهور من المعارضة السورية، كما فعلت عرفة عندما كتبت منشورا اعتذرت فيه عن عرض الحلقة 23 من مسلسلها "كونتاك"، التي سخرت فيها من ضحايا المجازر الكيميائية التي ارتكبها الأسد بحق شعبه؛ سريعا أعلنت قناة "المدينة أف أم" إلغاء مقابلة كانت قد أعلنت عنها مع عرفة بعد أيام قليلة، لتكون ردة فعل عرفة إعلانها الاعتزال حينها.

وفي نهاية 2019، تم فك الحظر عن الفنانة أمل عرفة واستضافتها محطة "شام أف أم" في برنامج "نبض العاصمة"، وبدت المقابلة نموذجاً حياً للأسلوب المسّيس الذي يتعاطى فيه الإعلام مع هذا النوع من المقابلات. فخلال المقابلة التي تجاوزت مدتها الساعتين من الزمن، لم يتطرق مقدم البرنامج إلى أعمال عرفة الفنية، وإنما بدت المقابلة أشبه بمحاكمة لها، لمحاسبتها على ما تنشره على صفحتها في "فيسبوك". واستجابت عرفة لذلك بالتهليل لجيش النظام، رغم تمسّكها بخطابها الوسطي، المتمثل في التباكي على ضحايا الحرب من كلا الطرفين.
ساعتان من الزمن، ناقضت فيهما عرفة نفسها أكثر من مرة، لتتمكن من شكر السلطات على قراراتها الحكيمة، حين تسببت في إبعادها عن الشاشات لستة أشهر.
تمسّك عرفة بخطاب التعاطف مع الضحايا وتهليلها للجيش الذي تسبب في موت وتشريد ملايين السوريين، كان غريباً ومنفرا. كما أن الاتهامات التي تلفظت بها عرفة بحق الإعلاميين والفنانين السوريين الذين اضطروا إلى مغادرة سورية، ووصفهم بالعملاء، كان من أسوأ ما صرحت به عرفة في الأعوام الأخيرة. 
بذلك تنضم عرفة إلى عشرات الفنانين السوريين، ضحايا ماكينة الإعلام الخاصة بالنظام، التي تلزم الفنان بلعب الدور "الوطني" الموكل إليه. ربما كنت عرفة تستحق التضامن والتعاطف لو أن ما واجهته حصل في أول سنتين من الثورة السورية. أما بعد 8 سنوات، وبعد موت مئات الآلاف، فتبدو هي الأخرى مجرد شاهد صامت على المجزرة.

المساهمون